تونس... جدل واسع بعد إصدار الرئيس مرسوما يلغي منح القضاة وامتيازاتهم

© AFP 2022 / KARIM JAAFARالرئيس التونسي قيس سعيد في قطر 16 نوفمبر 2020
الرئيس التونسي قيس سعيد في قطر 16 نوفمبر 2020 - سبوتنيك عربي, 1920, 21.01.2022
الرئيس التونسي قيس سعيد في قطر 16 نوفمبر 2020
تابعنا عبرTelegram
أثار مرسوم صادر عن الرئيس التونسي، قيس سعيد، ينص على إلغاء منح القضاة ‏وامتيازاتهم، جدلا واسعا بين من اعتبره خطوة أولى لإصلاح الهيكل القضائي، وبين ‏من يرى فيه تعسفا على أهل المهنة وتمهيدا لحل المجلس.‏
وذكرت الصفحة الرسمية للرئاسة التونسية أن رئيس الجمهورية قيس سعيد، ختم يوم الأربعاء الموافق 19 يناير/كانون الثاني 2022، مرسوما يتعلق بتنقيح القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء وينص على "وضع حد للمنح والامتيازات المخولة لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء".
وورد في نص البلاغ أن المنحة التي يتحصل عليها أعضاء المجلس الأعلى للقضاء تقدّر بـ2364 دينارا تونسيا، إضافة إلى 400 لتر من الوقود.
وقال سعيد خلال لقائه، أمس، برئيسة الحكومة، نجلاء بودن: ''كيف يمنح الشخص لنفسه راتبا أو منحة.. ما معنى منحة بـ2364 دينار و400 لتر من الوقود؟ وما معني أن لا تتم متابعة عدد من الذين رفعت عنهم الحصانة؟ كل هذا لا يجب أن يتواصل وليتحمل كل واحد مسؤوليته".
الرئيس الشرفية لجمعية القضاة بتونس روضة القرافي  - سبوتنيك عربي, 1920, 10.11.2021
رئيسة جمعية القضاة في تونس: القضاء يعمل اليوم في ظرف شديد الصعوبة
محاولة لإحراج القضاة
وفي تعليق لـ"سبوتنيك"، اعتبر القاضي محمد عفيف الجعيدي أن "هذا القرار يعد تنقيحا للقانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء"، مشيرا إلى أن هذه الخطوة "تمّت بشكل مسقط وبإرادة منفردة من رئيس الجمهورية دون أي استشارة أو إعلام للقضاة المعنيين".
ولفت إلى أن "المجلس الأعلى للقضاء لا يتكون من قضاة فقط وإنما يضم أيضا محامين وخبراء محاسبين وعدول تنفيذ وأساتذة جامعيين أغلبهم منتخبون مباشرة من زملائهم".
وأوضح أن "أعضاء المجلس يقضون في فترات معينة وخاصة خلال الأعمال التأديبية أياما بأكملها دون أن يذهبوا على مكاتبهم، ثم يتقاضون منحا تعويضيا لقاء ذلك".
وأشار إلى أن "القضاة لا يسندون المنح لأنفسهم، وإنما نص عليها القانون بعد أن تمت المصادقة عليها خلال الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء بالتشاور مع وزارة المالية".
ويعتقد الجعيدي أن "الهدف الحقيقي من هذا القرار هو إحراج القضاة وإبراز أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وكأنهم "لصوص للمال العام"، من خلال الترويج لكونهم يتقاضون منحا بمبالغ ضخمة، في حين أن القيمة المالية الإجمالية لهذه المنح لا تتجاوز 500 ألف دولار سنويا، وفقا لتأكيده".
وتساءل الجعيدي: "هل أن مثل هذه القيمة المالية تبرر الحديث الذي سوّق له رئيس الجمهورية عن القضاة؟ وهل أن هذا المال يعد قيمة معتبرة في موازنة الدولة؟".
ونبّه الجعيدي من إمكانية حل المجلس الأعلى للقضاء واحتكار رئيس الجمهورية للسلطة التشرعية ثم التنفيذية ثم القضائية، قائلا "لا أعتقد أن الرئيس يمكن أن يقدم على هذه الخطوة، لأن المجلس الأعلى للقضاء في تعريفه الدستوري هو الضامن لاستقلالية هذا المرفق".
محاولة لدفع الأعضاء إلى الاستقالة
بدوره، قال رئيس جمعية القضاة الشبان، مراد المسعودي، لـ"سبوتنيك"، إن "رئيس الجمهورية يسعى من خلال إلغاء المنح والامتيازات المسندة لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء إلى دفعهم نحو الاستقالة".
وأضاف: "يعتقد رئيس الجمهورية أن أعضاء المجلس يعملون مقابل المنح الإضافية في حين أنهم يعملون بأجورهم.. وهذه المنح ليست بدعة أو حكرا على أعضاء المجلس الأعلى للقضاء، إذ يتم اسنادها إلى جميع الهيئات الدستورية على غرار الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب".
وتابع: "هذه المنح يتمتع بها أيضا مستشارو رئيس الجمهورية ومستشارو رئيسة الحكومة، فإذا كان الإجراء مرتبطا بإفلاس الدولة وبالوضع الصعب للموازنة، لماذا لم تلغَ جميع المنح واقتصر الأمر على أعضاء المجلس الأعلى للقضاء؟".
واعتبر المسعودي أن "هذا المرسوم الرئاسي هو محاولة في اتجاه تطويع السلطة القضائية، مشيرا إلى أن الدستور هو الجهة الوحيدة المخول لها تأويل القوانين، وليس المراسيم التي تصنّف في المرتبة الأخيرة في سلم القوانين ولا تكتسب قيمتها القانونية إلا بعد أن يصادق عليها البرلمان".
وقال: "القانون يخوّل لرئيس الجمهورية في إطار الظروف الاستثنائية إصدار مراسيم تنظّم المسائل المستعجلة كالأمن والصحة، ولكن حل المجلس الأعلى للقضاء ليس أولوية ولا علاقة له بإصلاح المرفق القضائي".
وأكد المسعودي أن "أعضاء المجلس سيواصلون العمل رغم إلغاء المنح حفاظا على هذه السلطة الدستورية، ومنعا لفرضية حل المجلس الأعلى للقضاء".
مسيرة احتجاجية ضد إجراءات الرئيس التونسي قيس سعيد - سبوتنيك عربي, 1920, 21.01.2022
إحالة عميد المحامين التونسيين السابق إلى القضاء العسكري
خطوة نحو إصلاح القضاء
على الجانب الآخر، ترى المحامية والقيادية في حركة الشعب، ليلى حداد، في حديثها لـ"سبوتنيك"، أن "إيقاف المنح والامتيازات المسندة إلى أعضاء المجلس الأعلى للقضاء يندرج ضمن إصلاح القضاء"، مشيرة إلى أن "هذه الخطوة ستعقبها إجراءات أخرى في الأيام القليلة القادمة".
وقالت حداد إن "أعضاء المجلس الأعلى للقضاء يتمتعون بامتيازات موسعة، خاصة منهم رئيس محكمة التعقيب ورؤساء الدوائر ومحاكم الاستئناف والمدعين العامين الذين تسند لهم امتيازات من قبل وزارة العدل تتمثل في سيارة أو سيارتيّن وظيفيتين ومنحة بنزين تتراوح بين 300 و400 لتر".
وأضافت: "هذه الامتيازات تم رصدها بأمر ترتيبي من المجلس الأعلى للقضاء بهدف ضمان استقلالية السلطة القضائية، ولكن لم نلحظ أثرا لأي إصلاحات قام بها المجلس منذ إحداثه سنة 2016 إلى اليوم".
ولفتت إلى أن "رئيس الجمهورية قيس سعيد خاطب القضاة والمجلس الأعلى للقضاء في كثير من المناسبات من أجل دفعهم إلى القيام بواجبهم والبت في العديد من الملفات الهامة التي بقيت حبيسة الرفوف، سواء المتعلقة بنهب المال العام من قبل رجال الأعمال أو السياسيين أو الوزراء ورؤساء الحكومات الذين تقبع ملفاتهم في القطب القضائي المالي، أو ملفات الاغتيالات السياسية وعلى رأسها ملف الشهيدين محمد البراهمي وشكري بالعيد".
واعتبرت الحداد أن جزءا من القضاء التونسي "دخل في جلباب السياسة وأصبح طوع الأحزاب السياسية خاصة التي كانت في السلطة وعلى رأسها حركة النهضة التي خنقت القضاء من خلال قياداتها ووزير عدلها السابق".
وتستدل المحامية على ذلك بتقرير التفقدية العامة لوزارة العدل الذي كشف عن وجود تجاوزات كبيرة ارتكبها رئيس محكمة التعقيب السابق الذي تعلقت به ملفات فساد وإثراء غير مشروع، ووكيل الجمهورية السابق الذي تورط في حفظ نحو 6200 قضية إرهابية دون سبب وجيه، وفقا لقولها.
وتساند الحداد فرضية حل المجلس الأعلى للقضاء وإعادة انتخاب أعضائه، معتبرة أن "المجلس الحالي تأسس على المحاصصة السياسية وليس على الكفاءات والحياد والاستقلالية".
وأشارت إلى أن "هذا الإجراء يجب أن يتزامن مع فتح حوار واسع يناقش سبل ضمان استقلالية القضاء، تشارك فيه الهياكل المعنية على غرار جمعية القضاة ونقابة القضاة وعمادة المحامين والخبراء في القانون وعدول التنفيذ".
شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала