04:40 15 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

    ترتيب جديد للأولويات في البلدان العربية

    © Sputnik. أندري ستينين
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 31

    تناولنا في مقالة سابقة القمة العربية الخليجية- الأميركية والمشاريع الهادفة إلى هندسة جيوسياسية جديدة لبلدان المشرق العربي، من مدخل استغلال الصراعات في بعض بلدانها، وما تفرضه من تغيير في الأولويات، سنعرض لها ولتأثيراتها وتداعياتها في هذه المقالة.

    حافظت القضية الفلسطينية على مدار عقود طويلة من الزمن على مكانتها كقضية مركزية في السياسات الخارجية العربية، شكَّلت قاسماً مشتركاً بين مختلف الأنظمة العربية، على الأقل في حدود الخطاب الرسمي وقرارات القمم، رغم استخدامها كشماعة علِّقت عليها الإخفاقات والتناقضات. ومن جهتها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، وحلفائها في الغرب، منذ خمسينيات القرن الماضي على فك الارتباط بين السياسات الرسمية العربية والقضية الفلسطينية، عبر خطط ومشاريع اتخذت أشكالاً عدة، فمن الدعوة إلى فصل مسارات حل الصراع العربي الفلسطيني- الإسرائيلي، مروراً بمحاولات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل قبل التوقيع على تسوية شاملة ودائمة، وصولاً إلى السعي لإدماج إسرائيل في المنطقة بمشاريع اقتصادية وخطط أمنية مشركة مع دول عربية.

    وساد في تسعينيات القرن الماضي اعتقاد أميركي- إسرائيلي بأن الظروف باتت مواتية لتنفيذ المشاريع والخطط، باستفحال الخلافات البينية العربية جراء الاحتلال العراقي للكويت، وخروج العراق من معادلة الصراع العربي- الإسرائيلي بعد حرب الخليج الثانية، وفرض الحصار عليه، وانطلاق مؤتمر مدريد للتسوية في ظل اختلال نسق العلاقات الدولية، كانت ذروته بتفكك الاتحاد السوفييتي، وحدوث شرخ كبير في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية على خلفية الموقف من المشاركة في مؤتمر مدريد، والتوقيع على اتفاق أوسلو لاحقاً.

    شمعون بيريز، الرئيس الإسرائيلي السابق ورئيس الوزراء الأسبق، نشر في عام 1993 كتاباً تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد"، طرح فيه هندسة جيوسياسية للمنطقة تنزع عنها الطابع العربي، شرح تصوره لها في مقابلة بالدعوة إلى استبدال "جامعة الدول العربية" بـ"جامعة شرق أوسطية" تضم إسرائيل والبلدان العربية ودول إقليمية أخرى. وبعد مرور أحد عشر عاماً على ما طرحه بيريز في كتابه، أطلقت إدارة الرئيس بوش الابن ما أسمته بـ"مبادرة الشرق الأوسط الكبير"، غلَّفتها بمزاعم دعم وتشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية ونشر وتعزيز الديمقراطية، في الوقت الذي كانت قد احتلت فيه العراق، وباشرت في تنفيذ خطط تحويله إلى منصة لإعادة هندسة المنطقة وفق تصورات تخدم الأجندة الأميركية.

    وأدخلت وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق، كونداليزا رايس، مصطلح (الفوضى الخلاقة) إلى القاموس السياسي الأميركي، كعنوان لإستراتيجية أميركية متكاملة تهدف إلى إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، تبدأ بـ" هندسة اجتماعية جديدة تنتج بناء مختلفاً" بإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والاثنية والجهوية، تمهيداً لتغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة، باختلاق دويلات متحاربة، لاسيما في المشرق العربي الذي تزخر مكوناته المجتمعية بتنوعات طائفية ومذهبية وإثنية.

    غير أن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" اصطدم بعوائق كبيرة حالت دون نجاحه حينها، إلا أن الظروف الناشئة بعد عام 2011 أعادت إحياء المشروع في دوائر التخطيط الأميركية والإسرائيلية، باستمرار الانقسام السياسي والكياني الفلسطيني، ودخول سورية واليمن وليبيا والعراق في حروب داخلية طاحنة، وتورط أطراف خارجية فيها، وبروز تنظيم (داعش) كخطر إرهابي داهم يمتلك إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، وقادر على التمدد والانتشار بسرعة، بالإضافة إلى القلاقل السياسية والأمنية في مصر، كل ذلك أدى إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية في السياسات الخارجية العربية.

    جنباً إلى جنب مع عودة المراهنة ما أطلقت عليه رايس (الفوضى الخلاقة)، لإغراق المنطقة في صراعات منهكة تستطيع الولايات المتحدة أن تستغلها في صالح مشاريعها وخططها، القديمة- الجديدة، لتقسيم بلدان المنطقة، وإدماج إسرائيل فيها بحدودها التوسعية، وإنهاء القضية الفلسطينية، حيث فرضت الصراعات في سورية وليبيا واليمن والعراق انعطافة حادة في أولويات الدول العربية، باتجاه اعتبار البعض أن مواجهة (داعش) يمثل الأولوية، بينما تعتبر دول أخرى أن تعاظم النفوذ الإيراني وتدخل إيران في شؤون بلدان عربية هو الخطر الأكبر، وتنكفئ باقي الدول على نفسها لمعالجة قضاياها الداخلية.

    ولن تتراجع هذه المشاريع والخطط إلا بوضع حلول دبلوماسية للصراعات الداخلية في العراق وسورية واليمن وليبيا، تحافظ على وحدة هذه البلدان ونسيجها الاجتماعي، من خلال الاستجابة لتطلعات شعوبها، واتخاذ موقف موحد من تنظيم (داعش) وباقي الجماعات المتطرفة، وإجراء ما يلزم من إصلاحات ديمقراطية، وتصحيح العلاقات العربية- الإيرانية على أساس علاقات حسن الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للغير.

    ما سبق يجب أن يمثل ترتيب الأولويات وأي ترتيب آخر سيضر بالمصالح العربية العليا، وستستفحل المشاكل أكثر، وستشتد الصراعات وتتسع دائرتها.

    انظر أيضا:

    الولايات المتحدة تدفع العالم لمزيد من الصراعات
    الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي والمصداقية الأميركية
    تمارين تفاوضية عربية في جنيف
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik