اللغة الفرنسية تتنفس الصعداء في الفضاء الأوروبي المشترك

© Sputnik . Alexander Masaltseva / الذهاب إلى بنك الصوربرج إيفل
برج إيفل - سبوتنيك عربي
تابعنا عبرTelegram
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستكون له آثار سلبية على كل دول الاتحاد، سياسياً واقتصادياً، غير أنه توجد بالمقابل آثار يعتبرها البعض إيجابية، بل مكاسب وطنية كبيرة في قيمتها، مثل إزاحة اللغة الإنجليزية من موقعها الذي كانت تحتله كلغة أولى في أروقة مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

بعيداً عن حسابات رجال السياسة والمال والأعمال بدأت الأضواء تسلّط على بعض التأثيرات الجانبية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومن تلك التأثيرات خسارة اللغة الإنجليزية لمعركة كبرى ربحتها دون جهد يذكر، قبل ما يقارب عقدين من الزمن، بتحولها إلى اللغة الأساسية المستخدمة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وفي فعاليات الاتحاد والوثائق الصادرة عنه، لكنها مقبلة اليوم على خسارة موقعها، على هامش تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد، في معركة ينظر إليها فرنسياً كمعركة وطنية، لاستعادة ما خسرته اللغة الفرنسية أوروبياً.

أحد الظرفاء قال إن ما يتمناه الفرنسيون، على هذا الصعيد، بأن يقال في وداع المسؤولين والموظفين البريطانيين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وداعاً باللغة الفرنسية (Au Revoir) وليس (Good bye) باللغة  الإنجليزية، وتلامس هذه الطرفة ما يعتبره كثير من الفرنسيين "جرحاً قومياً"، بإزاحة اللغة الإنجليزية للغتهم عن عرشها كلغة أولى في أروقة الاتحاد الأوروبي، أما اليوم فيمكن للفرنسيين أن يأملوا بعودة لغتهم إلى موقعها الاعتباري السابق أوروبياً.

عملياً لن يكون التحول من الإنجليزية إلى الفرنسية في مؤسسات الاتحاد الأوروبي بمثل هكذا سهولة، فبريطانيا هي الدولة الأكبر الناطقة بالإنجليزية داخل الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تكن الدولة الوحيدة، وإن كانت الوحيدة التي اختارت الإنجليزية كلغة رسمية، فإيرلندا عضو في الاتحاد أيضاً، وكذلك مالطا التي تعد الإنجليزية لغة ثانية لها بعد المالطية، فضلاً عن أن الغالبية الساحقة من ممثلي وموظفي الاتحاد من دول أوروبا الشرقية يتحدثون اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، والمقصود هنا داخل مؤسسات الاتحاد حيث من المعروف أن اللغة الروسية مازالت تحتفظ بحضور قوي في أوروبا الشرقية، لاسيما بين الفئات العمرية المتوسطة والكبيرة. إلا أنه مما لا شك فيه أن خروج بريطانيا من الاتحاد سيضعف اللغة الإنجليزية داخل البنية السياسية والاقتصادية الأوروبية المشتركة.

تجدر الإشارة إلى أن قوانين الاتحاد الأوروبي لا تسمح لأي بلد عضو في الاتحاد باعتماد أكثر من لغة وطنية، ويعتمد الاتحاد 24 لغة رسمية ولغة عمل، واختارت إيرلندا اللغة الغيلية واختارت مالطا اللغة المالطية، رغم أن اللغة الإنجليزية رائجة فيهما. وفي سياق متصل؛ من المعروف أن الفرنسيين يحتلون المرتبة الأخيرة أوروبياً في إتقان اللغة الإنجليزية، بينما تحظى اللغة الإنجليزية بمكانة متقدمة بعد اللغة الأم في العديد من الدول الأوروبية، مثل السويد والنرويج والدنمارك. وظل عدد المسؤولين المتحدثين باللغة الفرنسية في بروكسل في تناقص.

وبرزت في السنوات الأخيرة انتقادات حادة لتغلغل المصطلحات الإنجليزية في المحادثات اليومية للفرنسيين، وميل الفرنسيين لتعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها، وحدا ذلك بالأكاديمية الفرنسية لنشر تعليق لاذع على موقعها الإلكتروني جاء فيه "نعرف أن الدنيا تمطر كثيراً في إنجلترا، وأنه في فرنسا تمطر مصطلحات إنجليزية"، بينما طالب سياسيون فرنسيون، في أقصى اليمين واليسار على حد سواء، بالعمل على سحب البساط من تحت اللغة الإنجليزية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتعامل مع هذه القضية كمعركة وطنية فرنسية.

وكالة "رويترز" نقلت عن رئيسة لجنة الشؤون الدستورية في البرلمان الأوروبي، دانوتا هوبنر، قولها إنها ترجح أن "يرفع الاتحاد عن الإنجليزية صفة اللغة الرسمية على أراضي بلدانه فور خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي"، وأضافت هوبنر في مؤتمر صحفي: "الإنجليزية لغتنا الرسمية لأن المملكة المتحدة اختارتها. وإذا لم تبق المملكة المتحدة معنا، فهذا سيعني أن الإنجليزية ستفارقنا"، واعتبرت هوبنر أنه "يمكن للإنجليزية أن تبقى لغة مستخدمة حتى ولو رفعت عنها صفة الرسمية، إلا أن الإبقاء عليها لغة رسمية سيتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي".

تصريح رئيسة لجنة الشؤون الدستورية في البرلمان الأوروبي يثلج صدور الفرنسيين، الذين يأملون بأن تتنفس لغتهم الأم الصعداء وتستعيد مكانتها في الفضاء الأوروبي المشترك، وبنسبة أقل قد يأمل الألمان بأن يرفع التهميش عن لغتهم الأم بعد خروج اللغة الإنجليزية من الحلبة الرسمية الأوروبية…غير أن المعركة تبدو وكأنها فرنسية أولاً، حيث يتعامل معها الفرنسيون كمعركة وطنية، وتخاض من قبل البعض بطريقة تعيد إلى الأذهان مقولة شهيرة لأحد قادة جيش الاحتلال الفرنسي للجزائر "تعلموا لغتنا وانشروها حتى تحكم الجزائر، فإذا حكمت لغتنا حكمنا فعلاً"، مقولة لا تنطبق حرفياً على واقع الحال الأوروبي، لكنها تظهر في جانب منها أن الصراع اللغوي جزء لا يتجزأ من صراع أشمل.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала