23:22 GMT02 يوليو/ تموز 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 10
    تابعنا عبر

    قدم القارعون على الطبول "المسحراتية" الذين ساهموا كثيرا في إيقاظ النائمين في وقت السحور قبل طلوع الشمس، عشية عيد الفطر في العراق، معزوفات الفرح وسط أطفال تقافزوا رقصا، والسعادة تملأ عيونهم الساهرة حتى الصباح لارتداء الثياب الجديدة، وتناول الأكلات المتوارثة منذ العصور القديمة، بعد جني العيديات.

    استمرت تحضيرات العيد في العراق، طيلة شهر رمضان، لكنها ازدادت وتسارعت في الأسبوع الأخير ما قبل فرض حظر التجوال الشامل للوقاية من جائحة كورونا، من شراء مستلزمات عمل الحلوى "الكليجة"، فيما حرصت العائلات الجنوبية على اختيار أجود الأسماك، وتجفيفها في طرق خاصة، لعمل وجبة تاريخية، منها تقدم صبيحة العيد.

    حلوى

    في الأيام الأخيرة من شهر رمضان نبذل جهدا كبيرا لكنه طيبا على قلوبنا من ما نسميه "تنظيفات العيد" بتلميع كل شيء في المنزل من جدران لاسيما الخاصة بالمطبخ المعبدة بالحجر "الفرفوري"، إلى غسل الستائر، والزجاج، مع إحداث تغييرات في الديكور، واستبدال الأثاث المتهالك والقديم ..أخذت أم ليث وهي امرأة عراقية في الخمسينيات من عمرها بضعه ثواني وهي تستذكر كل ما أنجزته في تحضيراتها للعيد في بيتها.

    وتقول أم ليث القاطنة في حي الأمين، شرقي العاصمة بغداد، في حديث لمراسلة "سبوتنيك" في العراق، أنت تعرفين أننا لا نسمي العيد عيدا دون أن نصنع "الكليجة"..ساعدتني بها أبنتي "وهي متزوجة تسكن في منطقة أخرى"، التي جاءت ألي قبل يومين لمساعدتي في "لف الحلوى"، وشاركنا في العمل أبني.

    لفت الظفيرة في الكليجة لا يضبطها غيري..لذلك أنا أنجزتها أحشو العجين بالتمر المقلي مع الجوز المقطع قطع صغيرة، فيما قامت أبنتي بعمل قصة البقلاوة بالتمر البرحي مزوع النوى، وأبني اختار "لب جوز الهند المبروش" رغم أنه لا يحب هذا الصنف من الحشوات لكنها ينجزها كونها سهلة يطبعها في قالب جاهز لا يأخذ منه الجهد، والوقت حتى.

    وتكمل أم ليث كلامها، في هذا العيد ما نتمناه هو زوال جائحة كورونا التي حلت نقمة جديدة على العراقيين، والعالم..أين كنا في السابق نتبادل الزيارات بين الأقارب، والمعارف..مختتمة بالتعبير عن فرحتها بأسرتها الصغيرة، وأحفادها الذين تسلقوا كفيها من حضنها مطالبين أياها بالعيدية "مبلغ من المال" لشراء الحلوى والألعاب.

    عائلات أخرى أخذت "صواني" "الكليجة" إلى أقرب فرن "للصمون" الحجري، لشوائها حيث تدخل لدقائق وتخرج من فوهة نار الفرن محمصة ذات لون ذهبي أضاف لطعمها وحشواتها من المكسرات، والتمر، والحلقوم، لذة جعلت منها تذوب في الفم.

    وتبادلت بعض النساء التحيات ذات الأماني الداعية للخير، والسلامة من وباء كورونا، والعنف، على مقربة من الفرن حيث تتحمص حلوى "الكليجة" التي تعتبر من الحلويات القديمة المتوارثة الثابت عملها في الأعياد حيث تقدم ساخنة أو دافئة مع الشاي المغلي مع حبات الهال للضيوف، أو لأصحاب الدار نفسه لاسيما بعد انقطاع تبادل الزيارات إثر الحظر الوقائي المفروض في عموم العراق، تحسبا لإرتفاع أعداد المصابين بالوباء.

    صبيحة فاخرة 

    بعد انجاز الكليجة، وتعبئتها بأكياس، والاحتفاظ بها في مكان لا يصل إليه الأطفال تحسبا لقضمها ورميها بحثا عن المحشوة "بالحلقوم الزهري"، أو في "المجمدات"، والسهر على وقع أغاني يا ليلة العيد ..لأم كلثوم، و"عيد وحب هاي الليلة الناس معيدين..للفنان كاظم الساهر"، وغيرهما، حتى ظهور الفجر وصلاة العيد وتكبيراته التي تصدح بها الجوامع منذ الليل حتى الصباح الفاخر بوجبة إفطار فاخرة رغم بساطتها، بعد صوم دام شهر.

    تتمثل الوجبة التي اعتاد العراقيون على تناولها في صبيحة العيد، بصحن من "قيمر عرب"، المصنوع من حليب البقر، والجاموس، والذي تشتهر النساء القاطنات بالريف، والمناطق الشعبية عمله بمهارة لا يضاهيهن فيها أحد، مع الكاهي وهو نوع من المعجنات المغمسة بالقطر أو المعروف بالـ"شيرة" التي تصنع بإذابة سكر في الماء مع قطرات من عصير الليمون، وحبات الهال على نار متوسطة حتى تتكون مادة مشابهة للعسل.

    رغم ارتفاع سعر كيلو "القيمر" ذو اللون الأبيض الناصع، إلى 40 ألف دينار عراقي، ما يعادل 35 دولارا أمريكيا، صبيحة العيد، إلا أن إقبال المواطنين عليه كان غفيرا ً لدرجة أن جمهورا كبيرا منهم وقفوا قرب محلات البيع، والأفران التي تعمل الكاهي، بإنتظار دورهم رغم التحذيرات من أية تجمعات لاسيما في المناطق التي سجلت بها أعداد كبيرة من المصابين بفيروس كورونا.

    وتناقل ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صور لتجمع العشرات من الرجال، والشباب، والنساء، قرب محل شهير في منطقة البنوك شرقي العاصمة بغداد، لشراء القيمر، وأخرى لتجمع قرب فرن لبيع الكاهي.

    عبق التاريخ

    تحضيرات العيد في الجنوب العراقي، بدت مختلفة عن باقي المحافظات، إذ تبارى فيها أبنائها بنشر صور لأكلة شهيرة لا يستغنون عنها في كل عيد، ضد الذين تناولوا القيمر، والكاهي.

    أكلة الجنوب التي يقول العديد منهم أنهم توارثوها منذ القدم حيث كان أجدادهم يقولون إنها من عادات السومريين..حيث تحرص النساء، قبل مدة من حلول العيد، على شراء نوع من السمك محبب لدى عائلتها، وتجفيفها في الهواء الطلق بعد تتبيلها بخلطات خاصة، لعمل وجبة يطلق عليها "المسموطة" تأكيل صبيحة العيد.

    اختار الشاب علي كريم من محافظة البصرة الواقعة في أقصى الجنوب، ارتداء الزي العربي الفلكلوري الأصيل ..من جلباب أبيض، وغترة "غطاء للرأس" بيضاء يزينها "عقال" أسود، صبيحة العيد لأخذ صورة تذكارية له وهو يتناول "المسموطة" التي وصفها بالأطيب على الإطلاق في قائمة ذوقه، من داخل منزله.

    ويعرفنا الشاب علي، عن هذه الأكلة، قائلا  ً إن المسموطة، أكلة شعبية خاصة بجنوب العراق، واختلفت الروايات عن أصل وجودها فبعض القصص تقول إن أصلها يعود إلى حضارة سومر حيث كان السومريون يجففون السمك، ومن بعد ذلك يتم غليه".

    وأضاف كريم، أيضا هنالك من القصص التي تقول إن جنوب البصرة، وتحديدا قضاء الفاو، اعتاد السكان على تجفيف السمك عبر نشره على ضفاف الخليج، وذلك بعد أن يملح، ويربط بأحكام.

    بين هذا وذاك لا زالت هذا الفلكلور الشعبي بالأساس مسيطر على بعض مناطق البصرة، وتحديدا في صبيحة العيد، حيث أن المناطق التي تشتهر بأكلها هي بالعادة المناطق الريفية أو القريبة من الشاطئ بسبب عدم وجود تكلفة مالية للسمك الذي يستخدم في عملية النشر وهو سابقا ما كان يصطاده المواطنون.

    ويخبرنا كريم، أن الممارسات الخاصة في البصرة، تبدأ في حوالي أسبوعين قبل عيد الفطر، بشراء أنواع معينة من السمك، وتنظيفه، ونشره في الهواء الطلق مع البهار، والملح.

    وقبيل صبيحة العيد تشرع العائلات في البصرة، وخصوصا مناطق شمال المحافظة، فجرا ً، بعد عودة الصائمين من الصلاة، تبدأ النساء بإعداد أكلة المسموطة، وفي بعض المرات، يتجمعون في بيت شخص وهو بالعادة متبرع أو شخص يحرص على إعداد هذه الأكلة في اليوم الأول من كل عيد.

    واختتم الشاب العراقي حديثه، مؤكدا  أن "المسموطة" التي تعد من السمك في حساء أصفر، الشعبية جميلة ومهمة عند بعض مناطق البصرة، منوها إلى أن العائلات الميسورة الحال في المحافظة، تأكل في صباح العيد، القوزي الشهير المكون اللحم، والرز.

    ولأول مرة تغيب في العيد، السفرات العائلات إلى مدن الألعاب المغلقة منذ أكثر من شهرين في العراق، بعد تفشي جائحة كورونا لاسيما في العاصمة بغداد التي تسجل ارتفاعا بعدد المصابين، ومحافظات الوسط، والجنوب، حيث فرض الحظر الشامل للتجوال طيلة الأسبوع منذ الجمعة الماضي، ومن المحدد أن يرفع إلى الجزئي، السبت المقبل، المصادف 30 مايو/أيار الجاري، حال لم يمدد أكثر.

    انظر أيضا:

    الكشف عن مفاجأة بشأن ما صرفه المصريون في عيد الفطر
    العراق... الحظر الشامل يعيق تقديم النشرات الإخبارية بالقنوات
    الكلمات الدلالية:
    تقاليد, حلويات, عيد الفطر, العراق
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook