16:30 GMT29 يناير/ كانون الثاني 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 0 0
    تابعنا عبر

    انتقل الجدل في تونس من النقاش حول تركيبة القائمة الحكومية التي ضبطها المكلف بتشكيلها الحبيب الجملي ومدى استجابتها لخيار حكومة الكفاءات المستقلة إلى النقاش حول مطالبة بعض الأحزاب السياسية بتعديل القائمة ومدى تطابق ذلك مع مقتضيات الدستور التونسي.

    فمنذ الإعلان الرسمي عن القائمة الحكومية يوم 02 يناير/ كانون الثاني 2020، تصاعدت تصريحات بعض القيادات الحزبية وفي مقدمتهم أعضاء حركة النهضة صاحبة التمثيل الأكبر في البرلمان (54 مقعدا) للمطالبة بإضفاء تعديلات على بعض الأسماء التي تراها غير منسجمة مع متطلبات المرحلة ولا تستجيب لخيار الحركة بتكوين حكومة كفاءات حزبية.

    وهو نفس الموقف الذي تبناه حزب قلب تونس صاحب التمثيل الثالث في البرلمان (38 مقعدا) والحليف غير المعلن لحركة النهضة كما يصفه البعض، والذي طالب بدوره بإجراء تحوير على التركيبة الحكومية الجديدة كشرط لمنحها الثقة في البرلمان، مستندا في ذلك إلى غياب مبدأ الاستقلالية لدى بعض الشخصيات المؤثثة لها وعدم استجابة هيكلتها وتوزيع الحقائب فيها لإرادة الناخبين ولاستحقاقات المرحلة.

    تصريحات حزبيْ النهضة وقلب تونس سرت كالنار في الهشيم داخل الوسط السياسي وأثارت حفيظة خبراء القانون الدستوري حول مدى شرعية إجراء تحوير على التركيبة الحكومية خاصة بعد أن أعلن عنها رسميا الحبيب الجملي وسلمها إلى رئيس الجمهورية الذي راسل بدوره مجلس نواب الشعب وكلفه بعقد جلسة عامة لمنحها الثقة والتي حددت يوم الجملة المقبل.

    التحوير غير جائز دستوريا

    الخبير في القانون الدستوري صادق بالعيد جزم في تصريحه لسبوتنيك ، بعدم دستورية عملية التحوير بعد أن أضحت القائمة الحكومية في يد مكتب مجلس نواب الشعب.

    ويرى بالعيد أن هذا المطلب يتنافى مع ما ورد في الدستور التونسي ومع روح النظام البرلماني، "فمهمة رئيس الحكومة المكلف تنتهي قانونيا ودستوريا لدى تقديمه قائمة الوزراء وكتاب الدولة الذين اقترحهم إلى مجلس نواب الشعب الذي يقرر منحها الثقة من عدمه".

    ويضيف محدثنا أنه ليس من حق رئيس الحكومة المكلف، بعد تقديمه القائمة إلى البرلمان، أن يتدخل في تركيبتها بالزيادة أو النقصان، وأن مسألة التحوير تبقى ممكنة فقط في حال تمت المصادقة على الحكومة الجديدة وباشرت مهامها.

    ويقول بالعيد إن تدخل بعض الأحزاب السياسية في عملية تشكيل الحكومة يتنافى مع مقتضيات الدستور الذي ينص في فصله الـ 89 على أن رئيس الحكومة المكلف هو من "يختار الوزراء وكتاب الدولة بالتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة لوزارتيْ الخارجية والدفاع".

    ويضيف الخبير في القانون الدستوري صادق بالعيد أن فوز حزب حركة النهضة بغالبية المقاعد البرلمانية واختياره للشخصية المكلفة بتشكيل الحكومة، لا يمنحانه الحق في التدخل في عمل الحبيب الجملي، وأن هذا الأخير ليس مجبرا على الأخذ برغبات الأحزاب في تعيين الشخصيات صلب الحكومة الجديدة.

    ويعتبر بالعيد أن "اختيار الحبيب الجملي السير نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة بعيدة عن كل الأحزاب يفرض عليه ولو من الناحية الأخلاقية النأي بهذه الحكومة عن كل التجاذبات الحزبية".

    وفي هذا الصدد استنكر محدثنا ما ورد على لسان رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي، باعتباره سلطة عليا، من تصريحات متضاربة حول إمكانية التعديل ومدى شرعيته، معتبرا في ذلك حيادا عن المسار البرلماني والدستوري المعمول به وتداخلا بين الاعتبارات الشخصية والحزبية وبين متطلبات الدولة.

    التحوير ممكن ولكن بشرط

    في الناحية الأخرى من الصورة ترى أستاذة القانون الدستوري منى كريم أنه لا وجود لأي مانع قانوني أو دستوري يمنع رئيس الحكومة المكلف من إدخال تعديلات على القائمة التي تم أرسالها من طرف رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مجلس نواب الشعب.

    وتضيف كريم في حديثها لسبوتنيك "هذه القائمة غير نهائية ولا قيمة قانونية لها، وبالتالي يمكن إدخال التغييرات الممكنة على قائمة الوزراء وكتاب الدولة المقترحين".

    وتستدرك محدثتنا "لكن هناك إجراء يجب احترامه في صورة تحوير القائمة، وهو العودة إلى رئيس الجمهورية، لأن المراسلة التي تم إرسالها خرجت من رئاسة الجمهورية وليس من رئاسة الحكومة".

    وتؤكد كريم أن رئيس الحكومة المكلف لا يمتلك الصفة الدستورية والقانونية لمخاطبة مجلس نواب الشعب أو مراسلته، وأن رئيس الجمهورية وحده هو الذي يمتلك الصفة القانونية والشرعية الدستورية لمراسلة مجلس نواب الشعب، وليس أي طرف آخر.

    وتتابع، "إذا ما قبل رئيس الجمهورية بالمضي في التعديل الحكومي، يجتمع مكتب مجلس نواب الشعب استنادا للمراسلة الثانية، وبإمكانه الإبقاء على نفس التاريخ المحدد لجلسة منح الثقة أو تأجيله، على أن لا يتم تجاوز أجل الشهرين الذي نص عليه الدستور في الفصل الـ 89 منه.

    وتعتبر أستاذة القانون الدستوري أن تعديل القائمة الوزارية بعد ختمها من قبل رئيس الجمهورية وتحويلها إلى مكتب البرلمان سابقة في تاريخ تونس، وأن التعديلات التي تمت في الحكومات السابقة أجريت فقط قبل إرسال القائمة النهائية إلى مجلس نواب الشعب.

    أحزاب الخط الثوري تعارض التحوير

    وبين الفرضيتين تتشابك مواقف الأحزاب السياسية وتختلف بشأن التحوير الحكومي، بين من لا يرى فيه حرجا قانونيا يتنافى مع ضوابط الدستور، وهو الموقف الذي تبناه كل من حزب حركة النهضة وقلب تونس، وبين من يرى فيه تجاوزا للقانون ومحاولة لإرضاء القيادات وتوجها نحو منطق تقاسم الكعكة، وهو ما ذهبت إليه غالبية الأحزاب السياسية وخاصة أحزاب الخط الثوري ممثلة في الكتلة الديمقراطية صاحبة التمثيل الثاني في البرلمان (41 مقعدا)  والتي تضم كلا من حزب التيار الديمقراطي وحركة الشعب.

    إذ اعتبرت قيادات الكتلة أن تحوير القائمة الحكومية المقترحة هو قرار غير دستوري، وأن تغيير الأسماء إن حصل هو عبث بالدولة والحكومة وإدخال لمكتب مجلس نواب الشعب في منطق التجاذبات السياسية.

    وتتخوف الكتلة الديمقراطية من إمكانية وقوع رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي تحت ضغط حركة النهضة التي زكته لتولي مهمة تشكيل الحكومة، وضغط قلب تونس الذي دعا بدوره إلى تعديل بعض الأسماء.

    هل يكون الحل في حكومة الرئيس؟

    تباين في المواقف واحترازات عديدة أحاطت بحكومة الجملي قبل مرورها إلى امتحان نيل الثقة، سارع في تأجيج التوقعات بسقوط هذه الحكومة، وهو ما استدعى الحديث عن الفرضية التالية وهي حكومة الرئيس.

    وفي هذا الصدد يقول أستاذ القانون الدستوري الصادق بالعيد إنه في حال فشل رئيس الوزراء في تحصيل ثقة البرلمان، يتوجب حينها على الحزب الفائز الانسحاب من خط التكليف لتصبح الكرة في ملعب رئيس الجمهورية بصفته رئيسا منتخبا من الجميع والساهر في آن واحد على السير الطبيعي لدواليب الدولة.

    ويوضح بالعيد أنه في حال سقوط حكومة الحبيب الجملي وعدم نيلها الـ 107 صوت الضرورية لتمريرها خلال الجلسة العامة، يطرح الدستور التونسي فرضيتان؛ الأولى أن يتدخل رئيس الجمهورية لتعيين شخصية أخرى تكلف بتشكيل الحكومة، والثانية هي إعادة فتح انتخابات تشريعية شعبية جديدة بعد حل البرلمان الحالي.

    وللإشارة فإن الفصل الـ 89 من الدستوري ينص على أنه عند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر.

    وإذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما.

    انظر أيضا:

    بعد إعلان تشكيلها.. هل تحظى حكومة الجملي بدعم البرلمان التونسي؟
    البرلمان العراقي يبحث الوجود الأمريكي بعد اغتيال سليماني... تحفظات على تشكيل الحكومة التونسية
    تونس ترفض "بشكل قاطع" السماح للجيش التركي باستخدام أراضيها
    الكلمات الدلالية:
    تونس
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik