22:24 13 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    علم السعودية

    خلفيات الانقلاب في الاستراتيجية الأمنية السعودية

    © AP Photo/ Jacquelyn Martin
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 112

    تبدي الرياض مؤشرات متسارعة تدل على انشغالها بإدخال تعديلات كبيرة على عقيدتها الأمنية- العسكرية، دوافعها وأسبابها تتعلق بتغير ملحوظ في ثوابت علاقتها مع الولايات المتحدة والغرب، وبعض القوى الإقليمية، على مدار عقود طويلة.

    تلعب دار الافتاء وهيئة كبار العلماء، المقصود رجال الدين، دوراً مهماً على الصعيد السياسي في المملكة العربية السعودية، في شكلين متداخلين: إما التمهيد لقرارات حكومية ذات أبعاد استراتيجية أو تسويق تلك القرارات بفتاوى ومقاربات لتسويغها من منظور فقهي، بالقياس أو الاجتهاد.

    في هذا السياق تندرج دعوة أطلقها مفتي المملكة السعودية، عبد العزيز آل الشيخ، في خطبة يوم أمس الجمعة في جامع الأمير بن تركي بالرياض، حثَّ فيها على العمل بالتجنيد الالزامي للشباب في المملكة، لتدريبهم وتهيئتهم عسكرياً لـ"الدفاع عن الدين والوطن.."، على حد قول آل الشيخ الذي أضاف: "والاستعداد والتسلح الدائم لمقاومة أي شيطان، والتجنيد الإجباري لشبابنا أمر مهم ومطلوب؛ لتكون لنا قوة لا تُغلب، مُدرّبة تدريباً جيداً".

    دعوة غير مسبوقة في تاريخ المملكة السعودية، لم تصدر عن أي مرجع سياسي أو ديني حتى في ذروة الصراع العربي- الإسرائيلي، أو حرب الخليج الأولى وحرب الخليج الثانية، لكنها باتت اليوم على جدول أعمال الحكومة، والتمهيد لها من دار الإفتاء يضعها على صفيح ساخن في مقدمة سلم الأولويات، بفعل تلمس القيادة السعودية لتغيرات ذات تأثير عميق واستراتيجي، تمس العلاقة التحالفية للرياض مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، وبعض القوى الإقليمية المتحالفة معها تاريخياً.

    ترجمة الدعوة تعبر عن قلق متزايد في أوساط صناع القرار في المملكة السعودية، من الأسرة الحاكمة، بتراجع قوة التزام الولايات المتحدة والغرب بحماية أمن المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، ونشوء معادلات إقليمية تحد من تأثير المملكة ودول الخليج إقليمياً، ووجود موانع وعقبات تحول دون أن تصبح الرياض مركزاً لتحالف عربي تنضوي فيه مصر والمملكتان الأردنية والمغربية والسودان، مدعوم من باكستان وتركيا، لخلق توازن يحتوي النفوذ الإيراني المتزايد خلال السنوات الأربع الأخيرة.      

    قلق يؤكده امتناع الولايات المتحدة والدول الغربية عن المشاركة مباشرة في العمليات العسكرية في اليمن، ومحدودية الدعم اللوجستي الذي تقدمه عملياً، رغم إعلانها تفهم وتأييد ما يسمى بـ"عاصفة الحزم". وفي سياق متصل، يلاحظ أن دعوة المفتي آل الشيخ تزامنت مع رفض البرلمان الباكستاني المشاركة في العمليات العسكرية التي تقوم بها خمس دول خليجية في اليمن، بقيادة السعودية، خلافاً لما قيل عن موافقة الحكومة الباكستانية.

    فضلاً عما يتردد، على نطاق واسع، حول تراجع الحماسة المصرية للمشاركة في العمليات العسكرية في اليمن، وكون التوقيع على اتفاق إطار بين مجموعة الدول الست الكبرى وإيران بشأن ملفها النووي، لم يكن محل رضا من قبل الرياض وعدد من عواصم الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

    ويثقل على السياسة الخارجية السعودية مرحلة الارتباك التي تمر بها العلاقات مع تركيا، بسبب الخلاف بين البلدين على الملفين المصري والليبي، وعلاقة حكومة حزب "العدالة والتنمية" مع جماعة "الإخوان المسلمين"، وحسابات أنقرة في الفضاءين الدولي والإقليمي، بما تمليه من توازنات معينة دولية وإقليمية بالنسبة لتركيا، تتناقض في جوانب منها مع التوجهات العامة للسياسة الخارجية السعودية.

    معادلات لا تتفق مع الحسابات التقليدية السعودية، من المنطقي أن تدفعها في المستقبل للاعتماد على نفسها في حفظ أمنها واستقرارها، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بذلك، ومن بينها سن قانون خدمة إلزامية للشباب في الجيش، دعوة المفتي آل الشيخ تهدف إلى تهيئة الرأي العام السعودي لقبوله، وهو ما سيستدعي لاحقاً إعادة النظر بهيكلية الجيش ومنظومة تسليحه وعقيدته القتالية والتحالفات، غير أن ما قاله آل الشيخ حرفياً قد يفهم منه أن المملكة السعودية لم تعد تستبعد الانخراط في حرب طائفية، تحت ذريعة احتواء النفوذ الإيراني و"الدفاع عن الدين"، وأن التجنيد الإلزامي فاتورة سيدفعها الشباب السعودي، الذي بقي بعيداً عن معترك ساحات الصراعات والحروب على امتداد عقود طويلة.

    لكن الوضع تغير، حيث لم يعد باستطاعة السعودية ودول الخليج الأخرى التعويل على حروب تدفع تكاليفها المادية من غير المشاركة فيها، مثل حربي الخليج الأولى والثانية وغزو العراق واحتلاله، وسيكون من الخطأ الفاحش الوقوع في قراءات وتقديرات خاطئة تراهن على حلول عسكرية للأزمات، والدخول في سباق تسلح مع إيران ومضاعفة أعداد الجنود، لأن كل شعوب المنطقة هي من سيدفع الثمن على حساب لقمة خبزها وحقها في حياة كريمة.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    انظر أيضا:

    خامنئي يصف غارات "عاصفة الحزم" السعودية بأنها "جريمة وإبادة جماعية"
    ملك السعودية: الدفاع عن "بلاد الحرمين" حماية للوطن بأكمله
    اليمن.. فخ إيراني للمملكة العربية السعودية
    السعودية مستعدة لمناقشة اقتراح روسيا بشأن وقف الغارات الجوية في اليمن
    الكلمات الدلالية:
    الولايات المتحدة الأمريكية, إيران, اليمن, المملكة العربية السعودية
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik