الولايات المتحدة وإسرائيل توأمان سياميان في تشويه مفاهيم الديمقراطية

© AP Photo / Nasser Nasserفلسطين
فلسطين - سبوتنيك عربي
تابعنا عبرTelegram
الديمقراطية على الطريقة الإسرائيلية تشرّعن الاحتلال، ولا تتعارض مع التمييز والفصل العنصري ضد الفلسطينيين، حتى ضد النساء العربيات في أقسام الولادة في المستشفيات.

تدعي الولايات المتحدة الأميركية أنها رائدة الديمقراطية والحرية في العالم، ولم يمنعها من ذلك تاريخها غير المشرف في فرض أشكال التمييز العنصري المؤسسي ضد المواطنين الأميركيين من أصول أفريقية، وهو واقع مازال يكتوي منه عملياً أصحاب البشرة السمراء من الأميركيين، فرغم أن قرار إلغاء العبودية في الولايات المتحدة اتخذ عام 1863، في عهد الرئيس أبراهام لينكولن، ظلت الممارسات العنصرية على حالها حتى نهاية ستينيات القرن الماضي ولم يتم محاصرتها واقعياً إلا بفضل نضال وتضحيات "حركة الحقوق المدنية"، بزعامة مارتن لوثر كنغ.

من المفارقات، العنصرية التي مارسها البيض في الولايات المتحدة ضد المواطنين الأميركيين من أصول أفريقية تم التستر عليها تحت شعار ضرورة تنظيم العلاقات بين العرقين عملاً بمبدأ "منفصلون ولكن متساوون"، وتطبيقاً لهذه المقولة العنصرية لم يكن مسموحاً لذوي البشرة السوداء استخدام وسائل النقل العامة التي يستخدمها البيض، أو أن يسكنوا في الأحياء التي يسكن فيها البيض، أو ارتياد المدارس والمستشفيات أو المطاعم والمكتبات ودور السينما والمسرح، أو الفنادق والحدائق العامة التي يرتادها هؤلاء. ومن منا لا يذكر الجملة العنصرية الشهيرة التي كانت تعلَّق على بعض المرافق العامة في الولايات المتحدة "ممنوع دخول الزنوج والكلاب".

وتم تعطيل حق المواطنين الأميركيين من أصول أفريقية في ممارسة حقهم الديمقراطي في الانتخابات العامة، ترشيحاً وتصويتاً، لاسيما في ولايات الجنوب، حيث صدرت هناك "أنظمة" و"قوانين" لحرمان ذوي البشرة السمراء من المشاركة في الانتخابات. وبعد نصف قرن على إلغاء الفصل العنصري في الولايات المتحدة مازالت آثاره موجودة بقوة، في معاناة ذوي الأصول الأفريقية وأبناء الأقليات العرقية الأخرى.

التذكير بتاريخ التمييز العنصري في الولايات المتحدة، ولو كان باستفاضة بالقياس إلى حجم المقالة، مهم وضروري، فالولايات المتحدة الأميركية هي الداعم والحليف الاستراتيجي لإسرائيل تاريخياً، وهي المدافع عنها بادعاء أنها "الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، أو بتعبير آخر يفضله الإسرائيليون وبعض الغربيين "واحة الديمقراطية في المنطقة"، بصرف النظر عن أن "الديمقراطية الوحيدة" أو "الواحة الديمقراطية" تحتل أراضي الفلسطينيين وتضطهدهم وتطبق عليهم سياسات قمعية وعنصرية.

وليس غريباً أن المنظرين والقادة السياسيين الإسرائيليين يغرفون من مخزون العنصرية الأميركية والغربية، فتحت يافطة "الديمقراطية والحرية" المدعاة شنت الولايات المتحدة مع حلفائها الغربيين عشرات الحروب ضد الشعوب المستضعفة، وصنفوا دول وشعوب العالم، بـ "دول وشعوب داخل التاريخ وأخرى خارجه"، حسب نظرية المنظر الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ".

إسرائيل — وفقاً لتقييم فوكوياما — هي داخل التاريخ، لأنها ملحقة بقـ "الثقافة والقيم المركزية الغربية"، ولذلك يمكن للمنظرين والقادة الإسرائيليين شرعنة العداء للفلسطينيين واحتلال أرضهم واستلاب حقوقهم، والزعم بأن ذلك لا ينتقص من ادعاء أن "إسرائيل دولة ديمقراطية"، وهم منسجمون مع أنفسهم حين يعيدون تحديد مفهومهم للديمقراطية بالإصرار على اعتبار "دولة إسرائيل يهودية ديمقراطية"، واستخدام هذا الشعار للتغطية على عمليات الاستيطان وشن الحروب وممارسة القتل المركز والعمد ضد الفلسطينيين، والفصل والتمييز العنصري بحقهم.

من أوجه استعانة القادة الإسرائيليين بالمخزون العنصري الأميركي، على سبيل المثال لا الحصر، إنشاء جدران الضم والفصل العنصرية، ومنع الفلسطينيين من ركوب وسائل النقل التي يركب فيها إسرائيليون، وذلك بموجب قرار صادر عن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون في 20 مايو/أيار 2015، اضطر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لتجميده بعد عاصفة من الانتقادات الدولية على هذا الإجراء العنصري، لكن يطبق المنع عملياً في كثير من الأحيان. وفي آخر نسخة من القوانين العنصرية ضد الفلسطينيين كشفت الإذاعة الإسرائيلية أن العديد من المستشفيات الإسرائيلية، في القدس وتل أبيب وكفر سابا، تقوم بالفصل بين النساء اليهوديات والعربيات في أقسام الولادة، وعللت تلك المستشفيات ذلك بأنه اتى تلبية لطلبات نساء يهوديات، الأمر الذي يذكرنا بالممارسات العنصرية في الولايات المتحدة حتى نهاية ستينيات القرن الماضي.

وعليه، ليس غريباً أن تدافع الولايات الأميركية عن إسرائيل، لأن مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ما زال مسيطراً عليه من قبل عنصريين مستترين، وليس غريباً أن تعتبر إسرائيل بأن الولايات المتحدة قدوتها في تطبيق الديمقراطية، فالولايات المتحدة وإسرائيل توأمان سياميان في تشويه مفاهيم الديمقراطية ببعدها الإنساني.    

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала