22:30 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2018
مباشر
    الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس بشار الأسد في القاعدة حميميم، سوريا 11 ديسمبر/ كانون الأول 2017

    سورية وحرب الأنفاس الأخيرة في الوقت الضائع

    © Sputnik .
    تعليقات
    انسخ الرابط
    نواف إبراهيم
    0 40

    مهما كان هناك من تحليلات أو تنبؤات فلا ضير من أن يكون هناك رؤية عاقلة ومنطقية في مهب ريح الحرب التي يراد لها أن تفرض على سورية والحلفاء وحتى على المنطقة كلها، ماحدث يوم أمس ليس فقط متوقعا بل كان واقعا لا محال، ولكن الأمر يكمن في ساعة صفره .

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط).

    عملية الاعتداء التي قامت بها يوم أمس طائرات الكيان الصهيوني ومعه الفرنسي والأمريكي والبريطاني بغض النظر عن من اعترف بالمشاركة أو لم يعترف أو اعتكف عن إظهار دوره وموقفه مما جرى من محاولة لإدخال المنطقة في مواجهة دموية على حين غرة، هي عملية في قمة الوقاحة وعدم الاكتراث بالنتائج الكارثية التي كانت لتقع لولا التعقل الروسي الذي دعمه القدرة الدفاعية الهائلة للجيش العربي السوري والموقف الشعبي العالي الواثق بوطنه وشعبه وقيادته وحلفائه والذي لم يكترث لأجواء الحرب المرعبة التي خيمت على الأجواء في البلاد.

    وبعيدا عن التخمين والاستشعار المغلوط والمغالط  لواقع الأحداث التي لم تكن واضحة كما هو عليه الحال الآن، لابد وأن يكون الاتفاق الروسي التركي أحد أهم أسباب تقريب هذا العدوان أو حتى في أهدافه التي وقع عليها هذه المرة،  لقد استطاع الحليف الروسي على الرغم من الموقف الذي أحاطه الغباش لجهة الرد وطريقة التعامل مع التطور الحاصل أن يمرر العدوان ولو على مضض رغم الخسارة التي مني بها بإسقاط الطائرة الروسية التي كانت في الأجواء حين وقع الاعتداء.

    لقد عودنا الروسي على الحكمة والهدوء والروية وعدم التعامل مع ردات الفعل على نفس الطريقة التي تعودنا عليها من الدولة السورية والتي كانت تلقى الكثير من اللوم من عامة الشعب أو غيره من المهتمين الذين تأخذهم العاطفة أكثر من الحكمة المطلوبة، هذه الروية التي وصلت بفضلها سورية إلى هذه المرحلة من الانتصارات والحفاظ على كيان الدولة على الرغم من كل الغطرسة والقوة والإمكانات التي تمتع بها الطرف المعتدي وكل ملحقاته الإرهابية، نعم لقد أراد الإسرائيلي ومن معه أن يرد على التوافق الروسي التركي ولا نقول هنا اتفاق لأنه لا يمكن أن يعقد الروسي اتفاقا مع من يملك تاريخا حافلا من الغدر والخيانة والطعن بالظهر، ولو أنه تم استخدام مصطلح اتفاق في المؤتمر الذي عقد في ختام اللقاء أو في وسائل الإعلام .

    الرئيس بوتين منذ عدة أشهر كان قد توصل إلى عقد اتفاقية حول خطي الغاز 1 و2 مع تركيا إلى أوروبا، أحدهم وهو الأول كامل متكامل يمكن للتركي بأي لحظة أن يوقفه والثاني على مبدأ الترانزيت والمرور إلى أوروبا يعني عقد بالإيجار لخط الغاز، وهذا يعني أن الرئيس بوتين أخذ بعين الاعتبار احتياطا غدر أردوغان أو جذبه في وقت لاحق بعضمة الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، المشروع الثاني لم يوافق عليه التركي حتى قبل عدة أيام مع أنه وافق على الأول نظرا لقدرته على التحكم به ضد روسيا وضد أوروبا في آن واحد وابتزازهما وقت ما يشاء، والأمر الأهم من ذلك أن الرئيس بوتين في هذه الحالة لم يلف الحبل حول عنق أوروبا في موضوع الغاز ولم يأخذ أردوغان المنتقم من أوروبا تحت إبطه فقط بل نسف مشروع  خط الغاز الإسرائيلي المصري عبر تركيا إلى أوروبا نسفا لا قيامة له بعد الآن إلا في ظروف معينة لا توجد لها حوامل ولن تتشكل على المدى المتوسط والبعيد.

    والأكثر من ذلك أننا لاحظنا وخلال المؤتمر أن أردوغان تحدث بنشوة عن الإرهاب ومكافحة الإرهاب وقال لا يوجد إرهابيين فقط في إدلب بل في مناطق أخرى وعلينا أن نتعامل معهم ونتخلص منهم، وهنا يعني قوات "قسد" التي تشكل الذراع العسكري المتمدد والضاغط على الجميع للولايات المتحدة الأمريكية وهذا إسفين أيضا له مواجعه ومواضعه في خاصرة الأمريكي والأوروبي وأيضا بعض الكردي المتعامل معهم ، ولاحظنا أن الرئيس بوتين لم تظهر عليه علامات الحرج من هذا التصريح، إذا الروسي قرر أن يتعامل مع دولة موجودة جيوسياسيا وجغرافيا وجزء لا يتجزأ من المنطقة وأحداثها على العكس مع الأمريكي المتطفل والمحتل كما هو التركي ولكنه لن يستطيع أن يبقى مدة أطول لأسباب كثيرة جدا منها شبه انعدام الركائز التي تمت هزهزتها وتكسير بعضها كما هو الحال في استقطاب التركي وإعطائه بنفس الوقت كسر ما تبقى من حوامل تثبيت الأمريكي لنفسه في شرق سورية ونقصد هنا قوات "قسد" غير السورية والمرتهنة للمشروع العدواني الأمريكي الغربي من جهة ومن جهة ما تبقى من مخلفات إرهابهم في شمال وشمال شرقي سورية وشرقها وفي قاعدة التنف الذاهبة إلى المجهول قريبا إن لم تتعقل الولايات المنتحدة وتنفذ ما اتفق عليه بشكل سري مؤخراً مع الجانب الروسي لأجل خروجها الآمن من هناك وإرسال الإرهابيين الذين دربتهم الولايات المتحدة إلى المقبرة في إدلب وإطلاق سراح 80 ألف مدني محتجز هناك .

    إذا الروسي أعطى الضوء الأخضر للتركي بأن يتعامل مع هذا الجانب من الأكراد بالرغم من التقارب الذي كان بين "قسد" والروسي بين الفينة والأخرى وهذا يذكرنا بأيام الحروب الطاحنة في عهد الإمبراطوريات العثمانية والروسية والفارسية وكم كان المشروع القومي الكردي يحظى بإهتمام ودعم الإتحاد السوفييتي في تركيا والعراق وإيران وصولا إلى سورية وكان يقدم لهم الدعم المالي واللوجستي والسلاح والتدريب وإلخ، ولكن عندما كانت تصل المراحل إلى ذروتها كانت الدولة الروسية تجنح لمصالحها القومية وتذهب للتعامل مع دول وليس مع كيانات عرقية أو قومية لا أمل من التحالف معها في مثل هذه الظروف التي تقوم بعدها دول وتزول أو تنكفىء دول أخرى.

    ماجرى ويجري سواء من لقاءات أو قمم أو مناوشات يتخللها الصمت والإكتفاء بالتصريحات هي مدروسة بإتقان يعتمد على تجارب تاريخية انتهت بالتغلب عليها لصالح المصالح القومية الروسية وحلفائها، نعم سمح الروسي للتركي بأن يحقق ما كان يحاول تحقيقه منذ بداية الحرب على سورية لكن لايعني هذا أن هذا سيكون أمرا مستداما وإنما سلما منبسطا تتدرج عليه عملية الإنتقال إلى وضعية الضغط إن لم نقل الهجوم في لحظة قادمة، ومن الواضح من خلال التصريحات السورية والروسية أنه متفق عليه على أعلى وأدق المستويات بين الحلفاء، ولو أنه كما قلنا لايخدم الرغبة السورية، ولكنه يخدم مصلحة الدولة السورية في القضاء على الإرهاب بشكل تدريجي بأقل الكلف والخسائر وخاصة في الأرواح ولو أن الفترة الزمنية قد تكون أطول بقليل، إذا هناك فكر إستراتيجي دقيق جدا يحيط بكل مجريات تطورات الأحداث والتي يراها البعض من جوانب مختلفة توحي بنوع من الضعف والوهن أو الجبن وخلاف ذلك، زد على ذلك أن أردوغان في مأزق فهو عندما سيقوم بتطبيق ماتم التوافق عليه يعلم تماماً أنه غير مسيطر على كل المجموعات الإرهابية المسلحة وهناك تجربة منذ فترة قصيرة أكدت أنه عندما وصلت هذه المجموعات إلى مرحلة المواجهة مع جبهة النصرة وغيرها من المجاميع الإرهابية المتصلة والمنفصلة دون أن نأتي على تفاصيل تسمياتها إما هرعت بعيدا عنها وهربت وإما إنضم إليها جزء لابأس به، وهنا تكمن الحكمة في أن تأكل هذه المجاميع الإرهابية بعضها البعض كالوحوش بغض النظر عن الجهات التي تتبع لها والتي هي بالأصل غير متفقة فيما بينها، وحسب التسريبات قبل هذه القمة بإسبوعين أو ثلاثة قد تم إخراج العدد الأكبر من المقاتلين الأجانب ومن معهم من مدربين وخبراء وضباط إستخبارات عن طريق تركيا إلى جهات مجهولة حتى اللحظة، ومن تبقى من هؤلاء الأجانب ممن خرجوا عن السيطرة وفضلوا البقاء في إدلب سوف يلقون حتفهم مع من تبقى من السوريين الذين أيضا رفضوا الخروج مع الإرهابيين الأجانب، مايعني أن المطحنة قيد التحضير وما الإطالة في التعامل المباشر مع هذه التحولات سوى تحين الفرصة بعد أن  تتخذ كل الإجراءات لمنع تأثير كل مفرزات الطحن على المدنيين المحتجزين في هذه البلدة ولو إحتاج الأمر إلى عدة أشهر أخرى، ومايثبت ذلك يكمن في ما تم توكيله لإردوغان من عملية التخلص من جبهة النصرة  وملحقاتها من المجموعات والتنظيمات الإرهابية وجمع كل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة خلال فترة أقصاها ثلاثة أشهر مع الأخذ بعين الإعتبار فتح طرق المواصلات الإستراتيجية بما فيها طريق حلب إدلب وهذا له هدف جيوإستراتيجي سياسي إقتصادي للعبور الآمن ليس فقط لمن يريد الهرب أو يريد العودة وإنما كوريدور نحو الحل السياسي مع بدء عملية التخلص من ماتبقى من إرهابيين في إدلب.

    الروسي لم ولن يقاتل الإسرائيلي قولا واحدا ولكنه وبكل تأكيد لن يدافع عنه، وهذا أمر مهم جدا لجهة الدعم المقدم والذي سيقدم أو يمكن أن يقدم للحليف السوري صاحب الأرض والقضية، ولن يهاجم الروسي الأمريكي ولن تقع هناك حرب مواجهة طاحنة لأنه ورغم أنه تبدو كفة العدوان راجحة لصالح دولة إلا أن رجاحة العقل والقدرة التي يمتلكها السوري وحلفائه وخاصة الروسي الذي كان هذه المرة في مرمى الأهداف بشكل مباشر وبتحدي واضح كاد أن يجعل سورية وحلفائها في وضع فيه خياران لاثالث لهما إما إلتزام الهدوء وتفويت الفرصة على العدو، وإما الهجوم على مبدأ علي وعلى أعدائي يعني الشروع في العمل الإنتحاري بشكل دقيق دون أن يحمل المعنى السىء  للمصطلح كما تعودنا، هذه القدرة على التحكم بالنفس والتعاطي مع الإنقلابات الخطرة التي حدثت جعل قوى العدوان أكثر تخبطا وأكثر حيرة وأكثر جنونا قد نرى منه فصول أخرى لن تعود عليهم إلا بالخسارة تلو الخسارة.

    بالمحصلة وبناء على ذلك نرى أن القمة الثلاثية التي جمعت الرؤساء الثلاثة الروسي والإيراني والتركي في طهران يوم 07 من أيلول الحالي في طهران كان نقطة البداية لأجل إحتواء إردوغان والخطوة الأولى المحكمة لتجريده من كل إمكاناته التي يمكن أن يحدث من خلالها أي خرق مستقبلي في مسار الحل السياسي للقضية السورية وإيقاف الحرب عليها، وأكثر من ذلك كانت عملية تحضيرية للقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين صاحب الموقف القوى والرؤية الثابتة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان المتخلخل إقليميا ودوليا وحتى داخليا "سوتشي 17.09.2018" ، ليتم من خلالها دق الإسفين ماقبل الأخير في علاقته مع الولايات المتحدة ومع حلفائها وحتى قدرته في التحكم والسيطرة على ماتبقى من الأذرع الإرهابية على الأرض السورية وتحديدا في إدلب مركز إنطلاق عملية إنقلاب التوازنات الإقليمية والدولية لصالح الدولة السورية وحلفائها على المدى البعيد.

     إنطلاقا من كل ماتقدم شهدنا طوال فترة الحرب على سورية كيف كانت روسيا تتحمل الضربات الموجعة بدء من الإعتداء على ضباطها وعساكرها في عدة نقاط على الأرض السورية، وإسقاط التركي للطائرة الروسية عام 2015 مرورا بإغتيال السفير الروسي في تركيا وصولا إلى الجنون في التمادي بالتحرش بروسيا مع إسقاط طائرة إيل التي إستشهد فيها 14 عسكريا روسيا فهل يعقل أن دولة قوية مثل روسيا تسكت وتتجمل كل هذه الإعتداءات المباشرة والواضحة وتسكت عن كل هذه الإستفزازات إن لم يكن لديها خطة رد وردع مستقبلي لن تكون عملية تقوية سورية ودعمها جزءا منها فقط بل ستكون الدولة السورية السيف الذي تم شحذه بيد الرفيق الروسي لتقوى في المرحلة القادمة على قطع كل يد تمتد على أرضه وسيادته بمايتوفر لديها من جيش عقائدي جبار تتمنى أي دولة في العالم أن تكون شريكة معه في مواجهة الإرهاب والتحديات التي تواجه العالم مدعوم بشعب إنتزع الحياة من الموت ويستقبل صواريخ الأعداء من على الأسطح وشرفات البلاكين وبقيادة تعجز الشياطين عن العبث معها طويلا لما تملك من حكمة وقوة الإيمان بالله والوطن والشعب والجيش ومعهم حلفاء لم يذكر التاريخ يوما أن خانوا العلاقة ولو أنهم مرروا هنا إعتداء وهناك ضربة لأنهم يؤمنون بحتمية النصر في الجولة الأخيرة وأنه للوصول إلى الجولة الأخيرة لابد من تحمل الكثير من الضربات رغم كلفتها الباهظة وأوجاعها غير المستدامة، سورية مهبط الأمان لكل هؤلاء البهلوانات المغامرين وهي المخرج الآمن لكل من أراد التوبة على أبواب الجولة الأخيرة من معركة العصر الحديث في الحرب الوطنية العظمى ضد الإرهاب العالمي وما يفعله الطرف المعتدي والراعي للإرهاب العالمي الآن رغم هوله لايعدو سوى ضبط الأنفاس الأخيرة في الوقت الضائع، وقادمات الأيام ستثبت أننا لانتحدث بلغة العاطفة وإنما بلغة العارف بحتمية الإنتصار إستنادا على معطيات الواقع رغم ضبابية المشهد بشكله العام وبرؤية منطقية ترتكز على تقاطعات الأحداث، قلنا بلغة العارف لا بلغة العالم بما قد يقدره الله ويشاء أو يفعل.

    الكلمات الدلالية:
    الازمة السورية, فلاديمير بوتين, دونالد ترامب, تركيا, إسرائيل, سوريا, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik