03:42 13 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    تعليقات

    عاشت كاميرات الأمن التي قتلت سرحان

    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 30

    إنسان وحيد، مقطوع من شجرةـ كما يطلق عليه الأصدقاء، الدنيا عنده ثلاثة أماكن ولعبة، أما الأماكن فهي البيت، العمل، المقهى، وأما اللعبة فهي طاولة الزهر.

    يصحو من نومه يوميا في السادسة، يبتاع سندوتش أو اثنين من الفول من العم جبر، صاحب عربة الفول الشهير في أرض الفوالة، ثم يذهب للمقهى ليشرب فنجان القهوة الصباحي، وينتهي به الحال في التاسعة على مكتبه بوزارة الصحة. حديثه قليل، نادرا ما يترك مكتبه، ينتهي من عمله في تمام الثانية، ثم ينصرف إلى المقهى لشرب الشاي ولعب عشرتين طاولة مع من صادف من معارفه.

    لم يتحدث مطلقا عن حياته الشخصية مع أحد، ولم يعرف له قريب أو صديق. إذا لم يجد سرحان من يشاركه اللعب، يشغل نفسه بقراءة جريدة الجمهورية — الصحيفة الوحيدة التي يقرأها — ويتناول مشروبه ويرحل لبيته. ترتعد فرائس سرحان وترى الرعب في عينيه عندما يسأله أحد عن حياته الخاصة، أو عند رؤية أحد أفراد البوليس، ولا يعرف أحد لهذا سببا محددا. تقول النميمة إنه كان ناشطا سياسيا تعرض للاعتقال أثناء انتفاضة الخبز عام 1977، وعندما خرج عام 1985، كان مهزوما مكسورا منزويا، حتى أنه عزف عن الزواج، أو مد أواصر صداقة مع أحد. صار سرحان كالطير الذي ينتظر الموت بعد أن فارقته وليفته.

    وبينما كان سرحان يلعب الطاولة، جاء رجال يحملون أسلاكا يمدونها في أنحاء المقهى، إنهم يزرعون كاميرات لمراقبة المقهى، هلع سرحان؛ لملم حاجياته؛ ثم فر عائدا لبيته، ولم يعد. كان مشهدا غريبا، لم يفهمه من جلس قرابته. وما هي إلا خطوات بسيطة، حتى وقف سرحان أمام أحد الكاميرات وأشار بسببابته نحوها، ثم سقط جثة هامدة.

    لم يفعل ما يخاف منه، ليس له علاقة بأي تنظيم أو فعاليات معارضة للنظام منذ اعتقاله عام 1978. حتى أنه لم يشارك في أي من مظاهرات يناير وما تلاها. كيف تحول هذا الثوري الذي كان يحلم يوما ببلد عادل، ينعم فيه مواطنوه بكامل حقوقهم، إلى هذا الكائن المكسور المرتعد. إنه القهر والتسلط؛ استباح النظام حياة الناس الخاصة، متصورا أنه يحفظ أمن البلاد، متناسيا أنه جاء لرعايتهم وتدبير شؤونهم. العدل أساس الملك أيها السادة، به يصير كل مواطن أمينا على بلده، حارسا حتى على أصغر حيز يملكه. وليذكر أصحاب الكاميرات كيف لم يسجل أي قسم أو نقطة شرطة بطول مصر وعرضها أية حوادث سرقة يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 1973. وأخيرا، لن تمنع الكاميرات صرخات المظاليم والمكلومين، ولن تعود بالحق لأصحابه، كما أنها لن تنتقم لهذا البلد الطيب من الذئاب، أصحاب الأسنان اللامعة، والوجوه الملساء، كما أسماهم الطيب صالح في روايته "موسم الهجرة إلى الشمال."

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    الولايات المتحدة الأمريكية
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik