23:05 22 يونيو/ حزيران 2018
مباشر
    رجب طيب اردوغان

    انتحار دولة

    © AFP 2018 / JACQUES DEMARTHON
    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 82

    من المعتاد أن يقدم فرد على الانتحار لأسباب مختلفة، وهو أمر قد يبدو طبيعيا نتيجة لمرور هذا الشخص بظروف نفسية صعبة، لكن أن تقدم دولة على الانتحار، فهذا أمر يبدو غريبا نوعا ما.

    لكن الدولة ككيان يتشكل بفكر فرد أو مجموعة من الأفراد كذلك، لذا فهو كيان يعكس فكر قادته، ويحتمل هذا الفكر الصحة أو عدمها.

    ووسط المشهد السياسي العبثي الذي نراه في منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، تبرز بعض الشواهد التي ربما تعكس ميلا عدميا لدى بعض الدول، من خلال بعض القرارات السياسية والتوجهات التي تدفع تلك الدول إلى مواجهات غير ضرورية، وليس لها فائدة على المدى القريب ولا البعيد، ولا علاقة لها حتى بمنطق المصلحة، رغم أنها تمثل أهمية لفئة محدودة جدا، وناتجها كارثي على كافة المستويات الأخرى.

    ولو تأملنا المشهد جيدا نجد أن دولا مثل قطر، السعودية، تركيا، وحتى مصر قد شابت سياساتها في الفترة الأخيرة نوعا من الارتباك وغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة التي تحقق عائدا مباشرا على تلك الدول، بما يضمن الوصول إلى مرحلة الرخاء الحقيقي غير القائم على عائدات النفط، كما هو الحال مع قطر والسعودية، أو النهضة القائمة على القدرات البشرية، كما هو الحال مع حالتي مصر وتركيا، رغم تفوق تركيا على مصر في أمور كثيرة.

    والمتأمل للحالة المصرية جيدا، يرى أن مشكلات البلاد تتفاقم، مع عدم وضوح الرؤية السياسية تماما. يمكن استثناء قطر من مسألة المشاكل الداخلية، نظرا لاستقرار الوضع في تلك الدولة الصغيرة إلى حد ما، لكن الواضح أن هناك حالة استنزاف كامل لعائدات قطر في أمور هي في غنى عنها، إضافة إلى تورطها في تدخل مباشر في دول كثيرة بالمنطقة، رغبة منها في تحقيق نوع من التواجد السياسي والثقافي المؤثر على حساب دول قديمة ذات تقاليد راسخة مثل مصر.

    الأمر بالنسبة للمملكة العربية السعودية يبدو أكثر تعقيدا، حيث بدأت الخلافات الداخلية تطفو على السطح، ولم تسفر سياسات المملكة السياسية والعسكرية عن نتائج جيدة، مما فتح الباب أمام حالة تذمر واضحة لم تكن موجودة في السابق. أما على مستوى السياسة الخارجية، فالواضح أن المملكة تحقق خسائرا كبيرة متزايدة جعلت صورة المملكة مهتزة على المستوى الدبلوماسي، مع عدم وضوح الرؤية من فلسفة السعودية في حربها ضد اليمن، أو مساعداتها للجماعات المتطرفة في سوريا والعراق.

    أما تركيا، فهي في واد آخر تماما، خاصة بعد أن انكشفت تدخلات تركيا المباشرة في الداخل السوري والعراقي، ومساعداتها ودعمها غير المحدود لمقاتلي "داعش" وغيرها من الجماعات الإرهابية. وقد وضحت العلاقة المباشرة، وحالة التفاهم الكبير بين قطر وتركيا، وهو ما ظهر من خلال الدعم القطري لتركيا بعد أزمة الغاز مع روسيا بعد حادث الطائرة.

    هذا وتواجه تركيا قدرا متزايدا من الخلافات السياسية في الداخل، وارتباكا كبيرا في ملفات عديدة، خاصة ملف الأكراد. ولا يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على الطريق الصحيح في قراراته وانحيازاته السياسية والاقتصادية، رغم أن تركيا قد أصابت تطورا كبيرا على مستويات عدة خلال السنوات التي سبقت عام 2011.  وفي مصر، ومع تزايد حالة السخط الداخلي نتيجة ارتفاع الأسعار، وعدم خلق وظائف جديدة، تزايدت سيطرة فئة صغيرة على الثروة والتجارة والوظائف العليا في الدولة، هذا بالطبع بالإضافة إلى حالة الإهمال الكبيرة التي أدت لكوارث، مثل كارثة زرع قنبلة في طائرة دولة أجنبية حليفة، ناهيك عن الأخطاء المهنية لأجهزة عديدة في الدولة، وعدم التعامل بجدية مع الفساد وإهدار المال العام، يبدو الوضع متأزما جدا.

    هل قررت هذه الدول الانتحار عن عمد، أم أن الأمر يتعلق بغياب الرؤية الصحيحة للأمور؟ هل عجزت بالفعل تلك الدول عن قراءة المشهد جيدا، أم أنها تعي جيدا ما تريد وما هي مقدمة عليه؟ لم يصب هذه الدول بعد ما أصاب العراق، سوريا، أو ليبيا، لكنها على ما يبدو تخطو بخطى ثابتة نحو هذا المصير، والمستفيد الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    رجب طيب أردوغان, الشرق الأوسط, تركيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik