02:27 21 يوليو/ تموز 2018
مباشر
    المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر

    النفاق الأميركي لا قاع له

    CSPAN (Screenshot)
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 01

    السياسة الخارجية باتت مكشوفة منذ زمن بعيد، ولم تعد تنفعها أقنعة ولا رتوش، ومحاولات الناطقين الرسميين الأميركيين إضفاء مسحة من الموضوعية على تصريحاتهم أكذوبة تسقط قبل أن يجف حبر كلماتها.

    صدق أو لا تصدق؛ الإدارة الأميركية غير راضية عن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية بعد توسيع عضويتها، بانضمام حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف، بزعامة أفيغدور ليبرمان، وفضلت إدارة أوباما هذه المرّة توجيه انتقادات مباشرة لحكومة نتنياهو، على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، مارك تونر، في واقعة تعد نادرة من نوعها في تاريخ العلاقات الأميركية- الإسرائيلية.

    تونر قال في بيان مكتوب تلاه أمام الصحفيين: "نعرف أن العديد من وزراء هذه الحكومة سبق أن أعلنوا أنهم يعارضون حل الدولتين. وهذا الأمر يستدعي تساؤلات مشروعة حول المسار الذي تريد الحكومة سلوكه، وماهية السياسات التي تنوي اعتمادها". وأضاف رداً على أحد الأسئلة: "معلومات مصدرها إسرائيل وصفت الحكومة الجديدة بأنها الائتلاف الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل"، قبل أن يستدرك قائلاً: "سنعمل مع هذه الحكومة في الطريقة نفسها التي عملنا فيها مع كل الحكومات الإسرائيلية"، وأكد في الوقت عينه على ما أسماه بـ"التزام الولايات المتحدة الراسخ بأمن إسرائيل وبحل الدولتين".

    هذا التصريح، وإن كان غير معهود في الخطاب الإعلامي الرسمي الأميركي، يندرج في خانة دفع فواتير كلامية غير قابلة للصرف، بل لا تساوي ثمن الورقة التي كتبت عليها، فالسيد تونر يلعب لعبة إعادة اكتشاف المكتشف، وذر الرماد في العيون، بحديثه عن أن الإدارة الأميركية تعرف أن العديد من الوزراء في حكومة نتنياهو سبق أن أعلنوا أنهم يعارضون حل الدولتين.. اكتشاف أفضل تعليق عليه: "صح النوم مستر تونر"، فقد أثلج صدورنا أن نعرف بأنكم تعرفون ذلك، مع أن القاصي والداني يعرف أن اليمين الإسرائيلي يعارض "حل الدولتين"، وعلى رأسه بنيامين نتنياهو شخصياً (بشحمه ولحمه، كما يقال في المثل الشعبي العربي).

    والجميع يعرف أيضاً أن الولايات المتحدة مازالت ترفض الاعتراف بدولة فلسطين، وتشكل مظلة حماية لإسرائيل تمنع عنها المحاسبة على جرائم حربها ضد الفلسطينيين، واستخدمت واشنطن حق النقض (الفيتو) عدة مرات لإسقاط مشاريع قرارات أمام مجلس الأمن الدولي تدين الاستيطان الإسرائيلي، في القدس الشرقية وباقي أراضي الضفة الفلسطينية المحتلة عام 1967، كما تدعم الولايات المتحدة التوجهات السياسية الإسرائيلية القائمة على رفض أي دور للأمم المتحدة، أو أي مرجعية لقراراتها، في البحث عن تسوية للصراع العربي- الإسرائيلي، والأسس التي يجب أن تبنى عليها.

    ولا يفوت على أي محلل سياسي موضوعي إدراك أن ما تريده واشنطن إعطاء نفسها هامشا من المناورة مستقبلاً، حتى لا تتحمل مسؤولية أي مغامرة غير محسوبة قد تقدم عليها حكومة اليمين الإسرائيلي، أو "الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل"، والمقصود بهامش المنارة إظهار نفسها في موقع المعارض والناقد لسياسات حكومة نتنياهو، لكنها ستظل ملتزمة في النهاية بدعم إسرائيل عسكرياً وسياسياً ومالياً، وهذا ما حصلت عليه إسرائيل على الدوام من الولايات المتحدة، ولا تريد أكثر من هذا.

    بينما يبقى للفلسطينيين والعرب البحث عن شيء ربما يمكنهم الاستفادة منه في تصريحات تونر، ولن يجدوا، فإدارة أوباما أكثر جرأة في اللعب على حبال الكلمات، لكنها على أرض الواقع سارت على الطريق الذي سارت عليه كل الإدارات الأميركية السابقة، في دعمها المطلق لإسرائيل والعداء للقضية الفلسطينية والقضايا العربية، وانتقادها لحكومة نتنياهو غاية في النفاق، وإلا ماذا يعني قول الناطق باسم الخارجية الأميركية "إن للولايات المتحدة مخاوف مشروعة من تعيين القومي المتشدد أفيغدور ليبرمان وزيراً للدفاع"، وفي الوقت نفسه يؤكد استمرار الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل، والالتزام بحمايتها.

    والأثر الوحيد الذي يمكن أن يترتب على تصريحات تونر تذكير الفلسطينيين، والعرب والعالم أجمع، أن السياسة الخارجية باتت مكشوفة منذ زمن بعيد، ولم تعد تنفعها أقنعة ولا رتوش، ومحاولات الناطقين الرسميين الأميركيين إضفاء مسحة من الموضوعية على تصريحاتهم أكذوبة تسقط قبل أن يجف حبر كلماتها.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    انظر أيضا:

    البرلمان الإسرائيلي يصادق على تعيين ليبرمان وزيرا للدفاع
    غطاس: الخطر الحقيقي ليس في ليبرمان ولكن في تولي نتانياهو نفسه للحكومة
    نائب في الكنيست لـ"سبوتنيك": تعيين ليبرمان محاولة من نتانياهو للبقاء في الحكم
    واشنطن تنتقد علنا تعيين ليبرمان وزيرا للدفاع الإسرائيلي
    الكلمات الدلالية:
    أفيغدور ليبرمان, إسرائيل, فلسطين
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik