15:07 16 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    شارلي إيبدو

    شارلي إيبدو والعبث بالقيم والمشاعر الإنسانية

    © REUTERS/ Rejef Dofinow
    تعليقات
    انسخ الرابط
    عامر راشد
    0 11

    سقطة مهنية وأخلاقية جديدة أضافتها مجلة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة إلى سجلها الحافل بالسقطات، بسخريتها من ضحايا الزلزال في إيطاليا.

    يبدو أن الثابت الوحيد في الفلسفة الإعلامية الخاصة لصحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة هو التربح من وراء الإساءة للمعتقدات والقيم والمشاعر الإنسانية، دون أي وازع أخلاقي أو مهني، وتؤكد هذه الصحيفة المرة تلو الأخرى أنها ماضية في نهجها، متنكرة للتضامن العالمي الواسع مع الضحايا الذين سقطوا في الهجوم الذي استهدف مقرها في كانون الثاني/يناير 2015.

    التضامن مع "شارلي إيبدو" جاء من منطلق إنساني بحت احتراماً لحق الحياة، لكن رسالة العالم كانت واضحة حينها بتشديدها في الوقت عينه على عدم القبول بالإساءة إلى المعتقدات الدينية والاستهزاء بالرسل والأنبياء، غير أن إدارة الصحيفة ذهبت باتجاه استثمار فاجعة مقتل 12 من العاملين فيها لمزيد من التطرف في خطها التحريري الاستفزازي، بغية تحقيق أرباح مادية، بعد أن كانت على وشك الإفلاس المالي، فكان أن وقعت في براثن إفلاس أخلاقي.

    "شارلي إيبدو" رأت في ضحايا الزلزال الذي ضرب وسط إيطاليا، مطلع الأسبوع الماضي، مادة للسخرية، ونشرت في عددها الأخير يوم الجمعة الفائت رسماً كاريكاتورياً لضحايا تحت عنوان "زلزال على الطريقة الإيطالية"، يصورهم على شكل ثلاثة أنواع من المعكرونة الإيطالية الشهيرة، الرسم الأول يصورً رجلاً مهشماً وكتبت فوقه عبارة "بيني بصلصة الطماطم" ويصور الرسم الثاني رجلاً مثخناً بالجراح وكتبت فوقه عبارة "بيني بالفرن"، أما الصورة الثالثة والأبشع فتصور جثثاً مطمورة تحت طبقات من الركام وفوقها عبارة "لازانيا".

    الرسوم الثلاثة شكّلت صدمة للجمهور الإيطالي، وللجمهور الأوروبي عموماً، واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي حملات استنكار واسعة ضد "شارلي إيبدو"، أجمع المشاركون فيها على أن ما قامت به الصحيفة "مثير للقرف والاشمئزاز"، و"وعار على مهنة الصحافة" و"ابتعاد عن المسؤولية".

    نعوت استحقتها الصحيفة على فعلتها، ويضاف إليها صفة أخرى لا تقل بشاعة عن تلك المذكورة، فالصحيفة لم تثبت ولو مرة واحدة في تاريخها أنها تحترم "مبدأ التسامح"، فهي لم تكتف بمهاجمة الرسول محمد (ص) والدين الإسلامي والأديان الأخرى، بل أغرقت في امتهان القيم البشرية بتحويلها الفواجع الإنسانية ليس إلى سخرية فقط بل إلى أداة لبث سموم الكراهية بين أتباع الديانات المختلفة.

    قبل عام حلّقت "شارلي إيبدو" خارج سرب كل وسائل الإعلام في العالم، بسخريتها من الطفل السوري الغريق إيلان، الذي وجدت جثته على الشاطئ التركي بعد غرق مركب للاجئين، صورته وهو ملقى على وجهه أبكت عشرات الملايين في العالم، بينما وكعادتها تعاملت "شارلي إيبدو" مع هذه المأساة كمادة للسخرية والاستهزاء والتحريض العنصري الرخيص.

    الصحيفة نشرت على غلافها الأول تحت مانشيت "اقترب كثيراً من هدفه" رسماً يصور جثة الطفل إيلان على شاطئ البحر مع لافتة لسلسلة مطاعم وجبات سريعة كُتب عليها "اشتروا وجبتي طفلين بثمن واحد". وتابعت "شارلي إيبدو" بصفاقة سخريتها من مأساة الطفل إيلان، فكتبت على صفحتها الثانية مانشيت: "الدليل على أنّ أوروبا مسيحية" فوق رسم يصور الطفل الغريق كُتب فوقه "الأطفال المسلمون يغرقون"، إلى جانب رسم آخر يُظهر رجلاً يرمز إلى السيد المسيح وكُتب بجانبه "المسيحيون يمشون على الماء".

    "شارلي إيبدو" تخفي تلاعبها بالقيم والمشاعر الإنسانية تحت يافطة حرية التعبير، ولا تقيم "شارلي إيبدو" وزناً للمصداقية والمهنية، لذلك حسب فلسفة القائمين عليها لا بأس من أن يتحول ضحايا الزلزال في إيطالياً إلى ثلاثة أنواع من وجبات المعكرونة الإيطالية، ولا بأس أن تتحول جثة الطفل السوري الغريق إيلان إلى خلفية لدعاية لسلسلة مطاعم وجبات سريعة، ومادة لإثارة الكراهية بين المسلمين والمسيحيين.

    ولا يسع أي إنسان منصف سوى التأكيد على أن سلوك الصحيفة العدائي واللا أخلاقي "مثير للقرف والاشمئزاز، وعار على مهنة الصحافة، وابتعاد عن المسؤولية، ويضرب في الصميم مبدأ التسامح"، ولعله آن الأوان للسلطات الفرنسية أن تضع حداً لسلسلة تجاوزات "شارلي إيبدو" بحق القيم البشرية، فحرية التعبير لا تعني التجرد من الأخلاق في تناول قضية إنسانية، أو معتقد ديني.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    انظر أيضا:

    صور.. الملكة رانيا ترد على تطاول "شارلي إيبدو"
    "شارلي إيبدو" تسيء للإله
    "شارلي إيبدو" تنشر رسومات كاريكاتورية للهجمات الإرهابية في باريس
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik