16:57 16 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    الدولار

    المعونة الأمريكية وحكاية الدولار اللص (الجزء الثاني)

    © REUTERS/ Jason Lee
    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 125850

    كما قلنا من قبل، الولايات المتحدة ليست وزارة شئون اجتماعية للعالم الفقير، وإنما هي دولة براغماتية تبحث عن مصالحها في كل خطوة، تحسب حساب كل شيء ولا تتردد في اتخاذ أي قرار يخدم مصالحها، فقد تعطيك مالا لتشتري به طعاما، ثم تقتلك في اليوم التالي بلا تردد لو كان هذا في صالحها.

     

    وهي تشعل الحروب ثم ترسل الإغاثات الإنسانية، رغم أنه كان باستطاعتها أن تمنع الحرب من البداية وتحول من البداية دون حدوث الكارثة. وبالنظر الدقيق إلى مسألة المعونة الأمريكية، نجد أن هناك أسبابا واضحة وراء وجودها واستمرارها، رغم التلويح بمنعها من آن لآخر. السبب الرئيسي في وجود المعونة الأمريكية هو دعم الاقتصاد الأمريكي، فأموال دافع الضرائب الأمريكي لا يمكن أن تهدر في سبيل خدمة بلاد أخرى دون مبرر واضح، كما أن الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات لها مصالح في جميع بلدان العالم، وتفيدها هيئة المعونة الأمريكية في أمرين: الأول أنها تفتح المجال لها لتنفيذ مشاريع باستثمارات ضخمة؛ ثانيا تلعب دور قسم العلاقات العامة الذي يسهل عليها تجاوز العقبات البيروقراطية، بل ويمهد لها سبل الاحتكار في تلك الأسواق.

    من ناحية أخرى، لا يعرف الكثيرون أن العقود التي تبرم من خلال هيئة المعونة الأمريكية تشترط أن يقتصر تنفيذ المشروعات على الشركات الأمريكية، وأن تستخدم مواد ومصنوعات أمريكية دون غيرها، وأن يكون شحن البضائع والمنتجات من خلال شركات شحن أمريكية. أما في شأن المنتجات الزراعية، فإن البرامج التي تضعها الهيئة تخدم بالأساس مصالح المنتج الأمريكي، ونعرف جميعا قصة إلقاء القمح في المحيط التي تفعلها الإدارة الأمريكية عمدا حتى لا تتأثر أسعاره.

    الأمر الآخر يتمثل في محاربة الولايات المتحدة لكل محاولات الاستقلال الاقتصادي الذي ربما تقوم به إحدى الدول التي يجب أن تظل خاضعة لها، لذا تضغط الإدارة الأمريكية لفصل هذا الموظف أو ذاك، حتى على أعلى مستوى إداري في البلد المستهدف، حتى لا يؤثر وجوده على تنفيذ الخطط الأمريكية. ومن الأمور التي لاحظتها بنفسي من خلال أصدقاء أعرفهم يعملون في هيئة المعونة الأمريكية أن العديد من الوظائف ذات الرواتب المرتفعة تمنح لأبناء الطبقات الراقية وأصحاب الحظوة والنفوذ، حتى لا يعترض أحد على سياسات الهيئة، وتجد الهيئة طبقة ممتدة من المدافعين عنها حال تعرضها لأي هجوم أو تعرض مصالحها للخطر أو التهديد.

    هناك أمر آخر هام، وهو ترويج اسم الولايات المتحدة الأمريكية كداعم للاقتصاد المحلي بالدولة المعنية، ودعم التحركات السياسية التي تستهدف بالطبع تحقيق الأهداف الأمريكية القصيرة والطويلة الأجل على السواء. أما من الناحية العسكرية، تحقق المعونة العسكرية شيئا في غاية الأهمية  للولايات المتحدة الأمريكية، ألا وهو احتكار توريد الأسلحة للصانع الأمريكي، والتحكم في جيوش الدول المستفيدة من المعونة، حتى تصير دائما تحت رحمة الإدارة الأمريكية.

    ولا يقتصر الأمر بالطبع على الأسلحة كعنصر أساسي، إنما يشمل تدريبات مشتركة تقيم فيها القيادات الأمريكية مدى الكفاءة القتالية لتلك الجيوش. وإضافة لذلك، يسمح هذا التعاون مع الولايات المتحدة بالحصول على ميزات عسكرية عملية، كما حدث مع مصر في مرات عديدة، إذ سمحت السلطات المصرية للمعدات العسكرية الأمريكية بالعبور من قناة السويس، حتى البارجات النووية، وجرت آلاف الطلعات الجوية الأمريكية في سماء مصر. ولم تكن إسرائيل بالطبع بعيدة عن هذا المشهد الذي تخدمه المعونة الأمريكية، حيث تستخدم الولايات المتحدة المعونة الأمريكية كورقة للضغط على السلطات المصرية لاتخاذ المزيد من إجراءات التطبيع والتعاون مع دولة إسرائيل.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    الدولار, الولايات المتحدة الأمريكية
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik