14:43 GMT02 مارس/ آذار 2021
مباشر
    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 80
    تابعنا عبر

    في مسرح دار الأوبرا بباريس، جلس الشاب الثلاثيني مونتوفاني في انتظار بدء العرض. جلس واثقا رغم القلق الذي كسى وجهه.

    فلأول مرة في التاريخ الأوبرالي تصبح السيرة الذاتية لشاعرة روسيا العظيمة آنا أخماتوفا عملا أوبراليا. ظهرت كبطلة نسائية مفعمة بالأنوثة والبراءة والرومانسية في مواجهة عالم حاقد. وقد نال العمل الذي شارك مونتوفاني في كتابته كريستوف كريستي استحسان الجميع واعتبر من أفضل الأعمال الأوبرالية لهذا العام. 

    ولدت أخماتوفا (1889 — 1966) في ضاحية بالشوي فانتان في مدينة أوديسا بأوكرانيا، لأب يعمل مهندسا في البحرية القيصرية. قضت طفولتها وبعض شبابها في تسارسكوي سيلو على مقربة من سانت بطرسبورغ، ذلك المكان الذي نشأ فيه شاعر روسيا العظيم بوشكين الذي كانت تكن له كل تقدير واحترام. وقد كان للبيئة شبه البرجوازية التي نشأت فيها تأثير كبير عليها، فأتقنت آنا اللغة الفرنسية في سن مبكرة، كما قرأت دانتي بالإيطالية وأعمال عمالقة الشعرالروسي نيكراسوف ودرجافين. بزغ نجمها مع نشر أول قصائدها في سن مبكرة وغطت شهرتها الأفق حتى أنها تجاوزت شهرة نجوم لامعة من أدباء وشعراء روسيا القيصرية.

    استقر بها الحال بعد انفصال والديها في كييف، حيث درست الحقوق ثم التحقت بكلية الآداب في بطرسبورغ. وتعرفت آنا على زوجها غوميليف نيكولاي حين كان عمرها 14 عاما، واستمرت العلاقة حتى جاء عام 1909 ليطلب يدها رسميا. تم عقد القران في أبريل/نيسان من عام 1910، ليسافر بعدها العروسان في جولة بين باريس وإيطاليا، حيث رسمها الفنان الإيطالي موديلياني في لوحة شهيرة. وقد أخذت آنا لقب "أخماتوفا" من جدتها الأميرة التتارية حيث رفض والدها أن تذكر لقب غورينكا.

    صنعت أخماتوفا مع زوجها غوميليف ثنائيا مبهرا، حيث أسسا حركة شعرية جديدة تسمى "الأكمييزم" تناهض الرمزية التي سيطرت على المشهد الشعري في ذلك الوقت، وصنعا ما يسمى بـ "القرن الفضي للشعر" بعد "القرن الذهبي" لبوشكين. نشرت أول مجموعاتها "المساء" عام 1912، ثم "المسبحة" عام 2014، ومجموعتها الثالثة "الطائرة البيضاء" عشية الثورة. رزقت أخماتوفا بطفل سمته "ليف"، والذي صار بعدها مؤرخا معروفا. تم القبض على ليف وقضى عدة سنوات في معسكرات الغولاغ، حيث مات زوجها الثالث نيكولاي بونين. ورغم أن آنا كانت ضد الثورة البلشفية حيث كتبت "نهب وبيع كل شيء، والكل يعاني من الأسى والجوع"، إلا أنها لم تستمع لنصائح المقربين بمغادرة روسيا حتى بعد إعدام زوجها من خلال البوليس السري بتهمة التآمر ضد البلاشفة، هذا رغم سيطرة الفكرة عليها أحيانا، حيث ذكرت هذا في اإحدى قصائدها:

    صوت أتاني. دعاني حانيا

    قال "تعالي هنا،

    اتركي أرضك الصماء الآثمة،

    اتركي روسيا للأبد،

    سأغسل الدم من يديكِ…."

    يصنف النقاد أخماتوفا كشاعرة حداثية ثائرة، أعمالها بين القصائد الغنائية القصيرة والبناء الدائري المعقد، مثل قصيدتها "قداس جنائزي" رائعتها التراجيدية التي تحدثت فيها عن إرهاب السنوات الستالينية. تقول في مقدمة القصيدة: "خلال سنوات الإرهاب الرهيبة، قضيت سبعة عشر شهرا سجينة في لينينغراد. ثمة شخص وشى بي. سألتني أمرأة تقف خلفي بشفاه زرقاء، بالطبع لم تسمع باسمي من قبل، عاد لها وعيها، همست في أذني (هناك يهمس الجميع):

    هل يمكنك وصف ما يجري؟ أجبت:

    —  نعم.

    حينها ارتسمت شبه ابتسامة على هذا الذي كان يوما وجها.. "

    من أبيات القصيدة:

    أمـام هـذا الحزن تنحني الجبال،

    ويتوقـف النهر العظيم عن الجريان،

    لكن أبواب السجن منيعة..

    خلفها جحور السجناء،

    وكآبة مميتة.

    وتعتبر قصيدة "قداس جنائزي" من أروع ما كتب من شعر بالروسية إن لم تكن واحدة من أهم قصائد القرن العشرين دون مبالغة. صرخة ألم وحزن لمبدعة ثورية وأم مكلومة تعرض ولدها للاعتقال عدة مرات، حيث بلغت سنوات اعتقاله أربعة عشر عاما كاملة، وطردت من عضوية اتحاد الكتاب السوفيت، وحظرت السلطات السوفيتية نشرأعمالها لمدة عشرين عاما. وحين مات ستالين رددت آنا عبارتها الشهيرة: "سيعود المعتقلون الآن، وسينظر كل معسكر للآخر: معسكر من قام بالاعتقال ومعسكر نزلاء المعتقلات. إنه عصر جديد يبدأ." وعن علاقتها بالشعر، قالت في سيرتها الذاتية: "لم أكف عن نظم الأشعار. أجد فيها رباطا بالزمن والحياة الجديدة لشعبي."

    مقولة شهيرة:

    "الشجاعة: كلمة روسية عظيمة، تلائم أغاني أحفادنا، نقية وهي تجري على ألسنتهم، حرة"

    الكلمات الدلالية:
    آنا أخماتوفا, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook