18:15 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2018
مباشر
    الجيش المصري يرفع راية النصر

    الإعلامي الذي خدع إسرائيل

    © AP Photo / Ahmed Tayeb
    تعليقات
    انسخ الرابط
    أحمد عبد الوهاب
    180

    الانتصارات العظيمة لا تنسى رغم مرور السنوات، تتوارثها الأجيال وتظل علامة فارقة في تاريخ الشعوب، وكلما مر عليها عام زاد رونقها وعلت قيمتها وأفصحت عن كنوزها، رغم مرور 45 عاما على حرب أكتوبر، إلا أنها ما زالت حاضرة في كل بيت وشارع ومدينة وما زالت أغنية "الله أكبر بسم الله" التي تعد أول أغنية تم إذاعتها عقب تحطيم خط بارليف تتردد في كل شوارع المحروسة.

    الحديث عن كل الجوانب في حرب أكتوبر يحتاج لسنوات وفرق عمل لحصر كل ما حدث وفي هذا التوقيت وبتلك الدقة التي أذهلت أعتى أجهزة الاستخبارات في العالم بعملية غير معهودة في أجهزة إعلام الدول التي غالبا ما ينحصر عملها بين "التضخيم في الذات أو التهوين من العدو" وفي كلتا الحالتين تكون القيادة والشعب تحت تأثير الهالة الإعلامية التي يمكنها تحويل النصر إلى هزيمة والعكس، وهو الواقع الذي مرت به مصر وبشكل بعيد جدا عن الواقع قبل وبعد 5 يونيو 1967.

    قبل 1967 لم يكن ليسمح للإعلام أن يتحدث إلا بنغمة التبجيل والتمجيد والمدح للحاكم ولم يكن هناك أي مجال للمصارحة وكشف الأوراق والتحذير من كوارث قد تكون قادة، حتى كشفت الأيام والوقائع كل شىء وعلى مرأى ومسمع من العالم كله، فكانت صدمة قاسية للقادة قبل الشعب، استيقظت مصر كلها بل والعالم العربي من غفوتها ومن الأحلام التي كانت تطير بها في السماء، بدأت الأقدام تلامس الأرض ولكن بكل أسف كانت الأرض مليئة بالأشواك والقنابل وحطام قواتنا، تغير كل شىء بعد هذا التاريخ المؤلم "5 يونيو/ حزيران 1967".

    خاضت مصر حرب استنزاف طويلة الأمد واستطاعت خلالها تنفيذ الكثير من العمليات القتالية الناجحة ضد العمق في قلب اسرائيل أو في سيناء، خلال تلك الفترة كانت مصر تقوم ببناء حائط الصواريخ وتنحى جانبا إعلام النكسة، وبدأ نوع جديد من الإعلام مبني على العلم والنظريات وكيفية استخدام هذا السلاح الخطير لتحقيق مكاسب على الأرض، بدأت مصر وبالتعاون مع سوريا في التنسيق باستخدام المتاح من الأسلحة الروسية والتشيكية وغيرها من الأسلحة بعدما قرر السادات تنويع مصادر السلاح، كان أبرز ما في تلك المرحلة وضع وزارة الثقافة والإعلام حملة "اعرف عدوك" في مقدمة الحملات حتى لا يتم تغطية الجندي الإسرائيلي بهالة لا يستحقها وليصبح الجندي والقائد يعرف عدوه جيدا قبل أن يلقاه.

    لا يمكن أن تمر تلك الذكرى الغالية دون ذكر أبو الإعلام المصري والرجل الذي أعد الجبهة الداخلية للحرب وقاد عملية التعتيم الإعلامي على كل ما يدور، بل خدع العدو بسيناريوهات مقصوده حتى رسخ داخل العدو أن عمليات التحركات العسكرية المصرية ما هي إلا أوراق للاستهلاك المحلي وتهدئة الشارع إنه الدكتور محمد عبد القادر حاتم، والذي كلفه السادات بقيادة الجبهة الداخلية لكي يتفرغ لخطط الحرب، حيث كانت رئاسة الحكومة وقتها ضمن مناصب رئيس الجمهورية، قام الدكتور حاتم بمهمة الخداع الإعلامي وإعداد الدولة للحرب إلى أن جاءت ساعة الصفر، لم تصدق إسرائيل وقتها أن المصريين جادون في الحرب هذه المرة نظرا لتكرار البلاغات السابقة وتكاليف رفع حالة القوات، تم اختيار التوقيت بعناية شديدة، وقال هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية عام 1973 فى مذكراته، عندما جاء إلى مصر لأول مرة في الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر وفي أول لقاء له مع الرئيس السادات "سيدي الرئيس قبل أي حديث بيننا أرغب من سيادتكم أن تقول لي كيف أمكن لمصر أن تخدعنا وتخدع مخابراتنا بل وتخدع العالم بهذا التعتيم الإعلامي… لقد كانت المفاجأة معجزة ولم تحدث لي من قبل في حياتي"، وقال إيلي زعيرا، رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي في كتابه "حرب يوم الغفران… أسطورة في مواجهة الواقع": "لقد تبين لنا أن كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب الرئيس المصري أنور السادات أو شخص بجواره، وأن هذا ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب يوم الغفران".

    خلال لقاءات جمعتني بالدكتور حاتم — رحمه الله — قبل رحيله قال لي "عندما أبلغنى المشير أحمد إسماعيل بأن قواتنا المصرية كبدت العدو خسائر فادحة فى معركة الدبابات وأن العدو خسر فى هذه المعركة 70 دبابة وسمعت إذاعة إسرائيل تذيع خبرا عن هذه المعركة بالذات توضح فيه أنها خسرت 50 دبابة، أصدرت تعليماتي فى الحال إلى رئيس الإذاعة ليذيع بيانا بأن قواتنا المسلحة دمرت 30 دبابة فى معركة الدبابات وتمت إذاعته وبعدها مباشرة اتصل المشير أحمد إسماعيل ليقول لي أنه استمع من إذاعتنا لخبر معركة الدبابات وأخبرته بأن ما يقوله صحيح بالفعل ولكن هدفنا من إذاعة الثلاثين دبابة فقط رغم إعلان إسرائيل بأنها خسرت 50 دبابة في هذه المعركة هو سعينا لاسترداد ثقة العالم فى الإعلام المصرى… فبرغم ما أذاعته كل أجهزة الإعلام العالمية في هذه المعركة فإن الإعلام المصرى اكتسب مصداقية العالم كله وبذلك استطعنا استرداد ثقة العالم وأن إسرائيل هى التى تذيع الأكاذيب، وكان العالم قد اكتشف كذبها عندما أذاعت من قبل فى بداية المعركة بأنها هشمت عظام المصريين فى الوقت الذى كانت كل وسائل الإعلام العالمية تشاهد تحطيم خط بارليف ورفع العلم المصرى على بقاع عديدة من أرض سيناء"، ونجح حاتم في إجبار ديان وزير الدفاع الإسرائيلي أن يقول أمام ضباط الجيش الإسرائيلي بعد ثلاثة أسابيع من بداية سريان وقف إطلاق النار في حرب يوم الغفران وكأنه أراد الاعتذار عن التأخير في تعبئة قوات الاحتياط "لم يكن أحد يتوقع حتى صبح يوم الغفران أن تنشب الحرب في ذلك اليوم ولا تبدأ تعبئة الاحتياط قبل ذلك… فحتى صباح يوم الغفران لم أفكر أنا شخصيًا في أن الحرب ستقع ولم أسمع من أي شخص أن الحرب ستندلع حقا… ولم أكن الوحيد الذي أعتقد ذلك"، وأكد وزير الدفاع ديان هذا الكلام مرة ثانية أمام الحكومة الإسرائيلية قائلا: لم أسمع من أي شخص أنه يعتقد أن الحرب ستندلع في هذا اليوم.  

    لم يكن الإعلام عقيما بل كان لدى المسؤول مساحة للتحرك ووضع استراتيجيات جديدة تتناسب مع الواقع فتم تطوير المنظومة بالكامل ووضع عناصر جديدة لم تكن معهودة في السابق ومن بين عناصر الخطة الإستراتيجية والتي تستهدف التضليل والخداع والتموية، كانت الإذاعة العبرية وكان الهدف من إنشائها أن تصل إلينا أخبار إسرائيل وأن نقدم لها أخبارنا بما تتضمنه من تعتيم وتضليل إعلامي وما نخفية عن إسرائيل من استعدادنا لقيام الحرب أو أننا سندخل المعركة بل نريد أن نوهم إسرائيل بان قواتنا المسلحة فى حالة استرخاء تام واحباط ويأس بعد نكسة 67، وتصور البعض أن مجرد التفكير فى شفائنا من هذه الوعكة يحتاج إلى مدة طويلة وقد نجحت الإذاعة العبرية التى لم يعرف أحد مكانها ولا من أين تبث إرسالها فى تحقيق رسالتنا الإعلامية، وقد استهدفت شريحة كبيرة من الشباب الإسرائيلى وكانت تركز على أمر مهم وهو أن مصر تكره الحرب وتعتبرها إثما كبيرا وقد حرمتها كل الأديان السماوية يهودية ومسيحية وإسلام… وكانت إسرائيل قد أعلنت عن قيامها بمناورة عسكرية فى سيناء المحتلة وكان من المفترض أن يصدر بيان عن مصر أو أخبار عن رد فعلنا عن هذه المناورة… وكان ردنا كما أذكر سلبيا للغاية فقد تجاهلنا هذه المناورة تماما ولم يصدر منا أي تعليق بشأنها فى جميع وسائلنا الإعلامية رغم استمرارها لمدة أسبوعين وعلى مرآى من قواتنا غرب القناة… وكان لهذا التجاهل والتضليل أثره الكبير فى خداع إسرائيل وتاكدها بأننا شعب لا يريد الحرب وإننا عاجزون تماما عن القيام بأى عمل عسكرى فى هذه الفترة وهو ما أكدته الإذاعة العبرية من خلال أقوال السياسيين والعسكريين ليس فى مصر وحدها بل فى كثير من دول العالم ومن بعض أصدقاء إسرائيل نفسها، كما أوضحت الإذاعة العبرية من خلال خطتنا الإعلامية فى التضليل والتعتيم أن العرب عموما لا يعرفون العمل الجماعى ولكنهم يقدرون العمل الفردى الذى يحقق لهم مصالحهم الخاصة.

    قالوا عن الإعلام المصري فى معركة الكرامة

    — الرئيس الأمريكي نيكسوت في مذكراته: "إنها لخيبة أمل كبيرة لكل من المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية التي كنا نظن أنها ممتازة، بل إن ما حدث يعد فشلا، فلم نعرف أن الحرب ستندلع إلا قبل ساعات قليلة من اندلاعها".

    — الجنرال ياكوف هداي الذي كان عضوا في لجنة التحقيق العسكرية حول ما حدث في حرب أكتوبر قال "إن مصر وضعت نهاية الثقة الإسرائيلية بأنفسهم كما أنها أنهت تفاؤلهم".

    — الجنرال "إبراهام كامير" أحد قادة القوات الإسرائيلية بعد انتهاء الحرب "لا يوجد أي فرد في القوات الإسرائيلية على أي مستوى تنبأ بأن مصر ستدخل الحرب حتى جميع تقارير الـ CIA المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي لم يكن لديها أي اتجاه بأن الحرب ستحدث ولكن حدثت المفاجأة التي هزت إسرائيل هزا، وذلك لأن الإعلام المصري قام بسلسلة من الخداعات "الخطط الخداعية والتعتيم الإعلامي" على استعداد مصر للمعركة طوال عام كامل.

    — صحيفة الأوبزرفر في 7 /10 /1973: كتبت الصحيفة البريطانية في هذا التاريخ تعليقًا حول الوضع أيام 1967 والوضع الحالي في الشرق الأوسط قائلة "الاختلاف الكبير بين مصر في حربها اليوم ومصر منذ ستة أعوام هو أنه في عام 1967 انتشرت حمى الحرب بين أفراد الشعب المصري قبل أن تبدأ الاشتباكات بحوالي ثلاث أسابيع فقط وأعطى جهاز الدولة للدعاية صورًا لانتصارعربي ساحق واستمر ذلك حتى أيام الحرب القليلة وتحت تأثير الحملة الدعائية المحمومة كان أفراد الشعب خاضعين لحرب نفسية حقيقية وغير قادرين على تقدير الموقف-  ومن كلمات تلك الصحيفة يتضح بجلاء الأسلوب العلمي الذي اتبعه الإعلام المصري في المعركة والذي أعلن عنه أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة وهو يرتكز على دعائم رئيسية كشفت عنها الصحيفة منها: "عدم التهوين بين قوتنا أو قوة العدو ورفع شعار إعرف عدوك، وتقديم صورة حقيقية وصادقة للمواطن عن الموقف وهو ما جعل الشعب يعرف أين يقف بالضبط دون تهوين أو تهويل.

    — صحيفة بروتكايل طوكيو: في يوم 10 /10 /1973:كتب مراسل الصحيفة بالقاهرة "يقول بمقارنة البيانات التي تصدر الآن بتلك التي كانت تصدر أثناء حرب الأيام الستة يونيو 1967 نجد أن البيانات التي تصدر هذه المرة حول المعركة الحالية موثوق بها ويعتمد عليها وهذه الحقيقة لم يعترف بها المصريون فحسب وإنما الدبلوماسيون والمراقبون الآخرون في القاهرة وأن مضمون تلك البيانات تؤكد دائمًا ما يعرضه التلفزيون".

    — وكالة الأنباء الفرنسية، قالت في برقية لها يوم 10/10 /1973 "ومما يذكر أن لهجة البيانات العسكرية مازالت مقنعة على عكس ما حدث عام 1967 فإن البيانات تشير دائما إلى أن هناك ثمة نجاح ولكنها لا تشير إلى النصر الكامل أو تدميرًا للعدو وهكذا فإن درس 1967 قد أثمر وكل شيء بدا على أن الحكومة المصرية تحسب حساب الأيام القادمة.

    — وكالة رويترز: قال مراسل الوكالة بالقاهرة إن تنظيم حضور المراسلين الأجانب لعملية استسلام الموقع الإسرائيلي كان أكثر من رائع.

    — الإكسبريس الفرنسية: نقلت الصحيفة في عددها الصادر يوم 18 /10 /1973 تصريح الجنرال ماني فيليب أحد القادة الإسرائيليين في جريدة معاريف الإسرائيلية قوله "لطالما هددنا القادة بالأوهام بيد أنه في الوقت الذي تفرغنا فيه لتعلم الكذب تعلم العرب كيف يقاتلون".

    وفي النهاية علينا أن نعترف أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد حرب حالفنا فيها النصر ولكنها كانت عزيمة وإرادة ودروس للأجيال بأن العرق والجهد والإصرار سيتحصل له النجاح وإن تأخر لبعض الوقت… هل لنا أن نعيش أكتوبر من جديد ونتعلم كيف تحول الهزيمة والانتكاسة إلى نصر… كل عام وأنتم بخير.

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    انظر أيضا:

    مصر ترد على الوثائق الإسرائيلية بشأن حرب أكتوبر 1973
    وثائق إسرائيلية تكشف عن مقترح كاد أن يفسد حرب أكتوبر 1973
    نتنياهو يعترف بتكبد بلاده خسائر فادحة في حرب أكتوبر
    حرب أكتوبر والتشفير النوبي
    بالصور... أسلحة روسيا الفتاكة وانتصار مصر الكبير في حرب أكتوبر
    وفاة المهندس المصري مبتكر فكرة تحطيم الساتر الرملي بخط بارليف في حرب أكتوبر
    الكلمات الدلالية:
    نصر, حرب 1967, أخبار, حرب, إسرائيل, مصر
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik