13:11 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017
مباشر
    لافروف وكيري في سوتشي

    رسائل روسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية

    © Sputnik. Ministry of Foreign Affairs of the Russian Federation
    تعليقات
    انسخ الرابط
    نزار بوش
    0 2808161

    تأزمت العلاقات الروسية الأمريكية بسبب الاختلاف والخلاف حول الأزمة السورية منذ بدايتها، ومن ثم تصاعد التوتر في العلاقات عندما تم الاستفتاء على انضمام جزيرة القرم إلى روسيا، وعادت القرم إلى الأم روسيا.

    عندها بدأت الولايات المتحدة بالتصرف بعنجهية تجاه روسيا، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وإرغام دول الاتحاد الأوروبي على سلك نفس الطريق تجاه روسيا.

    طبعا روسيا الاتحادية لم تأبه لكل هذه العقوبات، وقد ردت عليها بعقوبات مماثلة، فالخاسر الأكبر هي دول الاتحاد الأوروبي التي انجرت خلف السياسة الأمريكية كالقطيع.

    فروسيا الاتحادية لا تقبل بأحادية القطب على الكرة الأرضية، وهي دولة عظمى، ولديها حلفاؤها وتملك القوة الكافية الوافية للرد على أي عقوبات أو انتهاكات لأمنها القومي أو مصالحها الاستراتيجية.

    ولكن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تضرب بعرض الحائط وتنتهك كل المواثيق والقوانين الدولية التي تحدد العلاقات بين الدول وحل النزاعات التي تحصل بين هذه الدولة أو تلك، والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية قسمت الإرهاب نوعين، إرهاب شرير وهو الإرهاب الذي لا يتناسب ولايتماهى مع سياستها، وإرهاب خير هو الإرهاب الذي يصب في مصلحتها حين تريد التدخل في هذه المنطقة أو تلك الدولة، وبواسطته تحاول الإطاحة بأنظمة لا تخضع لها أو انتهى دورها، كما حدث في مصر وليبيا وأوكرانيا ويوغسلافيا سابقا، وفي اليمن، وطبعا في

    سوريا. هذا ما رفضته وترفضه روسيا جملة وتفصيلا، على لسان رئيسها فلاديمير بوتين أو في تصريحات وزير خارجيتها سيرغي لافروف والدبلوماسيين الروس.

    فروسيا تعتبر أن حل أي قضية دولية يكون من خلال مجلس الأمن وما تنص عليه قوانين الأمم المتحدة، وأن الإرهاب هو واحد أينما كان ولا يوجد إرهاب خير وآخر شرير.

    طبعا روسيا دائما تدعو لإيجاد لغة مشتركة حول القضايا الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مع احترام سيادة الدول في حل أي مشكلة إن كانت سياسية أو عسكرية.

    لكن الولايات المتحدة الأمريكية ربما لم تستوعب الرسائل التي أرسلتها روسيا لها خلال السنوات الأربع الماضية وحتى يومنا هذه.

    الرسالة الأولى: روسيا لم تتخل عن سوريا خلال أربع سنوات من الحرب الهمجية التي تشنها عليها أغنى وأكبر الدول بدعمها اللامحدود بالمال والسلاح للإرهابيين القادمين من 85 دولة. ويجب ألا ننسى أن روسيا استخدمت حق الفيتو مرتين ضد مشروع قرار دعمته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الخليجيون والغربيون والأتراك، لوضع سوريا تحت الفصل السابع، ومن ثم ضرب الجيش السوري وتفكيكه ومن ثم احتلال سوريا، كما حدث في العراق عام 2003.

    الرسالة الثانية: بغض النظر عن تأخير تنفيذ صفقة منظومة صواريخ "إس 300" إلى إيران، ولكن روسيا وإيران اتفقتا على الصفقة رغم المعارضة الأمريكية والإسرائيلية لها. ونرى هنا أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت أمام أمر واقع فرضته روسيا بشأن هذه الصفقة، إذ صرح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري خلال لقائه وزير الخارجية الروسي في سوتشي 12 أيار/مايو 2015، أن صفقة

    "إس 300" إلى إيران لا تشكل انتهاكا للقوانين الدولية. طبعا جون كيري صرح بذلك مرغما، فلا مفر من توريد "إس 300" إلى إيران، لأن الجانب الروسي اتخذ القرار ولا عودة عنه.

    الرسالة الثالثة: انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا بدون أن تسيل قطرة دم واحدة، بالإضافة إلى انضمام أغلب القطع البحرية العسكرية التي كانت تابعة للقوات الأوكرانية إلى الجيش الروسي. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس بوتين نفسه تابع عملية استفتاء سكان القرم بالانضمام إلى روسيا، في حين كانت المخابرات الخارجية الروسية تعمل بمهنية مذهلة في تأمين وحراسة موانئ ومطارات والمؤسسات الحكومية في شبه جزيرة القرم، دون دراية الولايات المتحدة وحلفائها. طبعا بعد أن أعلن الرئيس بوتين، في 12 أيار 2014، قبول قرار سكان شبه جزيرة القرب الانضمام إلى روسيا الاتحادية، جن جنون الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ولكن الوقت أصبح متأخرا، ولا حول ولا قوة للغرب سوى الاستنكار والتصريحات والإعلان عن عقوبات اقتصادية أصبحت اليوم بدون جدوى. وبعد مرور سنة على انضمام القرم إلى روسيا توقف هيجان الغرب وبرد انفعالهم وأقروا بالأمر الواقع الذي فرضته روسيا.

    الرسالة الرابعة: وهي هزيمة الجيش الأوكراني بقيادة الانقلابيين النازيين الجدد في كييف والمدعومين من قبل الغرب والولايات المتحدة الأمريكية على يد جيش الدفاع الشعبي في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المعلنتين من طرف واحد. طبعا هنا روسيا لم تتخل عن سكان هاتين الجمهوريتين الناطقتين بالروسية، بل دعمتهم وقدمت لهم كل المساعدات اللازمة، واستقبلت على أراضيها ما يقارب مليوني نازح من نار الإرهاب النازي واليمين المتطرف الذي يمسك بزمام السلطة في كييف. لم تتوقع الولايات المتحدة الأمريكية هذا الانهيار للجيش الأوكراني الذي تدعمه  بالمال والسلاح أمام قوات شعبية من جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك،

    وفي نهاية المطاف أصبحت الولايات المتحدة وحلفاؤها أمام واقع جديد في جنوب شرق أوكرانيا، فإما أن تنفذ كييف اتفاقات مينسك أو سيتم الإعلان النهائي عن انفصال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين.

    الرسالة الخامسة: وأعتقد أن هذه الرسالة هي الأهم. وهو العرض العسكري المهيب الذي جرى في الساحة الحمراء بمناسبة الذكرى السبعين للنصر على النازية، حيث عرضت روسيا أحدث ترسانة أسلحة لديها، من دبابات وطائرات وصواريخ بالستية ونووية. هذا بكل تأكيد يعتبره الغرب عرضا للعضلات الروسية على المسرح الدولي. فروسيا اليوم ليست روسيا الضعيفة المريضة كما كانت في عهد يلتسين في تسعينيات القرن الماضي. نعم دعا الرئيس بوتين عددا كبيرا من القادة الغربيين، ولكن لم يحضر أحد منهم، وعزا أغلبهم عدم حضوره إلى الأزمة الأوكرانية والتدخل الروسي، ولكن حقيقة الأمر غير ذلك، فكثير من قادة الدول الغربية كان لديهم الرغبة بالحضور إلى موسكو والمشاركة في احتفال عيد النصر، ولكن هؤلاء القادة لا يزالون واقعين تحت ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية، والدول التي يحكمونها ناقصة السيادة لأنها لا تستطيع أن تخرج من فضاء الضغوط الأمريكية في أخذ قراراتها السياسية. جرى الاحتفال بعيد النصر على النازية في الحرب الوطنية العظمى برهبة كبيرة، ظهرت فيه عظمة روسيا وقوتها الهائلة بدون حضور القادة الغربيين. ولكن كما قال بوتين: "إن هذا العيد هو عيدنا، وشاركنا الاحتفال أصدقاؤنا الذين أردنا أن نراهم معنا هنا على الساحة الحمراء".  وهنا طبعا قصد الرئيس بوتين بكلمة أصدقائه تحديدا، الرئيس الصيني والرئيس الهندي والرئيس الكازاخي ورئيس جنوب أفريقيا، فقادة هذه الدول مع روسيا يشكلون أكثر من 46 % من سكان الكرة الأرضية. كان أهم ضيف في العرض العسكري هو الرئيس الصيني شي جين بينغ  الذي جلس على يمين الرئيس بوتين وتبادل معه الأحاديث الودية خلال العرض

    الذي شاركت فيه وحدة من الجيش الصيني. ولا بد من التذكير أن الرئيس الصيني هو أول الضيوف الذين وصلوا إلى موسكو، ووقع مع الرئيس الروسي 40 اتفاقية في شتى المجالات قبل الاحتفال بعيد النصر بيوم واحد، وكان مرافقا للرئيس بوتين كصديق وشريك طيلة الاحتفال. طبعا هذه الرسالة الأهم التي ربما ستجبر الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تغيير سلوكهم في التعامل مع تحالف "الدب" الروسي و"التنين" الصيني، ويحسبون لهما ألف حساب في المستقبل.

    رسائل أرسلتها روسيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من البحر المتوسط، وتحديدا من المياه الإقليمية السورية، حيث ترسو السفن الحربية الروسية بهيبتها وقوتها وجبروتها، رسائل من مجلس الأمن، ومن القرم، ومن جنوب شرق أوكرانيا، وأخيرا من الساحة الحمراء التي أذهلت العالم بعرضها العسكري الأضخم والأقوى في تاريخ روسيا.

    فهل وصلت الرسائل الروسية إلى البيت الأبيض في واشنطن؟ 

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    الولايات المتحدة الأمريكية, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik