نسخة إسرائيلية من المكارثية

© AP Photo / Sebastian Scheiner بنيامين نتنياهو
بنيامين نتنياهو - سبوتنيك عربي
تابعنا عبرTelegram
نشر منظمة يمينية إسرائيلية متطرفة لأسماء عشرات الكتاب والفنانين والمثقفين الإسرائيليين ووضعهم في قائمة تسمى "المندسون"، لأنهم ينتمون إلى منظمات يسارية، تحريض على حملة تحاكي "المكارثية" لترهيب الإسرائيليين المعارضين لسياسات الحكومة الإسرائيلية.

لم يتأخر استغلال اليمين المتطرف لقرار مبادرة وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغف، وهي من حزب "الليكود"، القاضي بطرح "مشروع قانون جديد"، يشترط لرصد اعتمادات حكومية لمؤسسات ثقافية "ولاء هذه المؤسسات للدولة وقوانينها"، وهو ما شجَّع منظمة "إم ترتسو" اليمينية الإسرائيلية المتطرفة على نشر قائمة بأسماء عشرات الأدباء والفنانين والمثقفين الإسرائيليين، تحت عنوان "المندسون"، واتهمتهم بالانتماء إلى منظمات يسارية، وتبعاً للخطاب السياسي الإسرائيلي السائد يعدُّ الاتهام بالانتماء إلى منظمات يسارية إسرائيلية شكل من أشكال مناهضة إسرائيل.

وفقاً لخبر مطول نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، في 29/1/2016، شملت القائمة المنشورة صوراً لأدباء وممثلين ومغنين إسرائيليين مشهورين، منهم الأديبان عاموس عوز ودافيد غروسمان والممثلتان السينمائيتان غيلا ألماغور وريفكا ميخائيلي، مرفقة بأسماء الجمعيات التي ينتسبون إليها والأدوار أو المناصب التي يشغلونها فيها.

ونقلت الصحيفة في خبرها، الذي ترجمته عن العبرية "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" في نشرة "مختارات من الصحف العبرية"، تأكيد القائمين على الحملة أن هدفهم "توعية الإسرائيليين بالنسبة لمواقف هؤلاء الأدباء والفنانين، وتكريس فكرة أن أموال الضرائب التي يدفعها السكان يجب ألا تذهب إلى جهات معادية للدولة والجيش الإسرائيلي…"، وسبق لمنظمة "إم ترتسو" اليمينية المتطرفة أن نشرت، تحت العنوان ذاته، قائمة بأسماء منظمات يسارية تعمل في مجال حقوق الإنسان تتلقى تمويلاً أجنبياً، وتقوم بنشاطات وُصفت بأنها "مناهضة للجيش وللحكومة الإسرائيلية".

يشار هنا إلى أن قرار الوزيرة ريغف غير بعيد عن الجدل الواسع الذي أثير حول قرار بلدية حيفا وقف تمويل "مسرح الميدان"، كرد على عرضه مسرحية "الزمن الموازي"، المستمدة من رسائل معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، من خلال حبكة فنية محكمة، تجمع بين التراجيدي والكوميدي، على مدار ما يقارب ساعة ونصف الساعة بمشاركة ستة ممثلين، وتدور أحداثها في زنزانة "رقم4"، داخل أحد المعتقلات الإسرائيلية، في صورة مصغرة للعلاقة بين الفلسطينيين والمحتل الإسرائيلي. ويتزامن العرض مع الذكرى العشرين لاعتقال أبو دقة (راجع مقالة تحت عنوان "صراع بين الزمن الإسرائيلي والزمن الفلسطيني الموازي"، سبوتنيك بتاريخ 19/6/2015).

الوزيرة ريغف كانت قد قررت حينها تعليق تحويل الاعتمادات المالية إلى مسرح "الميدان"، لإصرار إدارته على الاستمرار في عرض مسرحية "الزمن الموازي"، التي اعتبرتها ريغف بأنها "تسيء إلى صورة الجيش الإسرائيلي". إلا أن المحكمة في حيفا وافقت على طلب التماس إدارة "مسرح الميدان"، وأمرت بلدية حيفا بتحويل باقي موازنة 2015 للمسرح المذكور.

 كما أن "مشروع قرار" الوزيرة ريغف وثق الصلة بالحملة التي تتعرض لها عشرات المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، لكشفها ممارسات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ولعبت منظمة إن منظمة "إم ترتسوا" اليمينية المتطرفة دوراً رئيسياً في الحملة، حيث أصدرت تقريرا اتهمت فيه منظمة "كسر الصمت" الإسرائيلية بتلقي تمويل فلسطيني "بهدف بث دعاية سياسية ضد إسرائيل، والحيلولة دون تمكنها من الدفاع عن نفسها في مواجهة العمليات المسلحة التي تستهدفها…". واستهدفت في الحملة أيضاً العديد من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية منها "بيتسليم" و"عدالة"، و"يش دين"، و"مركز الدفاع عن الفرد"، و"رابطة حقوق المواطن"، و"اللجنة الجماهيرية ضد التعذيب"، و"أطباء من أجل حقوق الإنسان"، و"حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، و"محسوم ووتش"، و"لجنة مكافحة هدم البيوت"، و"تحالف النساء من أجل السلام"، و"من يربح من الاحتلال"، و"أمنستي"، و"خط العامل"… إلخ.

ومن الواضح أن استهداف عشرات المنظمات الحقوقية والكتاب والفنانين والمثقفين والناشطين الإسرائيليين، المعارضين لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والاستيطان فيها، هو جزء من حملة تهدف إلى ترهيب منظمات المجتمع المحلي الإسرائيلية المؤيدة للسلام مع الفلسطينيين، ولتكميم أفواه المثقفين الإسرائيليين الذين ينتقدون سياسات حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، في نسخة إسرائيلية لـ"المكارثية"، التي عصفت بالولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي، بتخطيط وتنفيذ من قبل جوزيف مكارثي، رئيس "اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيق" في الكونغرس حينذاك، وطالت الحملة في أوج ما يسمى بـ"الحرب الباردة" الآلاف من رجال السياسة والمثقفين والفنانين والمسؤولين في الولايات المتحدة بتهمة التعاطف مع "الشيوعية"… إنها بداية نسخة إسرائيلية "مكارثية" بامتياز.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала