Widgets Magazine
21:07 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2019
مباشر
    المؤتمر الصحفي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان

    بوتين ليس غورباتشوف...يا ترامب

    © AP Photo / Alexander Zemlianichenko
    تعليقات
    انسخ الرابط
    بقلم
    1270
    تابعنا عبر

    تسيطر في هذه الأيام حالة من التوتر العالي على الساحتين الإقليمية والدولية بدءا من سوريا، التي تعتبر في حقيقة الأمر مركز تحديد وجه السياسات العالمية الجديدة التي سيتشكل منها عالم جديد متعدد الأقطاب.

    باتت سوريا بالفعل مركز التحوّل العالمي ونواة تقاسم السلطة والسيطرة على العالم  بفعل صمودها وقدرتها على مواجهة أعتى حروب التاريخ بدعم من حلفائها الروس والإيرانيين والمقاومة، وبالتالي حالة التوتر، التي يعيشها العالم حالياً هي بفعل عدم توصل المحورين الأساسيَين في العالم إلى نقاط التقاء من شأنها وضع حد لكل هذا التهور الذي بسببه تُدمّر دول وتُشرّد وتُقتَل شعوب بكاملها.

    الحديث هنا يدور عن خطِّين متوافقَين في التصريحات السياسية والدبلوماسية ومتناقِضين في التوجّه وفي الممارسات  العسكرية الميدانية، أحدهما تديره الولايات المتحدة، يسعى إلى تحقيق كل ما يستطيع من أجنداته السياسية عبر الإستثمار الكامل للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط دونما الأخذ بعين الإعتبار أي مسؤولية إنسانية أو أخلاقية  أو سياسية ولا حتى تاريخية أمام المجتمع الدولي وأمام البشرية جمعاء.

    في وقت  الولايات الأمريكية المتحدة تشعر بنفسها بأنها تُحتضر فهي لم تعد قادرة على التحكم بالعالم بالرغم من كل ما فعلته من قتلٍ وتدميرٍ وتشريدٍ للآمنين في مناطق مختلفة لتأت وتحط رحالها في منطقة الشرق الأوسط بشكل شبه كامل عام 2011. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تطبيق سياسة الأمر والاستعلاء والتخويف بالرغم من قوتها حتى اللحظة، لقد خسرت رهاناتها كلها تقريباً على دول المنطقة وعلى جيوشها البديلة التي فضحتها وفضحت هويتها جراء الحروب التي تدور فيما بينها حالياً بالرغم من أنها كانت مفضوحة أصلاً.

    سقطت كل الأقنعة وجميع أوراق التوت عن عورات حلفاء الولايات المتحدة  ما فضح دورها الكبير في التخطيط والترتيب لكل ما حدث ويحدث في العالم لإستنزاف دول بعينها  والسيطرة عليها وعلى مقدراتها، ولإضعاف دول أخرى على رأسها روسيا الإتحادية دوليّا وإيران إقليميا.

    روسيا تمثّل الطرف الثاني في صراع الإرادات الذي بدأنا الحديث عنه، روسيا عادت بقوّة إلى السّاحة الدولية إستطاعت أن تعيد الأكثرية إن لم يكن الجميع إلى حظائر المجتمع الدولي الباهت البرّاق الذي لم يفعل شيئاً من خلال منظماته سوى العمل على خدمة مصالح دول بعينها وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، روسيا سعت وتسعى إلى بناء عالمٍ جديد متعدّد الأقطاب لا يوجد فيه لا احتلال ولا انتداب ولا وصاية ولا أي نوع من أنواع الإنتهاكات التي تمارسها مجموعة دولية  تتلطّى خلف قوانين الشرعية الدولية، والحرب على سورية وفي سورية كانت في حقيقة الأمر المدخل الكبير الذي أعطى روسيا القدرة على المناورة من خلال خطوتها الجريئة في  دخول المواجهة العالمية مع أدوات الولايات المتحدة المتمثلة في الجيوش الإرهابية البديلة.

    حفل التوقيع على وثائق التعاون المشترك بين البلدين، وذلك خلال الزيارة الرسمية لرئيس الاتحاد السوفيتي، الأمين العام للحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومقابلة الرئيس الأمريكي جورش بوش الأكبر، 30 مايو/ آيار - 4 يونيو/ حزيران 1990.
    © Sputnik . Юрий Абрамочкин
    حفل التوقيع على وثائق التعاون المشترك بين البلدين، وذلك خلال الزيارة الرسمية لرئيس الاتحاد السوفيتي، الأمين العام للحزب الشيوعي ميخائيل غورباتشوف، إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومقابلة الرئيس الأمريكي جورش بوش الأكبر، 30 مايو/ آيار - 4 يونيو/ حزيران 1990.

    في هذه اللحظات كما بدأنا الحديث يعيش العالم حالة من التوتّر صنعتها نفس الجهات التي صنعت هذه الحروب ومسبّباتها لتوليف العالم ضد روسيا وحلفائها بحجّة أنّ سياستها ستؤدي إلى كارثة عالمية  إثر حربٍ كونية نووية لا مفر منها في حال لم يتم وضع حد للسياسات الروسية كما يدّعي أصحاب البدع ومروّجي رسائل وسياسات القِوى الخفية التي تدير هذه الصراعات منذ زمنٍ بعيد في ظل الخوف بالتفوّه عنها بحرفٍ واحد، الآن تغيّرت الأحوال والأوضاع ولم تعد لا روسيا ولا حلفائها يحسبون حساب لهذه القوى كانت من كانت وأينما كانت  حتى على مستوى الإعلاميين والصحافيين والسياسيين وغيرهم من العامّة ممن باتت الصورة أمامهم شبه واضحة عمّا يجري في العالم، لذا هذه التخبّطات التي نراها في مركز الحريق العالمي في منطقة الشرق الأوسط وفي قلبها السوري ماهي إلا إرهاصات الإنفجار الأخير الذي لن يؤذي في الصميم سوى هذه القوى ومن يتبع لها كان من كان، لذا نراهم عندما أحسّوا بقرب وحتمية إنهيار مشروعهم الشرق أوسطي لطرد روسيا من المنطقة ومد إسرائيل بالقوّة والأمن وحماية دول الخليج وغيرها من الدول التابعة والمشاركة بدأوا بإعادة الملف الأوكراني إلى الواجهة في كل لقاءٍ وزمانٍ ومكان، عادوا وزادوا في الدعم المالي واللوجستي والسياسي والإعلامي والعسكري لجيوشهم الإرهابية البديلة وآخر صورها في هجوم دمشق، وأرياف حماه، وصولا إلى الغوطة مروراً بالقابون إلى جوبر نحو الجنوب الذي أرادوه أيضاً نقطة قض المضجع المفاجئة، ضربوا مطار الشعيرات، بعد مسرحيتهم في خان شيخون، غضّوا الطرف عن التركي ثم عادوا ولجموه، العد يطول والتفصيل لا ينتهي، ومسلسلات التضليل الإعلامي فهي قصص تضاهي قصص أليس في بلاد العجائب.

    الحالة التي طفت على السطح بإختصار هي حالة من التخبّط الإقليمي الدولي غير المألوف وغير المعتاد لقوى كانت تعتبر نفسها صاحبة اليد الطولة فيما جرى ويجري وفيما سيكون في المستقبل، الصورة لم تعد قاتمة وضبابية كما كانت عليه أو كما كان مراد لها أن تكون عليه، يتوقّف في حقيقة الأمر تحقيق الإستقرار من عدمه في العالم على دولتين رئيسيتين هما روسيا والولايات المتحدة، ومن هنا نرى أن التوتّر القائم في العلاقة الأمريكية الروسية الظاهر بالشكل والخفي بمضمونه الخطر يستدعي تحسّس أخطار جمّة لا تحمد عقباها في ظل التهوّر السياسي والتصعيد العسكري الأمريكي، والذي ترجم حالياً في الإعلان على عدم توصل الرئيسَين بوتين وترامب إلى الإتفاق على موعد اللقاء فيما بينهما في ظل احتدام الصراع في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم يملك الطرفان فيها مصالح إقتصادية وجيوسياسية ، لذا ينشر الرعب في العالم حول أنه في حال عدم التوافق الروسي الأمريكي قد يؤدي فعلاً إلى إشتعال حربٍ حقيقية كنتيجة واقعية لعدم التوصّل إلى اتفاقاتٍ من شأنها أن تحقّق السلام والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ومن هنا لابد من البحث في الأسباب الحقيقية  التي تقف خلف عدم التوصل إلى توافق روسي أمريكي والإنعكاسات الكارثية على ذلك في ظل الظروف العالمية الراهنة والتي باتت تخرج عن السيطرة بكل أشكالها سواء بين أصلاء الحرب أو وكلائها.

    الصورة الحقيقية وبشكلٍ مقتضب ومختصر هي على النحو التالي: المجموعات الإرهابية المسلحة فقدت السيطرة حتى على نفسها بفعل الخلافات الإقليمية والدولية لمشغّليها فراحت تأكل بعضها بعضاً، التركي تعب من الهرولة ما بين الروسي والأمريكي وفقد الأمل في أن يصل إلى حدود الإتحاد الاوربي الذي ينازع نزاع المصاب بداء طاعون يفتك بأعضائه واحداً تلوَ الآخر، لقد بات يعلم أردوغان أنه لن يصل أوروبا ولو ذهب إليها راكباً أمواج البحار ورافعاً الراية البيضاء، لذا من هنا نعي أنه سينكفئ إلى كوخه ليرى كيف يرتّب عظامه التي تكسّرت وتهالكت قبل أن يعد عظام فرائسه، الأمريكي أضاع بوصلته في الشمال السوري رغم كل عروض العضلات التي لن تنفعه يوم الحساب القادم في الساحَتين السياسية والميدانية ويبحث عن مخرج كي لا تعاد مأساة الثمانينيات في بيروت، الأردني الذي أراد بدعمٍ أمريكي وبتخطيطٍ إسرائيلي أمريكي فصل الجنوب السوري عن الوطن الأم لقضم مساحة أمان تفصل الجولان السوري المحتل عن أساسه السوري لتضمن إسرائيل التعاطي مع الأمر الواقع في تخلّي سورية عن هذا الجزء المحتل بالتقادم أمام هول الأوضاع وعدم الاستقرار، موضوع المناطق الآمنة بجلّه يتأرجح على حبل المشنقة في الشمال والجنوب على وجه الخصوص السعودي خانته الخطة وبات على شفى المواجهة مع الإمارات في اليمن، مات جنيف قولاً واحداً ولم يتبقَّ  منه إلا القرار 2254 الذي يتمسّك به الجميع، وسياسياً مسرح أستانة هو الحلقة الأخيرة في السيناريو السياسي، بحثت الولايات المتحدة عن حربٍ جديدة لم تجد لها أرضية في أي دولة من دول الشرق الأوسط فمعظمها غير قابل للحرب لا يوجد أي من مقومات ووقود الحرب، ولا يتجرّأ على مواجهة روسيا مباشرة، ولا يستطيع أن يشعل النار بحلفائه فهم لا حول ولا قوة لهم فيضرب نفسه ضربة أكثر من موجعة إن لم تكن قاتلة، فاتكئ على الإسرائيلي ليهدّد لبنان حكومة وشعباً ومقاومة بحربٍ جديدة تختلف عن سابقاتها فلم تؤتِ أكلها عند اللبنانيين، والعد يطول من سيناء مصر مروراً بليبيا إلى  تونس وصولا إلى الجزائر،  فذهب إلى بحر الصين وصرخ بوجه كوريا الشمالية فرأى أنّ الأمر ليس فيه مزاحا فعاد بخفّي حنين ليصرح على لسان ترامب: لي الشرف أن التقي الزعيم الكوري في حال سمحت الظروف، ولا ننسى ما قاله السيد حسن نصر الله مؤخّراً مطالباً الجميع بأن يتفقوا فقد كان واضحاً بكل كلمة يقولها لمن هم في لبنان ومحيطه من هول أي لحظة غفلة.

    المؤتمر الصحفي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان
    © AP Photo / Alexander Zemlianichenko
    المؤتمر الصحفي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان

    صراعات الجبابرة الدائر حالياً مركزها منطقة الشرق الأوسط شريان العالم ونقطة الوصل التي لا حياة بدونها بين قارّات الكون ومصدر العطاء الأوفر، وقلبها سورية التي لم يتوقّف عن النبض رغم الطعن الحاقد فيه من كل حدبٍ وصوب وبشتّى الوسائل والطرق التي يعجز التاريخ عن ذكر مثيلٍ لها وهذا ما تفهمه روسيا وحلفائها بشكلٍ دقيق ما يحتّم عليها التعامل مع كل المتغيّرات والمتبدّلات الحاصلة بتأنٍّ كبيرٍ يثير حفيظة وغضب البعض ومن بينهم عامة الشعب الذي تؤكل قلوبه وتقطّع أوصاله ويقدّم أغلى ما يمكن لكي يواجه الموت القادم من المحيط  وما بعده، وكل ما يجري من حديثٍ عن تقسيم وعن مناطق أمنة وغير آمنة، وعن مناطق تخفيض التصعيد وما شابه ما هي إلا هرطقات قد يتحقّق منها بعض الشيء بفعل الأمر الواقع بشكلٍ مؤقّت أو لتكون السبيل إلى مخرجٍ آمن لكل من تورّط بدماء شعوب المنطقة فأحرقته الأرض السورية بصمود شعبها وبنيرانها وبنيران صديقة على المبدأ المقاوم وليس كما هو الحال في المعجم الأمريكي المخادع، روسيا تعي تماماً ما يجري وتعي تماما هي وحلفاؤها كيف ستسقط الأمريكي بالضربة القاضية طريحاً ومن ثم تمد له يد العون ليس لأنه يستحق بل لأن العالم يستحق أن يعيش بأمنٍ وسلام وقد بلغ السيل الزبى ولا مفر من ضرب الغول وتقييده ريثما يقتنع أنه بات أرنباً لا يسعه أكثر من تحريك أذنيه تعبيراً عن سخطه من قصر ذيله.

    ويبقى السؤال هنا في الوقت التي تنهار عروض اردوغان ورفاقه في المنطقة والعالم على بوتين ليكون شريكاً في حل مشكلات العالم والشرق الأوسط وهرولات آخرين للتوسّل إليه بأن ينقذهم من المذلّة أو من إنتقام المظلومين يبقى شكل ومضمون وتوقيت وزمان الضربة القاضية التي ستنالها الولايات المتحدة هي والقوى الخفية التي تقف ورائها، ربما حينها تعود إلى بعض رشدها وتنقذ نفسها من الهلاك قبل أن تفكّر في إنقاذ هذا العالم إن فكّرت في إنقاذه أصلاً.

    فنقطة بداية الحسم في إطفاء حرائق العالم غالباً هي في قمّة بطرسبورغ الاقتصادية القادمة، إن لم تكن فيها، فهي على الأقل الخطوة الاولى في المسير نحو المصالحات الدولية مع حساباتٍ جديدة تخدم مصلحة الجميع وكلٍّ حسب أجندته، وسيبدأ الإرهاب بالموت التدريجي أو يصدر قرار نقله إلى مكانٍ ما من جديد قد تعيد الولايات المتحدة فيما بعد انتاجه من جديد.

    (المقال يعبر عن رأي صاحبه)

     

    الكلمات الدلالية:
    فلاديمير بوتين, أخبار روسيا, أخبار الولايات المتحدة اليوم, أخبار الولايات المتحدة, أخبار روسيا اليوم, دونالد ترامب, الولايات المتحدة, روسيا الاتحادية, الولايات المتحدة الأمريكية, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik