07:02 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2017
مباشر
    المبعوث الأممي إلى ليبيا، بيرناردينو ليون

    حوار الصخيرات الليبي ومتوالية التعديلات السيزيفية

    © AFP 2017/ Fadel Senna
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 93420

    للمرة الخامسة على التوالي لا يبدو أن المبعوث الدولي إلى ليبيا سينجح في إقناع طرفي الأزمة الليبية بالتوقيع على اتفاق سياسي، ينهي الصراع المسلح بينهما ويبعد شبح التقسيم عن ليبيا، وفشل المسودة الخامسة قد يؤدي إلى انهيار مهمة المبعوث الدولي.

    وتقول أسطورة إغريقية إن الآلهة عاقبت "سيزيف" بجعله يدحرج صعوداً صخرة كبيرة إلى قمة جبل شاهق، وما أن يكاد يصل إلى قمة الجبل حتى تفلت الصخرة منه وتتدحرج مرة أخرى إلى أسفل، ليعيد سيزيف الكرّة من جديد إلى ما لا نهاية، في عقوبة أبدية لا فكاك منها، حيث يؤدي عملاً دون نتيجة تنتظر منه، رغم الجهد العضلي المنهك الذي يبذله في كل محاولة.

    الحوار الماراثوني في مدينة الصخيرات المغربية بين طرفي الأزمة الليبية، البرلمان وحكومة الثني في طبرق من جهة، والمؤتمر الوطني العام والحكومة المنبثقة عنه في طرابلس في الجهة المقابلة، تحوَّل إلى أسير لمتوالية التعديلات على مسودة الاتفاق السياسي، التي اقترحها المبعوث الدولي الخاص إلى ليبيا، برناردينو ليون، حيث أنجزت حتى الآن خمس مسودات بناء على التعديلات التي طالب بها طرفا الأزمة، لكن المسودة الخامسة اصطدمت باعتراض المجلس الوطني الانتقالي، بينما صدمت المسودة الرابعة باعتراض مجلس النواب وحكومة الثني، في عملية تجاذب ومغالبة سياسية حوّلت الحوار إلى ساحة لحرب تعديلات، كلما ساد اعتقاد بأن الطرفين باتا على وشك التوقيع تعود المواقف إلى نقطة الصفر.

    وكأننا أمام حوار سيزيفي، غير منتج ولا طائل من ورائه، يصعب الخروج من دوامته، لأن جميع الصيغ التي اقترحت حتى الآن لم تستطع أن تحظى بموافقة الطرفين المتنازعين، كقاسم مشترك، وما كان لها أن تمتلك مثل هذه الحيثية إلا إذا امتلكت ما يكفي من التوازن والتكامل والشمولية والنظرة المستقبلية، وتقلب مواقف الطرفين المتنازعين من المسودات المقترحة، في تبادل لدوري الرفض والموافقة، يؤكد أن المسودات الخمس فشلت في أن تكون متوازنة ومتكاملة وشاملة، فضلاً عن وجود العديد من الثغرات في المعالجات التي تقترحها.

    الخلافات التي دارت بين طرفي النزاع تركزت حول الصلاحيات التشريعية، ومرجعية الحكومة الانتقالية، وصلاحيات مجلس الدولة وعضويته، والجيش لجهة تشكيلته وقيادته ومرجعيته، وكذلك الأجهزة الأمنية، ومصير الميليشيات المسلحة. وفي كل مرَّة كانت المسودة المقترحة تأتي بصيغة مختلفة أكثر مما يجب عن تلك التي سبقتها، وأحياناً على النقيض تماماً، مثل الصلاحيات التشريعية ومرجعية الحكومة، تارة تعطى للبرلمان وتارة ثانية تعطى لمجلس الدولة المقترح، علماً بأن المسودة الرابعة كانت أقرب بكثير من باقي المسودات، بما فيها المسودة الخامسة، إلى حل وسط، تتوزع فيه الصلاحيات التشريعية بين البرلمان ومجلس الدولة، وتحل فيه قضية مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية بالتوافق، وهو ما يملي على الطرفين تقديم تنازلات متبادلة، تنهي استعصاء محاولة كل منهما تحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الطرف الآخر.

    وهذا ما أضفى على جولات الحوار في مدينة الصخيرات المغربية طابع العبثية حتى اللحظة، أشبه ما يكون بعقوبة سيزيف الأبدية، ومثلها الصراع العسكري الجاري على الأرض، فأي حديث عن حسم عسكري يعني الاندفاع إلى مجاهيل تقسيم البلاد، والصراع على الثروات، وإذكاء النعرات القبلية والجهوية والعرقية، التي ستحوِّل كل الليبيين إلى ضحايا لحرب مفتوحة إلى ما لا نهاية، على الأقل لا نهاية لها في المدى المنظور، وربما المتوسط، إذا ما أصبحت ليبيا دولة فاشلة.

    للمرة الألف؛ لا مخرج من استعصاء الحوار، والعقدة السيزيفية، إلا بإدراك طرفي الأزمة أن للحوار سقفا زمنيا في نهاية المطاف، وأن مبدأ الحوار الوصول إلى حلول وسط، وليس خوض مغالبة تفضي إلى متوالية من التعديلات والتعديلات المضادة، بينما تشتعل المدن الليبية، ويتمدد تنظيم "داعش" والميليشيات المتطرفة على حساب مجلس النواب وحكومة الثني والمؤتمر الوطني والحكومة المنبثقة عنه.

    بدوره، يتحمل المبعوث الدولي الخاص إلى ليبيا، برناردينو ليون، مسؤولية خاصة، تتطلب منه إظهار إرادة أكبر، والتمسك بصيغ متوازنة في المسودات التي يطرحها على طرفي الصراع، وضرورة سد الثغرات التي تشوبها، والتوقف عن محاولة إرضاء الطرف المعترض كل مرة، في صياغة مسودة معدَّلة تنقض التي سبقتها وتؤدي إلى اعتراض الطرف الآخر.

    أما إذا استمر الأمر على ما هو عليه في حوار الصخيرات، ما بين أخذ ورد ومسودات متناقضة، فإن ليون وفريقه الأممي، ومعهم المتحاورين الليبيين، يعاقبون أنفسهم بإيقاعها في براثن لعنة سيزيف.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    انظر أيضا:

    محادثات ليبيا في مرحلة حاسمة بشأن اتفاق تقاسم السلطة
    ليبيا تفتتح فرعاً للمعهد الروسي للأبحاث الاستراتيجية في البلاد
    مسئول أمريكي يؤكد للثني دعم "حكومة وفاق وطني" في ليبيا
    موظفو قنصلية تونس المختطفون في ليبيا "عادوا إلى بلدهم"
    دبلوماسي: انتهاء أزمة التونسيين المحتجزين في ليبيا ومن المتوقع وصولهم إلى تونس غداً
    الكلمات الدلالية:
    برناردينو ليون, ليبيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik