15:35 GMT20 أكتوبر/ تشرين الأول 2021
مباشر
    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 10
    تابعنا عبر

    الأحداث الجارية في تركيا تكشف حجم الخلافات بين مكونات المشهد العام، وعدم الانسجام بين عناصر المعادلة السياسية في جمهورية "أتاتورك"، التي قامت على أسس علمانية يلعب فيها الجيش دورا أساسيا بعيدا عن أي تيارات عقائدية أو عرقية.

    لم يكن تحرك قطاعات من القوات المسلحة التركية بهدف تغيير نظام الحكم، الأول من نوعه في تاريخ البلاد، حيث شهدت أعوام 1960 و1971 و1980 و1989 انقلاب الجيش ،على الحكومة، فضلا عما يوصف بـ "الانقلاب الأبيض" عام 1997 عقب وصول أول رئيس حكومة ينتمي إلى تيار "الإسلام السياسي" بشكل واضح وصريح، وهو "نجم الدين أربكان" مما أثار حفيظة "العلمانيين" الذين دعوا الجيش إلى مواجهة هذه الحكومة، وبالفعل اتخذ "مجلس الأمن القومي" عددا من القرارات آنذاك، وأجبر أربكان على الاستقالة دون أي نزاع أو صدام مع قيادات الجيش.

    يسيطر تيار الإسلام السياسي على صناعة القرار في تركيا، التي تأسست على عقيدة "أتاتورك" نسبة إلى "كمال أتاتورك" والتي تُعرف بـ"الكمالية"، وعملت خلال عقود طويلة على تحصين الجيش من أي تدخلات عقائدية، بل جعلت منه عنصرا مهما في الحياة السياسية باعتباره الجهة الأكثر قدرة على حماية مبادئ العلمانية التي قامت في البلاد على أنقاض العثمانيين.

    ويعكس المشهد الراهن عدم قدرة عدد من المؤسسات داخل الدولة على تحمل تبعات سياسة "النخبة الحاكمة"، ويأتي الجيش في مقدمة هذه المؤسسات، حيث خرجت بعض القطاعات التي تشعر بالاحتقان من تقليم "أظافر الجيش"، وغير راضية بأن تكون شخصية حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، أقوى من شخصية المؤسسة العسكرية التي ظلت لعقود متصدرة المشهد العام.

    هناك شعور بالقلق الكامن في نفوس جنرالات الجيش، على مصير مؤسستهم التي أصبحت منذ عام 2002 رهينة قرارات حكومة تنتمي إلى تيار "الإسلام السياسي"، والتي سعت منذ هذا التاريخ إلى تقليص نفوذ الجنرالات في كافة المؤسسات، وصل إلى درجة التدخل في اختيار الصف الأول من القيادات العسكرية.

    يستمر صراع التيار الإسلامي والجيش في تركيا، بينما تدرك النخبة الحاكمة أن "الكماليين" وأطراف أخرى معارضة تترقب الفرصة للانقضاض على سياسته، وهذا ما يفسر تمسكه بتغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، يملك من خلاله الصلاحيات التي تساعده في تنفيذ مخطط خروج الجيش من المعادلة السياسية، ويحمي تياره السياسي من غضب المؤسسة العسكرية.

    وبينما يخشى الجيش انتشار الأفكار الدينية بين صفوفه، بعد دعوة بعض المؤسسات التي يقودها الحزب الحاكم إلى إلحاق خريجي مدارس الدعوة للعمل في المؤسسة العسكرية، فإن الدستور وقانون الخدمة العسكرية يعطيان الجيش الحق في الحفاظ على وحماية الوطن التركي والجمهورية، وهذا ما يخشى منه الحزب الحاكم باعتباره ذريعة لتبرير أي تحرك للجيش ضد النخبة الحاكمة.

    بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تسفر عنها الأحداث الجارية، فالأكيد أن تركيا ما بعد 15 يوليو/تموز 2016، لن تكون كتلك التي كانت من قبل، فالمجتمع بات منقسما على نفسه، والأحزاب السياسية لم تعد قادرة على احتواء خلافاتها، حتى الجيش لم يعد موحدا على استراتيجية واحدة، في ظل توجهات بعض الجنرالات من تنامي نفوذ "الإسلام السياسي" في مؤسسات الحكم وصناعة القرار الذي يؤثر على مستقبل الجيش، ورفض البعض الآخر لسياسات الحكومة المتعلقة بالأزمات التي تشهدها المنطقة.

    يبدو أن تركيا خلال المرحلة المقبلة سوف تكون منشغلة بترتيب البيت الداخلي، وتجاوز تداعيات الأحداث الجارية التي ستؤثر بشكل كبير على السياسة الخارجية والعلاقات مع دول الجوار، وربما تغيب عن المشهد الإقليمي بما يحمله من أزمات وصراعات ومواجهات مسلحة.

    ما يجري في تركيا هو شأن داخلي يخص الشعب التركي، وهو وحده صاحب القرار في تقرير مصيره وتحديد شخصية الحاكم، لكن أخشى ما أخشاه أن تتصدر روح الانتقام المشهد خلال المرحلة القادمة، بينما المطلوب ضبط النفس والبحث عن آليات جديدة لمعالجة السلبيات وتحقيق التوافق بين كافة أطياف المجتمع.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الكلمات الدلالية:
    تركيا, رجب طيب أردوغان, أخبار تركيا اليوم
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook