04:13 25 سبتمبر/ أيلول 2018
مباشر
    اللاجئون السوريون

    رياح الغربة تودي بمثقفي سوريا إلى غسل صحون الغرب

    toriferenc
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    110

    عرفوه منذ نعومة أظفارهم بالبحر الأبيض، إلا أن الأبيض تحول سواداً يبتلع كل من يحاول ركوبه محاولاً البحث عن الوطن البديل، البحر الأبيض المتوسط الشاهد الأخير على أحلام اللاجئين السوريين الذين طالما تأملوا زرقة السماء ونجومها المعكوسة على سطحه.

    دفعت عمليات التهجير الممنهجة التي يمارسها التكفيريون ضد الشعب السوري إلى الذهاب  للعيش في قاع المدن والبلدات والقرى الأوروبية.

    هاجر الكثير من المواطنين مصطحبين أطفالهم الذين لم يشاهدوا من طفولتهم سوى الدمار والقتل على أمل العيش الكريم واحترام الجزئية الخاصة بإنسانيتهم التي افتقدوها في مسقط رأسهم، لكن الرياح التي ساقت مراكبهم لم تجر بما اشتهوا، فبدأ الشعب السوري يكتشف كذب ونفاق الدول التي تدعي وتروج لاحتضان اللاجئين، واستيقظ الجميع من هذا الحلم ليجدوا أنفسهم في كابوسٍ لما ينتهي بعد.

    فالبلاد التي تقدر العلم والعلماء لم تلقِ لهم بالاً ولم تلتفت حتى لما تعلموه، وكأن معارفهم لا تتعلق إلا بإنسان العالم الثالث، فمن كان يحلم بأن يقدم أجلّ الخدمات للبشرية انتهى به المطاف على مغسلة الصحون؛ أو في أحسن الأحوال بائعاً في متجرٍ صغير، ليقعوا بين نارين لا ثالث لهما، إما رفاهية الغرب الممزوجة بإذلالهم أو الموت القادم في بلادهم من كل الاتجاهات.

    فما هو الحل بالنسبة للذي باع بيته بكل متاعه وما فيه من الذكريات، ولم يترك له وسيلةً تعود به إلى ماضيه العتيد، كيف لا وقد قضم تجار الحروب والبشر كل ما اكتنزه على امتداد تلك السنين، فالليرة التي نضح لأجلها جهداً وعرقاً حولها دون شعور إلى اليورو تلك العملة الغريبة عنه، فاشترى ضياعه بما ملكت يداه وبات يحلم بالعودة إلى بلدٍ طالما خطط للهروب منه.

                                                                               إلى الماء يسعى من يغص بلقمةٍ فإلى أين يسعى من يغص بالماء؟

    هو ذا حال طبيب الأسنان إبراهيم سعد الذي كان يعالج معاناة المرضى في عيادته، فمن يتطوع اليوم لإنهاء معاناته في النمسا، ففي سابق الزمان كان يغبطه محيطه لمكانته الاجتماعية وبحبوحته الاقتصادية، أما اليوم فهو يضرب أخماس الإعانة بأسداسها لتصل إلى نصف ثمن أجرة المنزل، لكن الواقع الذي قذفه إلى ضواحي تلك البلاد كلفته إعادة تقويم حياته العليلة على مبدأ تقويم أسنان المرضى، بل جعلته في ترقبٍ كبير لما تؤول إليه حال بلده على أمل العودة، حتى أصبح كمن قيل فيه "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
    بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة.

    شيار أحمد المجاز في  اللغة الإنجليزية وبعد أن مضى على وصوله إلى ألمانيا قرابة العامين، تلاشى حلم العيش الكريم لديه أمام تراكم الديون والهموم؛ التي باتت تقبع على صدره وتجعله مستعداً لمزاولة أي عمل كان يأنف منه في بلاده أملاً في سد الديون وتعويض الخيبات ولملمة جراح المستقبل، أما اللغة الانجليزية التي تعلمها بحبٍ كبير في سنوات دراسته الجامعية فلم يعد لديه مانع أن يستبدلها بالألمانية لتدر عليه في نهاية اليوم ما يسد به رمقه، وهو أيضاً كمن سبقه انقلب حلم الاغتراب لديه إلى كابوس وتحول كابوس الوطن إلى حلم بالعودة إليه.
    فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
    عندما كانت في وطنها كان الناس يتهافتون إليها لتعيد الحق إلى أصحابه، ليس بقوة العضلات أو الرهط بل بقوة القلم، كيف لا وهي ربيبة صاحبة الجلالة ذات الصولات والجولات، أما اليوم فتحاول مها السيد البدء من الصفر أو من تحته إذا جاز التعبير في عاصمة الأنوار، حيث تركت الإعلام خلفها في الوطن الأم كون الوطن الجديد لا يعترف بالشهادات والدرجات العلمية للاجئين، وهي اليوم تحاول أن يوصل الإعلام صوتها علها تجد من ينصفها أو يرد لها مظلمتها، هذا إذا وجدت وقتاً قصيراً لتبوح عما يجول في خاطرها، لأن جلّ وقتها ينقضي بين البحث عن سبل العيش الكريم الممزوج بالحاجة الملحة لإتقان اللغة.

    من شمال سوريا إلى شمال السويد معاناة مستمرة بشكل جديد
    زياد حسين
    المقيم في السويد ويحمل شهادة جامعية يقول إن أكبر خطأ ارتكبه في حياته كان مغادرة مدينته القامشلي وتوجهه إلى السويد، التي كان من المفترض أنها من أرقى البلدان الأوروبية وأفضلها من حيث التعامل مع اللاجئين السوريين، ولكن الواقع يختلف تماماً عن الأحلام الوردية التي كانت في مخيلة اللاجئين الذين يضطرون للسكن لأكثر من ثلاث سنوات في قرى ومناطق شمالية نائية وشبه خالية تكسوها الثلوج طوال العام قبل أن يكون بمقدورهم الانتقال إلى إحدى المدن الكبرى في جنوب البلاد، إضافة إلى الإجراءات الجديدة وخفض قيمة الإعانات الممنوحة للاجئين وزيادة الفترة التي يحصلون فيها على الإقامة، موضحاً أن كل من حوله يحلمون بالعودة إلى وطنهم عندما تتحسن الأوضاع هناك.

    بين درجات العلم ودرّاجات الهواء

    جمال ياسين وهو خريج قسم اللغة الفرنسية المقيم في ألمانيا لم يسبق له ركوب الدراجة الهوائية منذ طفولته وهو الذي تجاوز الخامسة والثلاثين من العمر، يجد نفسه مضطرا حالياً للقبول بركوب هذه الدراجة مجددا كي يستطيع تجاوز مسافة الكيلومترات الثلاث التي تفصله عن أقرب سوبر ماركت قريب من القرية الريفية شبه الخالية التي يسكن فيها مع عائلته ولا يجد بجواره إلا عددا قليلاً من السكان أغلبهم من المسنين والعجائز، ويتكرر الأمر معه بشكل يومي وأحياناً أكثر من مرة يومياً حسب الحاجة، وحسب رأيه فإن الإقامة بالنسبة للعائلات أفضل نوعاً ما من وضع الشباب العازبين، ولكن بجميع الأحوال تبقى الحياة في أوروبا للاجئين السوريين متفقةً مع المثل الشعبي السوري "صوت الطبل من بعيدٍ يُطرب".

    إذاً هو ذا حال المغرر بهم من اللاجئين الذين عاشوا حياة طويلة في وطن يحلمون بمغادرته ليبذلوا الغالي والنفيس في محاولة عكسية توصلهم إلى ترابه بعد أن عرفوا أن الغربة كزوجة الأب لا يمكن أن تكون في يوم من الأيام أماً، وليس أمامهم سوى التحول إلى مواطنين من الدرجات دون الثانية في بلدان اللجوء الأوروبية التي ظنوا أنها المكان الأنسب لتحقيق أحلامهم في العيش الكريم والبحث عن الأمان المفقود والفردوس الموعود، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن هؤلاء التي غرق بعضها في عرض المتوسط قبل وصولها إلى سواحل القارة العجوز.

    الكلمات الدلالية:
    لاجئين, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik