19:08 GMT17 سبتمبر/ أيلول 2021
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 40
    تابعنا عبر

    حتى وقتٍ قريب، كان أهالي حي "سيف الدولة" غربي حلب يعيشون كابوس الصواريخ التي جعل منها مسلحو الريف الغربي والجنوبي طقسا شبه يومي.

    اليوم، وإثر إعلان حلب مدينة آمنة من الإرهاب، بعد تحرير محيطها وريفها ومحاور الطرق الحيوية في جنوبها الغربي، منتصف شهر فبراير/شباط 2020، بدأ سكان الحي باستعادة بعض مظاهر الحياة بعد أن اطمأنّت قلوبهم.

    في "سيف الدولة"، الحي الحلبي الذي يشكل الحدود الغربية للمدينة، لا يمكن للزائر العابر تجاهل ذلك التضاد الصارخ بين التدمير الذي اتخذته ثقافة الموت، وبين الحياة التي تختزنها حجارة منازله وأزقته وزاوياه التاريخية.

    هذه الخلاصة هي واحدة من أحجيات اللغز الحلبي الذي استعصى فهمه على آلاف الإرهابيين "الماضويين"، ممن وفدوا إلى المدينة المصنفة أمميا كأقدم مدن العالم التي لا زالت مأهولة حتى الآن.

    عندما دخل محي الدين شمسة (50 عاماً) أول مرة إلى سيف الدولة عام 2016، بعد ترحيل المسلحين عن المدينة، كان حجم الدمار في المكان صادماً له.

    يصف "شمسة"، صاحب محل الألبسة الرياضية، لـ "سبوتنيك" انطباعاته في تلك اللحظة: "الدمار بشع والحروب مكروهة والخسارة متوقعة فيها... لكنّ ما رأيناه من خراب كان مفاجئاً جداً ولا يحتمله عقل".

    طال الغياب كثيراً، يردف الرجل بالقول، لكن الأمل كان دائماً موجوداً، أما أسباب عودته إلى الحي برغم ما يكتنفه من دمار فلأنه: "إذا لم يلقَ الإنسان خيراً في بلده، فهو لن يجده في أي مكان آخر"، مضيفاً أنه عاد بعد أن أنهكته تكلفة الحياة خارج حييه حيث يجب أن ندفع آجار المكان وثمن الخدمات أضعافاً".

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    القيامة من تحت الرماد

    شكل موقع الحي، متوسطاً أحياء حلب، نقطة تماس مباشرة خلال سنوات الحرب بين المناطق التي كانت تحت سيطرة الدولة السورية وبين المناطق التي يتحصن فيها مسلحو "جبهة النصرة" وحلفاء آخرين لهم، وهذا جعله عرضةً للدمار بشكل كبير خاصة في جزئه المتصل بالأحياء الشرقية من حلب، لكنّ هذا الموقع نفسه والذي يشكّل شريان حلب وعقدة الوصل بين الأحياء ومركزاً تجارياً هاماً ساهم في زيادة الرغبة بالعودة وإعادة الاستثمار فيه.

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    كان أحمد رشاد الرغبان (34 عاماً) من أوائل العائدين أيضاً إلى "سيف الدولة" بعد أن التجأ إلى حيّ مجاور خلال الحرب لتجنب النيران المتبادلة بين الجيش السوري ومسلحي "جبهة النصرة" وحلفائهم، وقد اختار بعد عودته نقطة استراتيجية في قلب الحي ونظفها من الركام والردم الذي خلفته المعارك هناك وافتتح ورشة حدادة، ويقول أحمد الذي يعمل في هذه المهنة منذ عشرين عاماً: "أردنا أن نلبّي احتياجات الناس بصناعة الأبواب والشبابيك لإعادة تهيئة المنازل وجعلها قابلة للسكن، وأكد أن أهل الحي مصريّن على إعادة نفخ الروح في المنطقة بالرغم من بعض المعاناة والإمكانيات البسيطة".

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    وعلى الرغم من أن ما يزيد عن خمسين بالمئة من سكان الحي وخدماته من كهرباء وماء وخطوط هاتف قد عادت إليه اليوم إلا أن أهميته التجارية والاقتصادية تحتم على الدولة السورية بذل المزيد من الجهود لتحفيز الناس على العودة من خلال مساعدتهم في ترحيل الأنقاض وتوفير الخدمات وإصلاح الطرقات.

    مدينة التناقضات

    تعجّ حلب المدرجة على لائحة التراث الإنساني منذ عام 1986 بمفردات التناقض السيريالية بعد كل ما قاسته وعاشته، فواجهات المحلات الزجاجية النظيفة التي تعرض خلفها أبهى الملابس والمنسوجات محلية الصنع والغنية عن التعريف بجودتها، لا تستطيع أن تخفي آثار الدمار الذي خلفته أربع سنوات من الحرب قبل أن تدق ساعة الفرج نهاية العام 2016 معلنةً خلاصها بدعم روسي وإيراني في مشهد وصفته قيادة الجيش آنذاك بالـ "تحول استراتيجي ومنعطف مهم في الحرب على الإرهاب" لتعيد توحيد شطري المدينة الشرقي والغربي.

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    في منطقة الإذاعة على أطراف حي سيف الدولة، وجد عبد الحكيم أبو صالح، طالب جامعيّ في بناء مؤلف من خمس طبقات جميعها شبه مهدم، مساحة يستطيع نشر الروح والألوان فيها ويدير في أوقات فراغه محلاً لبيع الهدايا والألعاب والقرطاسية، تحدث الشاب لـ "سبوتنيك" عن عودة الحياة إلى الحيّ برغم حاجته لبعض الخدمات الأساسية وتوفر البعض الآخر، وقال عبد الحكيم في ردّه على سؤال لماذا لم يسافر بأن "هذه البلد هي أمّه ولا أحد يستطيع العيش بعيداً عن أمه".

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    الحرب أنهكت المدينة العالمية

    في 2013 صنفت "اليونسكو" مدينة حلب كأقدم مدينة في العالم لا تزال قائمةً ومأهولةً حتّى يومنا هذا، لتصدر المنظمة الدولية تقريرا في 2017 حول الخسائر الجسيمة التي تعرض لها تراثها الأثرى "كالجامع الأموي والقلعة والمساجد والكنائس والأسواق والخانات والمدارس والحمامات والمتاحف وباقي مبانيها الأثرية"، وكانت تقديرات التقرير تشير إلى تعرض 60% من أحياء مدينة حلب القديمة إلى خسائر جسيمة، دُمر منها 30% تدميراً كاملاً.

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    لكن السكان يبذلون أقصى جهدهم للعودة إلى منازلهم ومحلاتهم شبه المدمرة في مختلف الأحياء، لإعادة استثمارها بأي وسيلة كانت، بعد أن استنزفتهم تكلفة الآجارات المرتفعة في مناطق أخرى، وتشهد بعض المناطق تحسناً ملحوظاً من حيث حركة النهوض العمراني وعودة الأهالي والخدمات تدريجياً، لا سيما بعد إعادة تأهيل جزء من الأسواق القديمة في المدينة كسوق السقطية وسوق الجمرك وخان خاير بيك وسوق النحاسين والخابية والمحمص والشام، بانتظار أن يعود اللون الأصفر للبريق في أسواق سيف الدولة، أشهر أسواق الذهب في حلب والحي الذي لم يكن يعرف النوم كما يصفه أهله.

    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا
    © Sputnik . Muhammad Damour
    حي سيف الدولة بمدينة حلب في سوريا

    تاريخ حلب، أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان، يروي الكثير من الشواهد التاريخية لما مرّ بها من كوارث طبيعية وحوادث ومحاولات احتلال هزمتها جميعاً وأبت أن تتنازل عن مكانتها التاريخية والإنسانية والحضارية، وما حدث خلال السنوات الفائتة سيكون واحداً من تلك الشواهد وبرغم بشاعته سيغدو مجرد ماضٍ.

    انظر أيضا:

    الجيش السوري يحرر قريتي أرينبة وسطوح الدير متقدما باتجاة اتستراد حلب اللاذقية
    "سبوتنيك" ترصد مصنعا في حلب حولته "جبهة النصرة" لمنشأة "تفخيخ عربات"... فيديو
    رغم الاستفزازات التركية...احتفالات عديدة في مدينة حلب بمناسبة انتصارات الجيش السوري
    الخارجية الروسية: إعادة الاتصال الجوي بين حلب والقاهرة في أقرب وقت
    الكلمات الدلالية:
    سوريا, حلب, الجيش السوري, محاربة الإرهاب
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook