05:59 GMT06 يوليو/ تموز 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 0 0
    تابعنا عبر

    يحرص السودانيون من جميع الأعمار والخلفيات الثقافية والمجتمعية على التحلق حول فناجين قهوة يعدونها منزليا في جلسات سمر يحلو فيها السهر ويطيب الحديث، وترتبط محبة الشعب السوداني للقهوة بتقاليد متوارثة منذ مئات السنين، حتى صارت جزءا لا يتجزأ من الثقافة السودانية.

    الخرطوم – سبوتنيك. السودانيون عرفوا القهوة منذ زمن بعيد، إلا أنها لم تكن منتشرة على نطاق واسع بل كانت محصورة في فئات اجتماعية وقاصرة على كبار السن محدودة من الفئات العمرية الكبيرة حيث كان معظم المواطنين يشربون الشاي، غير أنه في السنوات الأخيرة انتشرت القهوة في السودان بصورة كبيرة، وأخذت تنافس الشاي بقوة حتى لتكاد تطيح به لا سيما وسط فئات الشباب.

    وانتشرت بائعات الشاي والقهوة في أسواق وشوارع السودان واللاتي أصبحن بديلاً المقاهي القديمة التي كانت منتشرة في مدن السودان قبل إغلاقها من قبل نظام مايو/أيار أواخر السبعينيات من القرن الماضي، كما أخذت (الكافيهات) الحديثة مؤخراً في الانتشار في مدن السودان والتي صار معظم روادها من الشباب، والقهوة في السودان تسمى "الجبنة"، نسبة الإناء الفخاري الذي تصنع فيه ويعطيها مذاقها الخاص ونكهتها السودانية المميزة.

    قبائل البجة في شرق السودان، اشتهرت بشرب القهوة بكثافة وصارت جزءًا لا يتجزأ من تراثها وثقافتها. ويقول أستاذ الإعلام في عدد من الجامعات السودانية والباحث في التراث البجاوي، الدكتور عبد الله شكان، لوكالة سبوتنيك: "القهوة جاءت إلى السودان من اليمن والجزيرة العربية، وبحكم القرب الجغرافي فقد ظهرت عادة شرب القهوة بالسودان في البداية عند قبائل البجة".

    ويضيف شكان: "القهوة عند قبائل البجة، عنوان للكرم وحسن الضيافة، ولها طقوس معروفة عندهم تعقد لها جلسات السمر والمؤانسة خاصة عند الصباح والظهيرة، حيث يجتمع الرجال وحدهم ويصنعون قهوتهم بأنفسهم وكذا النساء".

    ويشرح شكان طريقة صنع القهوة بالطريقة السودانية في مجلس السمر عند قبائل البجة، ويقول: "تبدأ بتحميص حبوب البن في مقلاة من نحاس أو ألومنيوم بمستوى تحميص وسط ثم ينقل البن إلى إناء آخر لتبريده، ويختبر الشخص مستوى التحميص بوضع حبة البن بين أصابعه والضغط عليها، فإذا كسرت فهذا يعني أن التحميص غير جيد وتعاد العملية من جديد، وفي أثناء التحميص يستمتع الحاضرون باستنشاق دخان البن، وبعد التحميص يوضع البن على مدق من الخشب المنحوت ويسمى في السودان بـ(الفندك) أو من نحاس ويسمى (الهون)، ويدق بقضيب من حديد أو نحاس يسمى (يد الفندك)، لطحنه ويكون الطحن متوسطا ليس بناعم ولا خشن، ثم يضاف إليه الزنجبيل وهو البهار الرئيس للقهوة ووالبعض يضيف الهيل أو الفلفل الأسود، ثم يغلى البن في إناء من الفخار يسمى (الجَبَنة) على نار هادئة من الفحم، وبمجرد فوران البن ينزل من النار ليهدأ قليلاً، ثم تسكب القهوة للمجتمعين ويكون لكل واحد فنجانه الخاص الذي يشرب به ولا يتشارك معه شخص آخر، وتكون القهوة معدة على عدد حاضري المجلس، وإذا جاء شخص آخر يصنعون له قهوة جديدة بكل مراحلها، وهذا يعد من قيم الكرم وحسن الضيافة عند البجة".

    ويتابع شكان: "والبجة يشربون القهوة على ثلاث مراحل في الجلسة الواحدة وهذه العادة تكاد تكون منتشرة في كافة أنحاء السودان في جلسات القهوة، حيث يسمون المرة الأولى بـ(البكري)، أي الأول حيث تكون فنجانين وهو خاص بأهل الكيف والمزاج في القهوة، ثم يعيدون إناء القهوة مرة أخرى إلى النار ليشربوا الدفعة الثانية ويسمونه (التني) أي الثاني ثم الثالث ويسمى بـ (الخدر)".

    ولفت شكان، قائلا: "والبجة جوانب اعتقادية روحانية في القهوة كعادة معظم أهل السودان، فعند شربهم الفنجان الأول يدعون الله فيه ويصلون على النبي الكريم، طالبين بركته، وعند الثاني يطلبون بركة الخليفة الأول سيدنا أبي بكر الصديق، وعند الثالث يطلبون بركة العبد الصالح سيدنا الخضر، والبجاوي يحمل معه أدوات صنع القهوة في حله وترحاله.

    ويتابع أن "من قيم المجتمع البجاوي أنهم يتفقدون بعضهم بأصوات مدق البن عند الصباح والتي تسمع صباحًا في كل البيوت البجاوية، وإذا لم يدق البن صباحًا فهذا يعني أن أهل هذا البيت معدمون وليس لديهم حتى البن، لذلك تجد الشخص المتعفف يطلب من زوجته أن تضرب المدق صباحًا وهو خالٍ من البن حتى لا يعرف الناس أنهم معدمون"، مشيرا" البجاويين يعتنون للغاية بطريقة ومراحل صنع القهوة وخبروا أسرارها جيلا بعد جيل لذلك تجدهم مع كثرة تناولها في اليوم لا تسبب لهم أي مشاكل صحية وذلك للطريقة الفريدة التي يصنعونها بها، والقهوة حاضرة بقوة في غناء شرق السودان حيث نظموا فيها الأشعار وغنوا لها باللغة العربية واللهجة المحلية".

    ومن ضمن المجتمعات السودانية التي تنتشر فيها القهوة بكثرة المجتمع الصوفي السوداني، حيث نجد لها جوانب روحية ومنها قولهم إن من يشرب القهوة تظل الملائكة تستغفر له ما بقيت رائحتها في فمه، والقهوة حاضرة في مجالسهم وأشعارهم وفيها قالوا:

    عليك بشربِ البنِّ في كلِّ ساعةٍ  *** ففي شربِهِ يا صاحِ خمسُ فوائدِ
    نشاطٌ وإهباطٌ وإذهابُ بلغمٍ *** ونورٌ لأبصارٍ وعونٌ لعابدِ

    وبحسب شكان فالقهوة حاضرة في جلسات (الزار) عند النساء والتي أصبحت تقام في الخفاء لرفض المجتمع السوداني لها، وتقول شيخة الزار، فاطمة والشهيرة بـ (لولا)، لوكالة سبوتنيك، "القهوة تعد أحد الطقوس التي تمارس في حلقات الزار، وتعتبر عندهم من المشروبات الروحية والأساسية ويتم تحضيرها بمواصفات خاصة ابتداء من اختيار أجود وأغلى أنواع البن الحبشي (اإاثيوبي)، حيث تتم عملية تحضيره ثم تنظيفه وغسله جيدا ومن ثم تعريضه للهواء حتى يجف قليلا ومن ثم تحميصه بالنار الهادئة".

    وتشير لولا، إلى أن "عملية تحضير القهوة لا بد أن تتم بواسطة إحدى السيدات التي سبق أن أقيمت لها جلسة زار كاملة، وهو ما يعرف بفتح العلبة، وتجلس هذه السيدة أقصى حلقة الزار حيث "يقلى" البن على الفحم وذلك بعد رشه بقليل من السكر"، موضحة لولا، أنه" أثناء عملية القلي يقمن النسوة باستنشاق الأدخنة المتصاعدة اعتقادا منهن أنهن يرضين (الأسياد)، بتلك الطريقة حسب".

    وتتابع لولا: "عملية قلي وطحن البن تتم بواسطة (مقلاة وفندك ومدق)، وهي الآلات التقليدية المستخدمة عادة في السودان، وعملية الدق للطحن تتم بإيقاعات خاصة مع أصوات الفناجين و(الُودع) المزين في منتصف الفندق وترديد بعض الأغاني الخاصة، منها: (البن البن تتنوا ... يلا يا أسياد افرحو) ويتم ترديد هذا المقطع بصورة متكررة وأحيانا يتم ترديد اغنية : (اللول اللول يا لولية بسحروك يا لولا الحبشية)".

    وتضيف لولا، قائلة إن" تلك الإيقاعات تكون مستمرة إلى أن تتم عملية الطحن ومن ثم يوضع في إناء مصنع محليا يسمى (الشرارق) مع إضافة الجنزبيل والهبهبان المسحون، وعند تجهيزه يتم صبه في الإناء الفخاري الكبير يسمى (الجبنة)، ومن ثم تقوم السيدة بإشعال البخور (المسبع) و(المجاوز)، بعدة عشبات من أبرزها: (العدني) و(الجاولي) و(الحبة السوداء) و(الحبة الحمراء) و(الحبة البيضاء) التي تزيل الحسد بحسب زعمهم".

    وأوضحت لولا في حديثها، أن" تقديم القهوة، يتم في أجواء البخور المتصاعدة مع قليل من الفشار والفول السوداني لمن يرغب، وتقديم القهوة يتم عقب الانتهاء من جلسة الزار، لتزويد السيدات بالمشروب الروحاني، بحسب زعمها، والذي يمدها بالحيوية والنشاط لمواصلة جلسات الزار".

    وفي السياق يقول عيسى الصافي وهو صاحب أقدم متجر محمصة للبن في مدينة الخرطوم بحري، لوكالة "سبوتينك"، "عملت في هذا المجال بالصدفة قبل أكثر من 30 عامًا، وأحب هذا العمل وصارت لديه خبرة كبيرة في تحميص وطحن البن وأنواعه جيده ورديئه".

    وأشار الصافي إلى أن "السودان لم يكن يعرف المحمصات إلا في نطاق ضيق حيث كان البن يحمص ويطحن يدويا ويختلف طعمه ونكهته بصورة واضحة يدويًا، لكن مع بداية القرن الحالي وعند ازدياد الطلب بدأت المحمصات بالانتشار بصورة ملحوظة"، عازيا الأسباب إلى "التزايد الكبير في عدد متناولي القهوة خاصة من الشباب والذين اكتسبوا ثقافات من دول أخرى جاءت نتيجة اغتراب السودانيين لأجيال عدة وعندما يرجعون إلى السودان يأتي أبناؤهم مشبعين بثقافة شرب القهوة، فصارت مزاجا عاما وسط الشباب".

    انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة بائعات الشاي والقهوة في كافة مدن السودان ولا سيما العاصمة الخرطوم وذلك لأسباب النزوح من الريف إلى المدن لأسباب اقتصادية أو للحروب في بعض المناطق، فلجأت النساء اللائي لا يوجد لديهن عائل إلى العمل في هذه المهنة والتي استقطبت الكثير من النساء لدرجة أن تجد في كل ركن امرأة تصنع الشاي والقهوة في مناطق التجمعات والأسواق ومحطات المواصلات.

    فاطمة حسن، إحدى بائعات الشاي والقهوة ، تقول لوكالة "سبوتنيك": "إن هذه المهنة تجد رواجا وتوفر لهن دخلا يصرفن منه على أسرهن"، وتضيف فاطمة، أن" القهوة تشهد زيادة كبيرة في الاستهلاك حيث يقبل عليها السودانيون بكثرة لا سيما الشباب والذين يفضلون القهوة على الشاي خاصة في الصباح والظهيرة وبعد المغرب في الساحات العامة والمتنزهات وشاطئ النيل".

    وتواصل فاطمة حديثها قائلة إن "الشباب يفضلون القهوة الثقيلة مع القليل من الزنجبيل، ويفضل الناس قهوة النساء أكثر من الرجال لإتقانها إعدادها".

    ولفتت فاطمة إلى أن "كل فئات المجتمع السوداني تشرب القهوة، وفي أحيان كثيرة تتجمع العائلات في الحدائق والساحات العامة، ويطلبون القهوة وتكون في الغالب الأعم على الطريقة السودانية بصبها في إناء خاص بها وهو الجبنة مع الفناجين الصغيرة، لكن غالبية مستهلكي القهوة من الشباب وذلك أسباب نفسية لما يعانيه الشباب من ضغوطات اقتصادية وبطالة وتأخر سن الزواج مما يجعلهم يفضلون القهوة لتحسين المزاج والشعور بالاسترخاء".

    انظر أيضا:

    لماذا يشعر البعض بالتعب بعد شرب القهوة؟
    دليلك لتناول المعدل المضبوط من القهوة يوميا
    فوائد القهوة لمنع الاضطرابات الهضمية... وأثرها على تحفيز البكتيريا المعوية
    الكلمات الدلالية:
    القهوة العربية, شرب القهوة, القهوة, السودان
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook