12:51 27 أبريل/ نيسان 2017
مباشر
    واشنطن

    ما حاجة واشنطن لمقاتلين "معتدلين" في سوريا؟!

    © Sputnik. Yuryi Abramochkin
    تعليقات
    انسخ الرابط
    حسن جابر
    0 55790

    واشنطن تعدّ المقاتلين لإطالة الحرب المدمرة في سوريا

            قد يتبادر إلى الذهن أن إدارة الرئيس باراك أوباما  تعتزم، حينما أعلنت عن قرارها تدريب وتسليح المعارضة السورية "المعتدلة"، إجراء تعديلات جوهرية على سياستها تجاه الأزمة السورية. وذهب ممن يساورهم هذا الظن إلى الاعتقاد بأن واشنطن حزمت، في نهاية المطاف، أمرها وقرّرت المشاركة الملموسة والفعالة في حملة عسكرية لإلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وتتمثل المشاركة الأمريكية، وفقا للخطة المعلنة، في القيام بالتدريب والتسليح وشن الغارات الجوية، دون دخول قوات برية أمريكية إلى الأراضي السورية.

             الخطة الأمريكية أصبحت معروفة، ولا داعي لعرضها بالتفصيل، سوى الإشارة إلى أنها تتضمن تدريب ما مجموعه خمسة عشر ألف عنصر وتسليحهم ، على أن يتم تدريب خمسة آلاف عنصر سنويا، ولمدة ثلاث سنوات. وتبلغ القيمة الإجمالية لتمويل الخطة 500 مليون دولار أمريكي. وسيتم التدريب في معسكرات خاصة يتم إنشاؤها في كل من تركيا والمملكة السعودية وقطر، وعلى أيدي مدربين من البنتاغون و "سي آي إي". وقد وقّعت واشنطن وأنقرة، في 19 فبراير/ شباط 2015، اتفاقية بهذا الشأن، على أن تدخل حيز التنفيذ ابتداء من مطلع مارس/ آذار الجاري.

            لا شك أن الخطة المذكورة التي وقّعها الرئيس أوباما، في 20 سبتمبر/ أيلول 2014، على شكل قانون (يسمح للعسكريين الأمريكيين بتدريب وتسليح مقاتلي المعارضة السورية "المعتدلة" لمحاربة تنظيم "داعش"  والنظام السوري)، تنمّ عن تغيير تكتيكي وليس استراتيجي، فرضته جملة من التطورات السياسية والميدانية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، أهمها:

         ــ بداية تحول نوعي، في الأشهر الأخيرة، على جبهة المواجهات الميدانية لصالح القوات الحكومية السورية وحلفائها في معظم مناطق القتال، ما قد يفتح نافذة، ولو صغيرة، تطلّ على طريق التسوية السياسية بين الحكومة والمعارضة، لا سيما وأن المساعي الحميدة تجري في هذا الاتجاه من قبل الأصدقاء الحقيقيين لسوريا وشعبها، وفي مقدمتهم روسيا الاتحادية التي تستضيف وترعى الحوار بين ممثلي الحكومة والمعارضة السورية لكي يتوصلوا إلى حل سياسي يضع حدا للحرب والدمار، ويضمن وحدة وسلامة أراضي الدولة السورية وسيادتها، ويلحق الهزيمة بالإرهابيين، ويضع حدا للتدخل الخارجي في شؤونها الداخلية.   

         ــ الإعلان من قبل سوريا وحلفائها (إيران و"حزب الله" اللبناني)عن تشكيل جبهة مقاومة واحدة تمتد من "رأس الناقورة" في جنوب لبنان وحتى هضبة الجولان في سوريا بطول 150 كلم، أي أن قواعد الاشتباك بين حلف المقاومة من جهة، وإسرائيل وحلفائها من جهة أخرى، قد تغيرت، واتسعت حدودها، حيث تم إفشال مخطط إسرائيل لإقامة "حزام أمني" تحت سيطرة "جبهة النصرة" على غرار "الحزام الأمني" الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان واستمر حتى أيار/ مايو 2000. وقد جاء هذا التحول، في يناير/ كانون الثاني 2015، على أثر اغتيال إسرائيل لمجموعة من عناصر "حزب الله" وقيادي إيراني في غارة جوية بالقرب من مدينة القنيطرة السورية، والتي أعقبها رد من قبل "حزب الله" في عملية عسكرية ناجحة في منطقة شبعا المحتلة. وهذا الواقع أثار قلق إسرائيل واندفاع حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة، لخلق واقع جديد مغاير.

         ــ يبدو أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لن يبقى في العامين الأخيرين من ولايته الرئاسية التي ستنتهي في عام 2017، أسير نظرية "القوة الناعمة" التي تستبعد التدخل العسكري الأمريكي القوي والمباشر فيما يسمى بـ "الثورات الملونة"، وإشاعة الفوضى الخلاقة، وإنما سيعتمد استخدام "القوة الذكية" التي تستوجب المزج بين "القوة الناعمة" و"القوة الصلبة". وهذا ما يفسّر ظهور خطة تدريب وتسليح المعارضة السورية "المعتدلة، حيث سيتم إرسال المدربين والخبراء التابعين للبنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إي"، وكذلك الأسلحة والذخائر  اللازمة لتنفيذ المهام المطلوبة. وبالمناسبة، تعمد الإدارة الأمريكية الحالية إلى استخدام نفس السياسة إزاء أوكرانيا، حيث أعلنت عن نيتها تزويد كييف بالأسلحة الدفاعية، وقامت بإرسال الخبراء والمدربين إلى أوكرانيا لاستئناف الحرب ضد "دونباس" التي تقف بالمرصاد، وهي تصنع السلام ويدها على الزناد.

         ــ ثمة مؤشرات تدل على أن إدارة أوباما، التي تقود غارات التحالف الدولي الجوية على تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا، والتي تتخذ، في الواقع، طابعا إنتقائيا واستعراضيا ينحصر في عمليات "تقليم أظافر" هذا التنظيم وليس القضاء عليه، وكذلك حصر و"تعليب" نشاطه ضمن حدود جغرافية مقبولة، أصبحت هذه الإدارة غير قادرة على أن تستمر طويلا في الاعتماد على خدمات "داعش" في التمهيد للمشروع الصهيو ــ أمريكي المعروف بمشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي يقضي بإعادة رسم خريطة المنطقة عبر تفتيتها إلى كيانات طائفية ومذهبية وقبلية متصارعة تسوسها وتسيطر عليها إسرائيل.

          ــ هناك إجماع لدى المراقبين أن هذه المستجدات وغيرها تعكس بداية مرحلة جديدة في تكتيك واشنطن ضمن استراتيجيتها الثابتة إزاء الأزمة في سوريا، والمنطقة عموما، حيث قررت إدارة أوباما تشكيل فصائل من المقاتلين "الموثوقين" الذين يتم انتقاؤهم حسب وصفات "سي آي إي"، والذين قد تنحصر مهمتهم في القيام بدور الشرطة الأمنية لإدارة المنـاطق التي يتم "تحريرها" من سيطـــــرة "داعش" و "النصرة". وتشير بعض المصادر إلى أن هؤلاء المقاتلين هم على غرار قوات "الصحوات" العراقية. وستقوم واشنطن باستخدامهم لخلق واقع جديد في سوريا، تستثمره سياسيا في أي مفاوضات مستقبلية. هذا على المدى المنظور. أما على المدى الأبعد، فإن الخطة "الأمريكية ــ التركية ــ السعودية ــ القطرية" تمثّل مخططا عدوانيا ضد سوريا، سيشكل فيه المقاتلون الذين سيتم تدريبهم، الأداة الطيعة لاحتلال مناطق واستخدامها لاحقا كمنطلقات لشن الهجمات على القوات الحكومية السورية، والتمسك بها وصولا إلى إعلانها مناطق نفوذ منفصلة عن الدولة السورية، وبالتالي تكون واشنطن وتل أبيب وبعض العرب قد قرروا الشروع في العمل على تحقيق مآربهم السوداء في تمزيق سوريا إلى دويلات مذهبية وطائفية متصارعة ــ وهنا يكمن جوهر الاستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية، والمستمرة حتى الآن منذ لحظة الإعلان عنها على لسان كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في إدارة  الرئيس جورج دبليو بوش، حينما بشّرت في عام 2006، بولادة شرق أوسط جديد، شكّلت ــ برأيها ــ الحرب الإسرائيلية على لبنان في ذلك العام مخاضه.  ومن الأمور التي لا تحتمل الشك أن واشنطن ليست مستعدة ولا راغبة في تسهيل عملية الحل السياسي في سوريا، بل على العكس من ذلك، تجهد في إطالة عمر النزاع في هذا البلد، والرهان في هذه المهمة ينعقد على أولئك المقاتلين "المعتدلين"، "المفلترين"، "المجربين"، من قبل الأجهزة الخاصة الأمريكية، بحيث يشكلون "صفوة" أو "نخبة" من المقاتلين الذين سيذودون بكل إخلاص عن مصالح أسيادهم الغرباء.

    وباعتقادنا، إن هؤلاء المقاتلين العتيدين ليسوا، في الحقيقة، سوى ما يشبه "فرسان الشيطان"، وهم لا يختلفون، من حيث الجوهر، عن إرهابيي "داعش" و"النصرة" الذين أتوا إلينا من جوف الكهوف الغابرة… من أضلع الشيطان… من رحم الأفاعي والوحوش الكاسرة!  فلن يكون هناك ربيع حقيقي في بلادنا، إلاّ بعد تطهير الأرض من الغزاة والإرهابيين.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik