20:44 18 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    قمة جامعة الدول العربية

    قمّة النّيام لا تحقّق لشعوبها الأحلام

    © AFP 2017/ Khalil Mazraawi
    تعليقات
    انسخ الرابط
    نواف إبراهيم
    قمة جامعة الدول العربية_2017 (38)
    2152

    كعادتها، لم تحمل القمّة العربية "28" التي عُقِدَت في الأردن مؤخّراً، أي مفأجاة جديدة على صعيد رأب الصّدع العربي، أو حتّى في تطوير أي فكرة أو مشرووع عربي جديد من شأنه أن يرقى إلى مستوى التحدّيات الراهنة التي تواجهها المنطقة في ظل خلافات بيَنية سيطرت على أجواء القمة.

    ولكن مع الكثير من توخّي الحذر في انتشارها أو حتى إظهارها في ملامح وسلوكيات المشاركين، الذين نام معظمهم في جلسة القمّة أمام العالم كله وعلى الملأً، ماجعلها في مواجهة صعبة مع الإعلام بكافّة أشكاله ومستوياته، ويمكن القول أكثر من ذلك لجهة الاستهزاء منها، وإذا ما فنّدنا المسائل والقضايا التي كان من الواجب على هذه القمّة أن تجد لها حلولاً تتناسَب مع الظروف والمتغيّرات الإقليمية والدولية الحالية بما يحفظ على الأقل ماء الوجه لهذه القمّة.

     نرى أن القضية الفلسطينية التي تعُتبَر القضية الأم والمركزية كانت في مهب الريح، إن لم تكن في غياهب النسيان، ومفروضة على لقاء القمة بحكم الأمر الواقع الذي لا مفرّ منه أمام التحديّات التي تواجهها دول المنطقة، بعد أحداث ما يُسمّى "الربيع العربي" والتي استغلّتها إسرائيل وشركاؤها الإقليميين والدوليين لجهة تصفية القضية الفلسطينية ومحاولة نسف حق العودة والتوسّع الكبير للإستطيان الإسرائيلي، عدا عن اللغم الجديد الذي يتخوّف الجميع من انفجاره والذي تستخدمه بعض الدول كفزّاعة تعطيها المجال الكبير للمناورة في الحصول على أكبر قدر من المكاسب مقابل التخلّي عنه، وهو نقل السفارات إلى عاصمة فلسطين في القدس الشّريف، فيسقط الحامل الديني والتاريخي والإنساني والثقافي المقدّس للأمّتيَن العربية والإسلامية في رحاب إسرائيل دون أي متاعب وبغطاء دولي متواطئ، وهنا لم نرَ من المجتمعين سوى أنّهم عبّروا كالعادة عن دعمهم ومساندتهم للقضية الفلسطينية ووجّهوا رسائل خجولة إلى إسرائيل والمجتمع الدولي يطالبون فيها بعدم نقل السّفارات إلى القدس، دون أن يكون هناك أي رسالة حاسمة تحذر من مغبّة هذا الإجراء وما يمكن أن يترتّب عليه في الحقيقة من مواجهة ليست في مصلحة من يتبنّى هذا المشروع نظراً لعوامل شعبية ودينية وتاريخية لا يمكن أن تتسامح بها شعوب المنطقة ولو أذعن قادتها، هذا عدا عن أنّ مبادرة الأمير فهد بن عبد العزيز في عام 1981 التي رفضها حينذاك الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، قد باتت في متحف القضايا المنسية وتمزّقت في الشّكل والمضمون، زِد على ذلك المبادرة العربية في عام 2008 لم يجرِ لها أي عملية إنعاش حقيقي يترتّب عليه أي نتائج تنصف الشعب الفلسطيني، لابل كانت هناك دعوات أشبه بالترجّي نحو توحيد الجهود والتعاون لدعم مشروع حل الدولتيَن الذي إذا ما تمّ بالفعل في المستقبل لا أحد يدري ماهي مساحة الدولة الفلسطينية فيه وعلى أي أساس ستعيش وهي في كنف دولة أنشئت منذ عشرات السنين في قلب المنطقة وبقرار دولي لم يستطع حينها العرب أن يقدّموا أي إمكانية لمواجهة مسح الدولة الفلسطينية عن الخارطة الجغرافية والسياسية بالتقادم، وهذا ما نراه يحصل الآن والحديث عن القضية الفلسطينية ومفاعيلها الداخلية والخارجية يطول جداً وقد لا نرى نهاية لنفقه المظلم في ظل هذا التراخي والترهل العربي الذي انعكس بشكله العام على كل دول المنطقة التي قد يأتي وتدفع يوما ما الثمن باهظا إلى درجة لن يتحملها أحد منهم.

    ونأتي على الملف السّوري فنرى أنّ الدولة السّورية كانت حاضرة وبقوّة رغم أنّها كانت مغيّبة، ورفع علمها الوطني على طاولة وضعت عليها زجاجات العصير والمشروبات وكؤوس فارغة لم ولن يشربها أحد، هذا العلم الذي استبدل يوماً ما وفي إحدى القِمَم السابقة بعلم الانتداب الفرنسي في قطر، سورية كانت حاضرة بقوّة القانون والأمر الواقع، فهي دولة مُعترَف بها وبحكومتها في الأمم المتحدة، ويرفع علمها الوطني في هذه المنظمة الدولية، وتختلف القضية السورية الداخلية بإشكالاتها كثيراً عن قضايا أخرى في دول عربية أخرى، وخاصة فيما يخص المعارضة السورية بكل أشكالها، فعلى سبيل المثال، هناك حكومة أمر واقع في اليمن تم تشكيلها مؤخّراً وعملياً يراها البعض إقليمياً ودولياً غير قانونية ولكن بحكم الواقع هي حكومة أمر واقع، وكذلك الأمر ينطبق على حماس في غزة، أمّا المعارضات السورية فلم تصل حتّى إلى حافّة هذا الأمر الواقع ناهيك عن قانونيته، سورية بحكم الواقع والقانون دولة متكاملة بكل كياناتها، وكل ما تمّ تشكيله من ائتلافات ومجالس وإلى ما هنالك هي من تخالف القانون والأمر الواقع، وهذا أيضاً لعب دور في الحضور السّوري القوي تحت العلم الوطني للجمهورية العربية السورية، عدا عن أنّ الموقف لبعض الدول الإقليمية كان له دوراً على سبيل المثال "الجزائر وسلطنة عُمان" إلى حدٍّ بعيد  ودوليّاً في المقدّمة أتى الموقف الروسي الذي يعرف تماماً كيف يظهر قانونية هذا الإجراء أو ذاك تجاه أي دولة فكيف بالنسبة لسورية وهي التي باتت الحليف الإستراتيجي الأساس للدولة الروسية في مكافحة لإرهاب وفي تثبيت أقدام روسيا في منطقة الشرق الأوسط والعصب المحوري في مواجهة محور الهيمنة التي تقوده الولايات المتحدة، وطبعاً بالتعاون مع إيران التي لم توجَّه إليها أي رسائل تهديد أو تحذير أو حتّى اتهامات كما جرت العادة في مثل هذه القِمَم، فإيران باتت محوراً إقليمياً رئيسيأ في حلف المواجهة الإقليمي الدولي الذي تقوده روسيا ضد الإرهاب الصديق لبعض دول المنطقة أو الابن البار لبعضها الآخر.

    إيران نجحت في حرب الملف النووي إن صحّ التعبير، ومهما غالت أمريكا وهدّدت بأنّها ستلغي الاتفاق فهذا هُراء لأنّ الولايات المتحدة هي طرف في معادلة دولية توصّلت إلى هذا الاتفاق وليست الطرف الوحيد في المعادلة ولا يمكن لها التصرّف على حِدا، عدا عن المصالح التي ارتبطت بها شركات أوروبية وغربية مع هذا الملف بشكل عام بما فيها شركات أمريكية من خلال العقود التي تم توقيعها بعد فك الحصار عن إيران، فهل ستسمح هذه الأطراف بالتعدّي على مصالحها من قبل أيّاً كان قطعاً لا، ولاننسى الموقف العُماني النظيف من كل ما يجري وتحديداً أن دول الخليج والسعودية تحديداً قد خذلت المساعي العُمانية الكويتية لنزع فتيل النزاع  بين إيران ودول الخليج بعد زيارة الرئيس روحاني إلى الكويت والرسالة التي وجّهها إلى دول مجلس التعاون يعبّر فيها عن استعداد إيران للحوار، ولا يغيب هنا  أبداً عن البال قمّة الرئيسيَن "بوتين وروحاني" ولو أن توقيتها كان بمحض الصدفة إلا أنها كانت رسالة إيرانية روسية مشتركة للجميع بأن إيران لاعب وشريك استراتيجي لا يسمح بتعدّي الخطوط الحمراء معه تحت أي مسوّغ.

     كل هذه المفاعيل منعت القمّة أو بعض أطرافها من التوجّه إلى إيران برسائل تشبه ما كانت عليه الرسائل في الماضي من تحذيرات وحدّيّة وتهديدات وإلى ما هنالك.

    حتى لا نطيل في سرد البديهيات نعود إلى ما خرجت به القمّة دون الإعلان الصريح سواء بقصد أو غير قصد، والواقع يفرض نفسه هنا، ألا وهو تعبيد الطريق أمام دخول قوي لإسرائيل في تحالفات بعض دول المنطقة تحت قبّة جامعة الدول العربية التي من المفروض أن يكون لها موقفاً حاسماً ومغايراً من إسرائيل تجاه  القضية الفلسطينية وتجاه الأراضي العربية المغتصبة في الجولان السّوري المحتل ومزارع شبعا وتلال كفر شوبا في لبنان، فالحديث يدور هنا عن تشكيل تحالف إقليمي لمواجهة التحدّيات، والتعاون يبدأ بتركيا الدولة غير العربية أصلاً والتي وصل الحال بها إلى الاصطدام بكل جدران المنطقة بدءً من سورية ووصولاً إلى إيران، ومنها إلى دول أوروبا مروراً بروسيا، فتركيا التي تبحث عن مخرج من مأزق صفر أصدقاء بسبب سياستها الخارجية المتهوّرة والتي خسرت كل الرهانات وفي مقدّمتها تجاه سورية، تركيا لها علاقات طيبة وقوية مع إسرائيل رغم شعارات الدفاع عن القضية الفلسطينية الكاذبة وذات المصلحة، ومن هنا وعلى ظهر أردوغان ستنتشل إسرائيل من البئر المحصورة فيه إلى فضاء الشرق الأوسط الذي تحلم به جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وحتى إيديولوجياً.

    بغضّ النظر عن لغة البيان الختامي، سورية قالت كلمتها في الميدان وكانت أبلغ الرسائل التي وجّهت إلى القمّة وأكثرها قوّة وجرأة وحزماً وتأثيراً، لبنان قال كلمته وكانت واضحة وفيها الكثير من الوعي والعقلانية والألم على واقع حال الأمّة، والأردن وقّع اتفاقات مع السعودية بقيمة 3,5 مليار دولار، لكن هل ستنفّذ السعودية وعودها؟ أم أنّ مصير هذه الاتفاقات والمساعدات لن يختلف عن مصير الاتفاقات أو المساعدات التي وعدت بها السعودية لبنان ومصر؟

    اليمن ترك لوحده ومصيره دونما أي خطوة من شأنها أن تنقذ حياة  الملايين من المدنيين الذي يموتون ويتضوّرون جوعاً ويتشرّدون تحت رحمة قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، التي خطفت مسبقاً القمّة القادمة بعد أن تنازلت عنها الإمارات العربية المتحدة  للرياض، ويبدو أنّ الهدف الأساس منها هو الاستحواذ على أي قرار يخص سورية أو اليمن خلال الفترة القادمة، ومنع سورية من الحضور حتى لو رغبت أو شاءت التوافقات الإقليمية والدولية أن تحضر، لأنّ سورية قد لا تقبل أبداً أن تشارك في قمّة على أرض دولة كانت لها اليد الطولى في تدميرها وقتل شعبها وتشريده وفق الواقع الذي نراه ولو رفضت هذه الدولة أو تلك الاعتراف بذلك رغم أنه معلن، والعراق الذي يحارب الإرهاب على أرضه ويضحّي لأجل الأردن والكويت ودول مجلس التعاون كي لا يصل تنظيم داعش إليهم خرج بخُفَّي حنين ولم يُعطَ حقّه من الرعاية والدعم اللازم لمواجهة الإرهاب، ومصر كسرت الحاجز مع السعودية فالرئيس السيسي دعا الملك سلمان لزيارة مصر والملك سلمان دعا الرئيس السيسي لزيارة السعودية بعد المشاكل التي طرأت بين الطرفين حول عدّة مسائل بينها سورية، لكن مصر هل ستقدر أن تتخطّى هذه الحواجز وتستطيع تطويع السعودية لتكون محضر خير في حل مشاكل ونزاعات المنطقة التي لها اليد الطولى في بعضها؟  سؤال جوابه صعب، ويبقى الروسي والأمريكي شهود عيان على ضياع أمّة جسدها ممزّق بفعل يدها وتندب حظّها على مآسيها التي تعيشها بفعل التدخّلات الخارجية التي هي من سمحت بها لأي طرف كان إقليمي أو دولي صديق أو عدو.

    عُقِدَت القمّة ورُفِعَت الجلسة وبقيت شعوب المنطقة تنتظر فرج الله، ريثما ينتهي الكباش ولعله لن ينتهي إلا بمعجزة إلهية يقدّرها الله، أو يرسل لها قائداً منقذاً تسير خلفه شعوب الأمة إلى ضفّة الحياة قبل أن يأتي الطوفان.

    (المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

    الموضوع:
    قمة جامعة الدول العربية_2017 (38)

    انظر أيضا:

    صمت مغربي في القمة العربية
    ابنة ميشال عون تعلق على سقوط أبيها في القمة العربية
    شاهد...لقطة طريفة من القمة العربية
    السعودية تعلن استضافة الرياض القمة العربية المقبلة
    القمة العربية في الأردن...ماذا قال القادة والزعماء العرب
    ماذا قال الفنانون اللبنانيون عن "سقوط ميشال عون" في القمة العربية
    الكلمات الدلالية:
    القمة العربية, عمان
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik