11:09 16 ديسمبر/ كانون الأول 2019
مباشر
    الجنرال سيرجي رودسكوي بهيئة الأركان العامة الروسية يتحدث أمام خريطة لمنطقة حلب في سوريا

    انقلب العالم رأسا على عقب ولم تسقط حلب

    © AP Photo / Alexander Zemlianichenko
    تعليقات
    انسخ الرابط
    0 121
    تابعنا عبر

    دخلت الإدارة الأمريكية الحالية التاريخ من أوسع أبوابه، واستحق الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما فعلاً جائزة نوبل، لكن ليس للسلام، بل كأسوأ رئيس أمريكي عرفه التاريخ، وكأغبى إدارة عرفتها الولايات المتحدة على حد سواء.

     لقد عاشت الإدارات الأمريكية على مر السنين وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية على مبدأ فرّق تسُد، انطلاقاً من قاعدة "إن وجدت القوة فلا داعي للعقل".

    وبالفعل أثمرت هذه المعادلة عن الكثير من الانتصارات القذرة لإدارة أوباما، هذه الإدارة على حساب دماء شعوب الدول التي دمرتها، منذ ذاك الحين عندما قضت على الهنود الحمر أصحاب الأرض الأصليين وبنَت دولتها على عظام صدورهم التي حطّمتها الحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية وفق مفهوم هذه الدولة الناشئة، التي لملمت كيانها من كل أنحاء العالم لتصبح دولة وفق المعايير المادية الصرفة، ليمتدّ شرّها وينتشر، من أفغانستان، إلى العراق والحبل جرار، وصولاً إلى ما يُسمّى بالربيع العربي، هذا الحريق الذي أُشعِلَ في كل دول المنطقة، باستثناء تركيا وإسرائيل ودول الخليج، كونهم استوفوا كل شروط الديمقراطية والإنسانية وفق الشرائع والقوانين الدولية والإنسانية والأخلاقية وفق المفهوم الأمريكي، لكنّ الحقيقة هي ليست جزء من المشروع أو المعادلة الجديدة، وإنما أدوات لتحريك مفاصل وأذرع سياسية وإعلامية واجتماعية ودينية توجّه القطاع الذي ينفذ ميدانياً الخطوات الأساسية لهيكلة المشروع أو المخطّط المسبق الصنع أصلاً وفصلاً.

    واستمرّت الولايات المتحدة في اتباع هذه المعادلة وتطبيق سياسة القوّة والغطرسة والهيمنة، وشطحت إلى أن وصلت إلى سورية، التي أسقطت فيها كل الموازين المحليّة والإقليمية والدولية، وقلبت الدنيا رأساً على عقب، بصمودها المدعوم من الحلفاء الروس بالدرجة الأولى، ويليهم تباعاً الحليف الإيراني، والمقاومة الإسلامية في لبنان، والمقاومة العربية سواء الحرس القومي العربي، أو لواء القدس الفلسطيني، والمقاومة العراقية وهلمّ جرّة، والأهم من ذلك الدعم الشعبي السوري العارم الذي سيسجّله التاريخ إنطلاقاً من عَظَمَة الصبر وحبّ التضحية بالروح والدم وكل ما يملكه هذا الشعب المنكوب بكل ممنونية، تحت شعار واحد صدحَ في حناجر الشعب السوري من صغيره إلى كبيره "كلّو فدا الوطن "، والحديث يطول ويطول عن ثبات الدولة طوال هذ السنوات العِجاف التي لم يكن ليتحمّل أوزارها ونوائبها أي شعب في تاريخ البشرية جمعاء.

    فاليوم بعد فشل كل المحاولات الدولية والإقليمية لكسر سورية وحلفائها، واستنفاذ كل أنواع وشتّى سُبُل الضغط والكذب والتضليل المرفوعة على حوامل الحرية والديمقراطية والإنسانية وحقوق الإنسان وما شابه من الحلف المعادي، والتي نتج عنها تقوقع إقليمي ودولي حرج أصحابه، وردّ لهم ممثّلهم ديمستورا من سورية مؤخراً بخفّي حنين، بفضل القُدرة السّورية الروسية وباقي الحلفاء على التعاطي مع كلّ حيثيات الحرب الميدانية والإعلامية والدبلوماسية السياسية بكثيرٍ من الهدوء والصبر العجيب، في أكبر عملية نصبٍ واحتيالٍ دوليّ باسم القانون، بدءاً من العمليات الإنسانية الكاذبة، وصولاً الى الإدارات الذاتية "على مين ياديمستورا، غيرك كان أشطر"؟ هكذا كانت تقول عيون وزير الخارجية  السوري وليد المعلم خلال مؤتمره الصحفي بعد لقائه مع ديمستورا، وهو الذي قال في جنيف لوزير خارجية أوباما: سيد كيري، لا أحد في العالم له الحق في إضفاء الشرعية أو عزلها عن الشعب السوري. أنا كنت شاهداً شخصياً على ماقاله المعلم حينها، ويبقى السؤال لديمستورا، لماذا فرّ أهالي حلب عندما سنحت الفرصة لهم إلى أحضان الجيش العربي السّوري الذي يحاصرهم ويقتلهم؟ وهم يصيحون بالموت لمعتدليك ويرفعون أعلام سورية الوطنية ويهتفون بحياة الوطن والقائد "الديكتاتوري"!!!

     والضربات الأمريكية بالخطأ لمواقع الجيش السوري، ومساكن المدنيين، والحملات الإنسانية الدولية تحت عناوين عريضة للاجئين، التي كان آخرها مشروع القرار الفاشل لمجلس أوروبا حول مواجهة الإعلام الروسي وخاصة وكالة "سبوتنيك" وقناة "RT"، لوضع ترتيبات العالم الجديد كما يحلو لهم، لكن جنت على نفسها براقش كما يُقال في المثل العربي، فإذا ما نظرنا إلى التحوّلات الإقليمية بدءا من الانتصارات التي يتم تحقيقها في سورية، حيث حقّق الجيش العربي السوري وحلفائه إنتصارات ميدانية واسعة النطاق مؤخّراً في حلب، ونجح بتحقيق حسمٍ مفاجىء ومتسارع، سجّل من خلاله تطوّراً نوعياً يعادل كل تطورات الأحداث الميدانية التي جرت وتجري على كامل مساحة الجغرافيا السورية، لأن حلب كانت بالفعل ومازالت نقطة الحسم النهائي للأوضاع في سورية، التي راهنت عليها كل الجماعات الإرهابية المسلّحة والقِوى الدولية والإقليمية التي تدعمها، وعلى وجه الخصوص تركيا والولايات المتحدة كون هذيَن البلديَن يعيشان حالة تخبّط واسعة يلفّها الفشل السياسي والميداني، وعجزا عن تحقيق أي نصر ميداني أو معنوي سياسي يسمح لهما بالمناورة لكسب نقاطٍ من شأنها أن تقوي موقفهما، هذا عدا عن الانتصارات الميدانية التي يحقّقها الجيش السوري والحلفاء في كل من ريفَي إدلب وحمص، وكذلك الأمر على جبهة الجولان العربي السوري المحتل، وفي الجبهة الجنوبية ككل، وصولاً إلى المصالحات التي تجري ويجري العمل عليها في ريف دمشق الغربي في كل من خان الشيخ والتل، فهل يتحمّل الجانبيَن التركي والأمريكي قدرة الخيار ما بين ردّة الفعل والجنون، وما بين الالتزام بما ستُفضي إليه هذه الانتصارات من انكسارات إقليمية ودولية بالجملة تضع أردوغان وأوباما شخصياً في خانة اليك ما بين العقل والجنون وما يترتّب عليهما من نتائج قد تذهب في الطريق الصحيح للملف السوري نحو الحل السياسي، أو إلى حافّة الهاوية في حال لجألوا إلى تطبيق قاعدة الخاسرين على مبدأ "عليّ وعلى أعدائي" وهنا بالفعل قد تقع كارثة، والتكهّن بها الآن لا يحقق أي نتيجة، إلا في حال  وقع المحظور.

    إذاً هذه الانتصارات شاملة وقوية التأثير على الوضع بشكل عام بالنسبة للطرف المعتدي على سورية، وهامّة جدّاً لسورية وحلفائها نحو السير بإنهاء المجاميع الإرهابية في كل مكان من الأرض السورية وفي العراق الذي شرّع قانونية قوات الحشد الشعبي ووضعها تحت إمرة القائد العام للجيش والقوات المسلحة وسدّ الطريق على المتربّصين بانتصارات العراق على أدواتهم، واليمن الذي بات المجتمع الدولي يترجّى منه الصبر على بلواه وهو المعتدى عليه زوراً وبهتانا ويدفع ثمن تقاطع مصالح إقليمية ودولية كما هو الحال في دول آخرى عدا الملف السوري الذي له خصوصية من الصعب فهمها إلا بعد إنقضاء الأزمة وتوقّف الحرب القائمة عليها وإن أجلها يحكم بخروج  الأمريكي من معادلة الشمال السوري بشكل شبه كامل، وحتّى ليبيا وزيارة القائد العام للجيش الليبي المُشير خليفة حفتر مؤخّراً إلى موسكو فهي تحمل الكثير من الرسائل للقِوى الإقليمية والدولية بأنّ السيل قد بلغ الذُبى، لنرى مشروعهم يتهاوى بذلٍّ ما بعده ذلّ سيذكره التاريخ في صفحاته السوداء.

    هذا من جانب ومن جانب آخر على المستوى الإقليمي أيضاً التقهقر التركي والهستيريا الأردوغانية، يقابلها موقف مصري يُنبئ بتغيراتٍ جديدة من شأنها دخول مصر إلى معترك الحرب الدائرة من الباب المنتظر والمرحّب به جداً لجهة محاربة الإرهاب وداعميه وتحقيق رغبة الرئيس بوتين التي لطالما دعا فيها إلى تشكيل حلفٍ إقليمي ودوليّ لمواجهة الإرهاب، وتهدف دعوة الرئيس المصري السيسي التي طرجها مؤخرا إلى تشكيل اتحاد عالمي لمواجهة الإرهاب وداعميه ومموليه، فهذه تحولات جدا مهمة في الموقف المصري المعلن بغضِّ النظر عن المسبّبات الأخرى الداعمة لهذا الموقف بفعل بعض العوامل الإقليمية التي تحكم علاقات مصر مع بعض دول الإقليم، وإذا ما توسعّنا قليلاً نرى ما الذي يجري في الغرب وفي الولايات المتحدة، فهذه العوامل والمتغيّرات هي بالفعل التي أتت بترامب ابن النظام الاقتصادي السياسي العالمي الخفي، وعلى المنقلب الآخر في أوروبا الهائجة الهادئة بصعوبة يتم تحضير ترامب فرنسا ممثلا باليمين الوسط بشخص فرانسوا فيون الذي له موقفه الشخصي من الأحداث في سورية ولكنه لم يخفِ دعمه لموقف الرئيس بوتين الحالي معبّراً عن استعداده للتعاون في مواجهة الإرهاب الذي ساهمت بلاده في نشره ودعمه حتى وصل شره إليها، كما ودعا لاستئناف العلاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي.

    لنأتي بعد ذلك الى استذكار الماضي القريب في فشل استخدام الملف الأوكراني للضغط على روسيا وإقصائها من كثير من الملفات الدولية العالقة، وانهيار كل مشاريع احتواء دول البلطيق والبلقان وأوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي المتهالك على نفسه، وأكبر دليل على ذلك وصول القوى الداعمة لروسيا في كل من ليتوانيا وبلغاريا إلى سدّة الحكم وكلاهما يدعمان التوجّه الروسي في سياسته الخارجية ويمقتون الغرب وولاياته وولاته وأوليائه وافتراءاته.

    التغيّرات والمتبدّلات الحالية أقل ما يمكن أن يُقال عنها أنها لحظة الانفجار الكوني الحقيقي لمخاض عالمٍ جديد متعدّد الأقطاب تحكمه العدالة والشرعية الدولية وليست عدالة وشرعية أصحاب السيطرة والنفوذ المضرج بدماء الشهداء من كل أبناء المنطقة ومعهم الحلفاء والمختومٌ بختم آلهة الأرض والسماء والمعمّد في أرض سورية مملكة الشهداء.

    فهل تتحمّل رؤوس الخاسرين هذا المخاض؟ وهذه الولادة الشرعية والطبيعية؟

     أم أنهم سيذهبون مع شياطينهم في غيّهم حتى يقتلوا المولود الجديد؟

     فهم لا يناسبهم مولود شرعي يولد من رحم الألم والمعاناة والحقيقة، وإنما يناسبهم ابن الحرام الذي يعلّقون في رقبته كل أفعالهم النجسة بحق البشرية جمعاء.

    الجواب قطعاً يكمن في حكمة السماء التي ستغلب تهور القطيع ورعاته، وشريعة الله كفيلة بمحو شريعة الغاب، ومن آمن بقضيته وبالله والوطن ما خاب. 

    (المقالة تعبر عن رأي صاحبها)

    الكلمات الدلالية:
    أخبار الولايات المتحدة اليوم, أخبار الولايات المتحدة, البنتاجون, البيت الأبيض, باراك أوباما, الولايات المتحدة الأمريكية
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik