15:02 16 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    نبيل العربي وسامح شكري

    فكرة القوة العسكرية العربية المشتركة ما لها وما عليها

    © AFP 2017/ Mohamed El-Shahed
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 33

    الحاجة إلى تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة ليست طارئة على جدول أعمال القمم العربية، ولها ما يبرر وضعها على بساط البحث مجدداً، لكن ما هي الوظيفة التي ستناط بها والأسس والمبادئ الناظمة لدورها، كي لا تنحرف الفكرة عن مقاصدها المعلنة؟

    عامر راشد

    أصدر القادة المشاركون في الدورة السادسة والعشرين للقمة العربية، التي انعقدت في شرم الشيخ نهاية الشهر الفائت، قراراً يقضي بتشكيل "قوة عسكرية عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب"، ستضطلع بمهام التدخل السريع، وفقاً للبيان الختامي الصادر عن القمة، بالإضافة إلى "ما تكلف به من مهام أخرى لمواجهة التحديات، التي تهدِّد أمن وسلامة أي من الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية وتشكِّل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، بما فيها تهديدات التنظيمات الإرهابية بناء على طلب من الدولة المعنية".

    وللدلالة على جدية القرار واهتمام القادة العرب بأن يجري تنفيذه بسرعة، في غضون ثلاثة أشهر، كلف المشاركون في القمة الأمين العام لجامعة الدول العربية، بالتنسيق مع الرئيس المصري، بالدعوة إلى اجتماع خلال شهر من صدور القرار، يشارك فيه رؤساء أركان جيوش الدول الأعضاء في الجامعة، لـ"دراسة كافة جوانب الموضوع واقتراح الاجراءات التنفيذية، وآليات العمل والموازنة المطلوبة، لإنشاء القوة العسكرية العربية المشتركة وتشكيلها، وعرض نتائج أعمالها في غضون ثلاثة أشهر، على اجتماع خاص لمجلس الدفاع العربي المشترك لإقراره".

    وبافتراض أن القرار سيشق طريقه نحو التنفيذ ضمن الجدولة الزمنية الموضوعة له، بصرف النظر عما آلت إليه مئات القرارات التي اتخذتها القمم العربية على امتداد سبعين عاماً، تظل العديد من الأسئلة معلقة، وليس من صلاحيات المستوى العسكري الإجابة عليها في اجتماع رؤساء الأركان، حول الوظيفة التي ستناط بـ"القوة العسكرية المشتركة".

    فقد جاء في قرار تشكيلها أن مهمتها الرئيسية "مكافحة الإرهاب ومواجهة التحديات التي تهدد الأمن القومي العربي.."، لكن بقليل من التدقيق يتضح أن هذه المهمة إشكالية وغير مفهومة عملياً، بل ليست قابلة للتنفيذ، للافتقار إلى تعريف موحد للإرهاب، والاختلاف في تصنيف الجماعات الإرهابية، وعدم تحديد مفهوم "الأمن القومي المشترك"، والتهديدات التي تواجهه. على سبيل المثال لا الحصر هناك بلدان عربية، مثل مصر والسعودية والإمارات، تعتبر "الإخوان المسلمين" جماعة إرهابية، بينما تعتبرها دول أخرى جزءاً من نظامها السياسي، مثل السودان وتونس والمغرب والأردن والكويت، أو تنظر إلى "الاخوان المسلمين" كحليف لها مثل دولة قطر.

    وثمة خلافات سياسية واسعة بين الدول التي ضغطت من أجل إصدار هذا القرار تعيق بلورة رؤية موحدة حول طبيعة الأزمات وسبل معالجتها في بعض البلدان العربية، مثل سورية وليبيا واليمن والعراق، وبالتالي من الصعب اتخاذ قرار بالتدخل، إذا افترضنا جدلاً وجود قدرة عسكرية عربية مشتركة، كافية وفاعلة.

    ومن الطريف أن البيان الصادر عن الدورة السادسة والعشرين للقمة العربية، في شرم الشيخ، أشار في فقرة لاحقة لقرار تشكيل قوة عسكرية مشتركة إلى أن الأمن العربي لا يتعلق فقط بتحديات أمنية مباشرة، حيث جاء حرفياً في البيان "مفهومنا للأمن القومي العربي ينصرف الى معناه الشامل، وبأبعاده السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، من حيث قدرة الدول العربية على الدفاع عن نفسها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها وسلامة أراضيها، وتقوية ودعم هذه القدرات من خلال تنمية الامكانيات العربية في مختلف المجالات".

    وأقر القادة العرب في بيانهم الختامي بما وصفوه بـ"اصطدام مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة العربية بمشروعات هدامة تنتقص من مفهوم الدولة الوطنية، وتفرغ القضايا العربية من مضامينها وتمس بالتنوع العرقي والديني والطائفي، وتوظفه في صراعات دموية برعاية أطراف خارجية".

    توصيف دقيق بلا شك، غير أنه لا يحدِّد مسؤولية الحكومات العربية إزاء الأزمات القائمة والمحتملة، ويعوِّم أو يشوِّه مفهوم الدولة الحديثة، فالكثير من الدول العربية لا يمكن وضعها في هذه الخانة، لعدم امتلاكها حكومات أو مجالس برلمانية منتخبة، ولا توجد فيها تعددية سياسية وتداول سلمي للسلطة فيها، ويتم الحجر على الحريات الفردية والعامة. وباستذكار تجارب الماضي القريب، الدول التي ترفع اليوم لواء رفض التدخل الخارجي هي من استقدمت التدخل الأميركي- البريطاني في العراق عام 2003، والتدخل الغربي في ليبيا عام 2011، وتطالب به في اليمن وسورية.

    بيّْد أن ما سبق لا يلغي حق الحكومات العربية، بل واجبها، بتشكيل قوة عسكرية مشتركة لمكافحة الإرهاب ومواجهة تحديات الأمن القومي، لكن يفترض قبل ذلك توحيد المفاهيم والتصنيفات على أسس نزيهة، وتحديد الوظيفة السياسية للقوة المشتركة، وإعطاء الأدوات والوسائل الأخرى لتعزيز الأمن القومي ما تستحق من اهتمام وأولوية، بتقوية الداخل العربي من خلال بناء دولة مواطنة تقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة، والعمل بمبادئ التعددية السياسية والديمقراطية والتنمية البشرية والاقتصادية، حتى لا تنحرف فكرة القوة العسكرية عن مقاصدها، بما قد يحوِّلها إلى أداة من أدوات الاستبداد وعصا بيد قوى التدخل الخارجي.   

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)  

    انظر أيضا:

    قمة شرم الشيخ تنتهي إلى "قوة عربية عسكرية مشتركة"... والعراق يتحفظ
    "عاصفة الحزم" و"القوة المشتركة"... ملفات ساخنة على طاولة القادة العرب في قمة شرم الشيخ غدا
    وكالة: هادي يتوجه إلى شرم الشيخ للمشاركة في قمة جامعة الدول العربية
    الكلمات الدلالية:
    جامعة الدول العربية, العراق, سوريا, مصر
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik