01:13 22 سبتمبر/ أيلول 2017
مباشر
    دمشق

    الأحياء الفقيرة .. درع العاصمة السورية

    © RIA Novosti. Khaled Al Khateb
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 169610

    الزائر للعاصمة السورية دمشق، وعلى وجه الخصوص للأحياء الفقيرة الملاصقة لتلك التي يسكنها أناس من الطبقة الميسورة، يشعر بالذهول حين يدرك أن سكان المناطق الفقيرة هم المحسوبون على "الموالاة" في الدولة السورية، التي تخوض حرباً قاسية ضد أعدائها منذ قرابة الخمس سنوات.

    أن تكون في حي "الورود" أو "المزه "86 أو "عش الورور" أو "جبل الرز" وبعض أحياء التضامن أو "جرمانا"، لا تشعر بأي فرق فكل الأحياء تتشابه بل تكاد تتحد، شوارعها ضيقة ومكتظة بالبشر، والبيوت متواضعة تتدلى منها أسلاك كهربائية متشابكة، ما يعطى الإنطباع بأن سكان هذه المناطق هم من الطبقة الفقيرة.

    لاشيء هنا يشير إلى "ترف" المدينة وازدهارها ورفاهيتها، وحدها صور الشهداء التي ازدحمت بهم الشوارع وأعمدة الإنارة، تكاد تكون "الزينة" الوحيدة في تلك الأحياء البائسة.

    فمعظم سكان تلك الأحياء ينحدرون من منطقة الساحل السوري، باستثناء جرمانا التي ينحدر معظم سكانها من منطقة "جبل العرب".

    ويشكل القاطنون في تلك الأحياء نسبة كبيرة من سكان العاصمة، ولعبوا دوراً "مسانداً" للقوى المعادية للحكومة السورية، في بداية الأحداث، عبر المسيرات المؤيدة أولاً، ثم العمل العسكري في مرحلة لاحقة.

    راهن الكثيرون على عودة أهالي تلك المناطق إلى قراهم وبُثت الكثير من الإشاعات عن نزوح كثيف لهم من العاصمة خاصة بعد سيطرة المعارضة على إدلب وهو ما تنفيه بشدة مشاهد الاكتظاظ المهولة في شوارع تلك الضواحي وأحيائها.

    يقول "أبو منتجب"، وهو مسؤول عن جمعية خيرية في حي "الورود"، "إن أكثر من ثمانين بالمائة من سكان الحي هم تحت خط الفقر، وإن الحي الذي يشكل أحد أهم الخزانات البشرية التي ترفد الجيش السوري بالعناصر في العاصمة، يفتقد لأبسط أنواع الخدمات والبنية التحتية".

    وبرغم الفقر المدقع الذي يعاني منه الحي، فإن "أبو منتجب" يتباهى بأن نسبة التعليم الموجودة فيه هي من أعلى النسب في العاصمة دمشق، شأنه في ذلك شأن معظم الأحياء الشبيهة له من الضواحي الموالية، فالناس هنا برأيه بين "متسلح بالحديد والنار ومتسلح بالعلم" للدفاع عن الوطن، أما الفقر والجهل فهما توأمان يلتقيان في كل مكان إلا في تلك الأحياء.

    ويبرر "أبو منتجب" تضاعف عدد سكان الحي خلال الأزمة من 125 ألفاً قبل الأحداث إلى 250 ألف، للجوء أعداد كبيرة من الناس الذين كانوا يقطنون في المناطق الساخنة إلى الحي الآمن.

    ويؤكد الرجل أن قسماً كبيراً من اللاجئين هم من سكان المناطق التي تشكل حاضنة للمسلحين كأرياف حلب وإدلب، ورغم ذلك فإن أحداً منهم لم يتعرض لأي أذى، فالبطاقة الشخصية السورية لا زالت جواز عبور مقبول في الأحياء الموالية، وإن كانت حواجز الجيش واللجان تدقق في هوية أبناء المناطق الساخنة أكثر من غيرهم، وذلك لضرورات أمنية.

    وتروي خديجة، وهي صاحبة محل إكسسوارات في حي المزة 86، ومن مواليد ريف إدلب، أنها تقيم هنا منذ أكثر من عشر سنوات، أي قبل وقوع الأزمة، والناس هنا  طيبون ومسالمون ولم يحاول أحد إيذائي ، وعندما حصل تفجير المزة الإرهابي الذي أوقع عشرات الضحايا من المدنيين، مضيفة بأنه "حاول بعض الغاضبين تحطيم المحل، لكن عدد الذين منعوهم من القيام بذلك كانوا أكثر بكثير..أنا هنا اشعر باطمئنان واشعر أنني بين أهلي وناسي".

    ويسخر المتطوع في الجيش السوري "كنان الرقيب" بمرارة من الادعاء أن سكان حيه وأمثاله من الأحياء يحظون بالمكاسب والحظوة عند الحكومة السورية، مشيراً إلى شقته الصغيرة في المزه 86 ولا تتجاوز مساحتها الخمسين متراً، تضم عائلته المكونة من زوجته وأولاده الثلاثة.

    وأضاف، "نحن نأكل الجوز الفارغ.. بيوتنا البائسة سواء في هذه العشوائيات أوفي قرانا الساحلية خير دليل على ذلك".

    وفي تبرير دفاعه المستميت عن الدولة السورية يقول، "رغم الفقر المدقع يؤكد أنه لا يمكن لشخص يوالي السعودية أو تنظيم القاعدة أن يكون قد حمل السلاح ضد الدولة السورية كردة فعل أو نتيجة فساد في الدولة أو لعدم وجود ديمقراطية".

    وأكد أن الدولة تواجه وحشا تكفيرياً لا يقبل إلا أن يذيقك الموت، متسائلاً، هل قُتل التكفيريون الأزيديين أو دروز إدلب كردة فعل على انتهاكات وقعت بحقهم ؟ مستطرداً بأن مأساة سنجار أو "قلب لوزة"، هي النتيجة الحتمية لكل مراهن على مهادنة التكفيريين أو التذاكي عليهم.  

    "سوق الثورة"

    بعد مرور نحو عام على الأحداث بدأت تظهر في تلك الأحياء ظاهرة سميت "سوق الثورة"، ظاهرة مثيرة للجدل اختلف حولها الناس بين معارض بشدة ومؤيد بمواربة، يُعرض في تلك الأسواق أثاث وبضائع تم استحضارها من المناطق المتمردة التي حملت السلاح ضد الجيش.

     ويرفض "محمد"، الموظف في البلدية ومن سكان عش الورور التعامل مع تلك السوق رفضا قاطعاً، موضحاً، أنه رغم شح الحال وخاصة بعد استمرار الأزمة في سورية، ورغم أن هذه البضائع هي من المناطق التي حملت السلاح ضد الوطن وكان سكانها إما مسلحين أو داعمين لهم، إلا أنه يرفض رفضاً قاطعاً التسوق من تلك البضائع لأنها ببساطة بضائع مسروقة، وبين "أنه لا يطعم أولاده الخمسة مالاً حراماً".

    في حين يختلف البعض مع محمد، ويجدون الأعذار في التعامل معها، ويشير أحدهم إلى أن تلك الأحياء التي حملت السلاح ضد الدولة كانت أحياء غنية وميسورة الحال أكثر من حيه بكثير، وأنها حملت السلاح استجابة لدعوة "جاهلية أتت من عمق الصحراء"، وبالتالي هم المسؤولون عن انهيار الوضع الاقتصادي للبلد، فضلاً عن دماء الناس المسفوكة، وبالتالي فإن هذه البضائع التي تباع بسعر أخفض من الأسواق العادية لا تعدو كونها تعويضاً بسيطاً وعقاباً صغيراً على ما ارتكبه سكان تلك الأحياء بحق أنفسهم وبحق وطنهم.

    ويزعم صاحب هذه الرأي أن قسماً ممن يدعي أنه لا يتعامل مع تلك الأسواق، واضطره الوضع الاقتصادي المزري للتعامل معها في الخفاء.

    وأيا كانت المواقف والآراء، فلقد غدت سوق الثورة أحد "أمراض الحرب"، التي لا يمكن تجاهلها.

    أمتار تفصل الفقر عن الغنى، والموالاة عن المعارضة

    على بعد أمتار فقط من حي "الورود" الفقير تقع بلدة "قدسيا"، حيث البناء الحجري الجميل والشوارع العريض المتسعة، وهي بلدة "خارجة" عن سلطة الدولة، تفصلها عن الحي بعض المتاريس والطرقات المقطوعة.

    ويعلق على ذلك مسؤول بلدي قائلاً، غالباً ما ينهض الفقراء وأبناء الدخل المحدود بالثورات ضد الطبقات الغنية والمستفيدة في المجتمع… ويحق للحكومة السورية أن تتباهى أن جزءً لا بأس به من الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى، كانوا السند الرئيسي لها في معركتها ضد الثورة المزعومة.

     

     

    انظر أيضا:

    من تونس إلى… دمشق: حقائق خفية عن الربيع العربي (الجزء الرابع)
    الكلمات الدلالية:
    دمشق, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik