"تسييس القبائل"... من يقف خلف الصراع القبلي في "النيل الأزرق" بالسودان؟

© AFP 2022 / -اشتباكات في السودان
اشتباكات في السودان - سبوتنيك عربي, 1920, 16.07.2022
تابعنا عبرTelegram
بمرور الوقت واستمرار الأزمة السياسية في السودان، تصاعدت حدة التوترات القبلية والعرقية وارتفعت معدلات القتل والإصابة، ما ينذر باقتراب البلاد من شبح الحرب الأهلية وخطر التقسيم.
ويرى مراقبون أن المجازر التي حدثت في ولاية النيل الأزرق (جنوب شرق جمهورية السودان)، والتي راح ضحيتها 70 فردا بين قتيل وجريح، ما هى إلا إنذار شديد لجميع القوى مدنية وعسكرية باقتراب مرحلة اللاعودة، وإن لم يتم تدارك الأمر فلن نرى سودانا واحدا في الفترة القريبة المقبلة. فما سر تصاعد الصراعات القبلية في السودان. وهل هناك قوى تقف خلفها؟

السياسة والقبائل

بداية يقول الخبير العسكري والاستراتيجي السوداني، الفريق جلال تاور، إن ما حدث في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان في ظاهرة صراع "قبلي"، لكن باطنه هو استخدام تلك القبلية في الصراعات السياسية.
وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن ما حدث في ولاية النيل الأزرق وعدد من الولايات هو عملية "تسييس" للقبائل، وما حدث في النيل الأزرق هو استخدام الحس القبلي لبعض الجماعات القبلية المسيسة، ومحاولة تمكين بعض القبائل على حساب البعض الآخر، الأمر الذي يشعل نار الفتن والصراعات القبلية لصالح جماعات وقوى سياسية معينة، كما أن تلك الأساليب تولد حالة من الاحتقان وتزكي الصراعات وهو ما شاهدناه في عدد القتلى والجرحى في أحداث النيل الأزرق الأخيرة، والتي أدت إلى فرض حالة الطوارىء في كل مناطق الولاية.
وأكد تاور أن السبب الرئيسي في تلك الصراعات هو استخدام القبيلة كأداة سياسية أو إدخال السياسة إلى المكون القبلي، فالقبيلة كمكون اجتماعي ليس عليها شيء، بل هى مدخل للسلام والتعايش، وبمجرد إدخالها في جوانب سياسية أو عسكرية نرى تلك الصراعات والنزاعات الدموية.
وأشار إلى أن هذا نتاج لاستخدام أو إقحام الطابع القبلي في السياسة والصراعات المحلية ومحاولة تمكين قبيلة على حساب قبائل أخرى متواجدة معها في نفس المنطقة.
وتابع أن تلك الصورة هى التي حدثت في النيل الأزرق وتحدث في مناطق السودان المختلفة، وتحدثنا كثيرا عن مخاطر تسييس وعسكرة القبائل والتي تؤدي لتلك الصراعات في ظل تواري قوة الدولة السودانية المتمثلة في السلطة والأجهزة الأمنية في الفترة الأخيرة، نظرا لضخامة الحدث والحراك الكبير في البلاد وانتقال الصراع الأهلي بسرعة كبيرة وفي عدة مناطق على امتداد الإقليم والعديد من المناطق الريفية.

صراع مستتر

وحول الجهات التي تعمل على تأجيج الصراعات القبلية يقول الخبير الاستراتيجي، إن الصورة الظاهرة الآن، أن هناك جهات في هذه الولاية (النيل الأزرق) تريد أن تستخدم الثقل القبلي لقبائل معينة لتضيفها إلى جانبها وتقوي من شأنها السياسي لتستفيد منها في حالة إجراء الانتخابات في الفترة المقبلة، تلك هى الصورة الظاهرة حتى الآن والقوى الظاهرة بها تتبع لحركة مالك عقار، وهذا جزء من اتفاقية جوبا، وإلى الآن لم يصدر بيان رسمي يحمل المسؤولية لجهة بعينها، وبالتالي لا نستطيع أن ننسب ما حدث لهذه الجهة أو تلك بصورة قاطعة ما لم تتضح الأمور بصورة شفافة.

تعقيد المشهد

وأكد تاور أن تلك الصراعات بلا شك سوف تؤثر بشكل كبير في تعقيد المشهد السياسي بشكل عام لأن النيل الأزرق هى جزء من مناطق النزاعات في السودان وتشكل مع جبال كردفان منطقة هامة جدا وهى ضمن إطار اتفاق جوبا للسلام، لكن تلك المناطق لا تزال في مسرح الأحداث رغم وجود مالك عقار في مجلس السيادة، لذا فإن تلك الأحداث تؤثر على مجمل الأحداث في السودان في الوقت الراهن ومستقبلا.
رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال مالك عقار - سبوتنيك عربي, 1920, 13.07.2022
مالك عقار يطرح مبادرة من ثلاث مراحل للتوفيق بين العسكريين والمدنيين في السودان
وأشار إلى أن الاستقطاب القبلي للدخول في السياسة دمر السودان في السابق، والآن نفس العقلية تسيطر وتثير القبلية تجاه المكونات السياسية ومحاولة استقطاب بعض القبائل وتقويتها على حساب القبائل الأخرى، وبدون شك أن تلك التوجهات تؤدي إلى احتكاك القبائل مع بعضها البعض ويؤدي إلى خلخلة التركيبة الاجتماعية الموجودة في المنطقة، الأمر الذي سيؤثر بدوره على نزاهة أي استحقاق دستوري في المستقبل، والحل يكمن في إبعاد القبائل عن السياسة والعسكرة.

النخب السياسية

من جانبه يقول المحلل السياسي السوداني، الدكتور ربيع عبد العاطي، إن ما يحدث سواء في النيل الأزرق أو دارفور وغيرهما، هو صراع بين مكونات كل منطقة وليس صراعا مع السلطة المركزية منذ حكم جبهة الإنقاذ وحتى الآن، هى صراعات قبلية إثنية صراعات حول الموارد تستغله النخب السياسية وقيادات الحركات المسلحة والتي تعد السبب الرئيسي، لذا فإن المسألة ليست بعيدة عن استغلال القبلية في العملية السياسية لتحقيق مكاسب خاصة.

احتراب داخلي

وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن الأمور تسير في شكل تصاعدي ويمكن أن تؤدي إلى حالة من الاحتراب الداخلي والصراعات، في ظل غياب شبه كامل لقوة وسطوة الدولة، والحل يكمن في أن تكون النخب السياسية والفكرية صاحبة الرأي والمبادرة لحل تلك الأزمة، مع عدم استغلال القبائل لتحقيق مكاسب سياسية.
وأكد عبد العاطي أنه في ظل عدم وجود سلطة سياسية حقيقية، فإن استمر هذا الوضع سوف يشكل خطرا حقيقيا على البلاد، وسيكون السودان عرضة للتفكك والتقسيم، وفي رأيي أن اتفاقية جوبا كان لها أثر كبير جدا في عملية انتشار السلاح وعدم تنفيذ الترتيبات الأمنية والعسكرية التي تستدعي نزع السلاح والتسريح والدمج.
وذكرت وكالة السودان للأنباء "سونا"، أن 31 قتيلا و39 مصابا سقطوا في أحداث عنف بإقليم النيل الأزرق.
وأوضحت "سونا" أن تلك الحصيلة أعلنتها لجنة أمن إقليم النيل الأزرق، في بيان أصدرته مساء أمس الجمعة.
وتزامنا مع تلك الأحداث، طرح رئيس "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، مالك عقار، "مبادرة جديدة للتوفيق بين المكون العسكري والقوى السياسية المدنية والتوصل إلى اتفاق حول تشكيل حكومة مدنية، وتحديد الصلاحيات والمهام بين أجهزة الدولة المختلفة".
نائب رئيس المجلس العسكري السوداني قائد قوات الدعم السريع حميدتي - سبوتنيك عربي, 1920, 11.07.2021
حميدتي يوجه رسالة إلى أبناء النيل الأزرق
وقال عقار، في كلمة أمام أعضاء السلك الدبلوماسي، إن "المبادرة تتكون من خطة عاجلة ذات ثلاث مراحل، وتستلهم بعض المقترحات التي قدمها قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لإخراج البلاد من أزمتها السياسية الحالية"، حسب صحيفة "السوداني" السودانية.
وأوضح عقار، أن "المرحلة الأولى من المبادرة تشمل الاتفاق بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير، والموقعين على اتفاق جوبا للسلام، لتحديد الصلاحيات والمهام بدقة بين مختلف كيانات الدولة، على رأسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي اقترحه البرهان".
وذكر أن:
"مقترح البرهان بشأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، لا يختلف اختلافا كبيرا عما اقترحته الجبهة الثورية وقوى الحرية والتغيير في أطروحاتهما المختلفة".
وأعلن عقار أنه "سيقوم بطرح ورقة مبدئية على المكونين العسكري والمدني وشركاء السلام، للاتفاق على تحديد صلاحيات ومهام المجلس الأعلى للقوات المسلحة، تصاغ بوساطة لجنة قانونية فنية من ممثلين لكل الجهات بالإضافة إلى خبراء وطنيين، وخبرات دولية، في نص دستوري قانوني دقيق".
وتشمل المرحلة الثانية من مبادرة عضو مجلس السيادة السوداني، تشكيل حكومة وطنية مستقلة بحسب ما يتم التوافق عليه، واختيار رئيس وزراء يمثل قوى الثورة، يختار حكومته من كفاءات مستقلة، بينما تركز الأحزاب السياسية على مهمة التحضير للانتخابات في جو سياسي صحي وطبيعي، فيما تشمل المرحلة الثالثة إقامة حوار وطني شامل، يضمن مشاركة الجميع ما عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول.
وكان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أصدر مرسوما دستوريا بإعفاء أعضاء مجلس السيادة المدنيين، وأعلن مؤخرا تأسيس مجلس أعلى للقوات المسلحة يضم قوات الدعم السريع، فيما اعتبرته قوى الحرية والتغيير، مناورة بعد ضغط التظاهرات ضمن سعيه للاستيلاء الكامل على السلطة.
شريط الأخبار
0
للمشاركة في المناقشة
قم بتسجيل الدخول أو تسجيل
loader
المحادثات
Заголовок открываемого материала