13:02 GMT06 يوليو/ تموز 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    120
    تابعنا عبر

    رغم كل الشعارات التي رفعتها زعيمة الحركة النسوية المصري، هدى شعرواي، بقي قسم مظلم من حياتها، كشف جانبا من شخصيتها تناقض ما كانت تنادي به، بالمساوة وحرية المرأة.

    ففي عشرينات القرن الماضي، وبينما كانت هدى شعرواي في أوج تألقها، قررت إقامة حفلة في قصرها، وأمرت أن تحيي الحفلة مغنية تدعى فاطمة سري، إحدى نجوم شارع عماد الدين، وتمثل في مسرح يوسف بك وهبي.

    ورغم أهمية الحفلة، لأي مغني، حيث ستكتب عنها الصحافة، ويفتح له أبواب القصور والفيلات لإحياء حفلات مشابهة، وبالتالي زيادة في الأجر وتبدل في الأحوال، إلا أن فاطمة رفضت بدعوى أن الليلة المقررة للحفلة سيكون عندها عمل في المسرح. تدخلت هدى شعرواي وتحدثت مع يوسف وهبي، وسمح لها الأخير بالغناء في الحفلة على أن تعود إلى المسرح بعده وهو من جانبه سيؤخر دورها إلى نهاية العرض.

    ​كانت فاطمة سري في العشرينيات من عمرها، مطلقة ولديها ولدان، في الحفل خطفت عقل محمد بك شعراوي ابن السيدة هدى شعراوي، وهو الذكر الوحيد من أبنائها، ومدلل فوق الوصف، " الوارث لنحو أربعة آلاف فدان عن والده، والمتزوج من صاحبة العصمة منيرة هانم عاصم"، بحسب كتاب "القاهرة وما فيها" للكاتب المصري مكاوي سعيد، الذي ذكر تفاصيل الحكاية.

    طارد محمد شعرواي فاطمة سري كثيرا، حتى وقعت في حبه وتزوجها عرفيا بورقة كتبها محاميه، وعندما علم طليقها ثار عليها وحرمها من ولديها، ففكر شعراوي في الانسحاب بعد ما تورَّطت معه وثارت من حولهما الشبهات، فكتب لها شيكًا بمبلغ كبير ثمنًا للوقت الذي أمضاه معها، فمزَّقت الشيك وألقته في وجهه وتركته وهي غاضبة، وعندما حملت كتب إقرار على نفسه بنسب الجنين الذي في بطنها إليه وأنه ثمرة زواج شرعي على سنة الله ورسوله وأرخه بتاريخ اليوم وكان 15 يونيو 1925.

    جاء فيه "أقرُّ أنا الموقع على هذا محمد على شعراوي نجل المرحوم على باشا شعراوي، من ذوي الأملاك، ويقيم بالمنزل شارع قصر النيل رقم 2 قسم عابدين بمصر، أنني تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم "سيد بيك المرواني" المشهورة باسم "فاطمة سري" من تاريخ أول سبتمبر سنة 1924 ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية، وعاشرتها معاشرة الأزواج، وما زلت معاشرًا لها إلى الآن، وقد حملت مني مستكنًا في بطنها الآن، فإذا انفصل فهذا ابني، وهذا إقرار مني بذلك، وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعًا وقانونًا، وهذا الإقرار حجة عليَّ تطبيقًا للمادة 135 من لائحة المحاكم الشرعية، وإن كان عقد زواجي بها لم يعتبر، إلا أنَّه صحيح شرعي مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعًا".

    علمت هدى شعرواي بالنبأ فثارت وطلبت من ابنها أن يطلقها فورا، ويأتي إليها بما يثبت طلاقها له، وغادر مصر وترك مع صديق له جوابا إلى فاطمة ومبلغًا من المال، ويطلب منها أن تنهي تعاقداتها وتلحق به إلي أوروبا.

    لم تستسلم هدى شعرواي لهروب ابنها، واستغلت نفوذها وعلاقاتها٬ فأرسلت إلى فاطمة أحد الرجال المهمين؛ ليهددها بتلفيق ملف سري في شرطة الآداب يتهمها بالدعارة٬ لكن فاطمة هي الأخرى لم تستسلم أو تضعف٬ ووقفت أمام هذا الشخص المهم بتحد، وقالت إنها ستطلق الرصاص بنفسها على أي وزير داخلية يجرؤ على القيام بهذا التزوير.

    ثم لجأت هدى شعرواي إلى حيلة الترغيب فأرسلت لفاطمة مع محاميها٬ يعرض عليها 25 ألف جنيه، ( وكان مبلغًا كبيرًا آنذاك)، ووعدها برجل يتزوجها٬ ويكتب طفلها المرتقب على اسمه٬ مقابل الطلاق من ابنها وإلغاء هذه الفترة من ذاكرتها نهائيا، "وردت فاطمة بما لا يجوز نشره على المحامي الذي فر مذعورًا من الذعر الذي تلبسها، وقبل أن تستسلم وتنهار" بحسب مكاوي سعيد.

    غادرت فاطمة سري إلى أوروبا للحاق بزوجها محمد شعرواي، لكنها قبل أن تسافر التقت وهو مصطفى النحاس باشا، (رئيس وزراء مصر في العهد الملكي وكان وقتها محاميا حرا، وبعد الحديث المتبادل نصحها بالاحتفاظ بإقرار شعراوي المكتوب بخط يده، ونسخ آخر يشبه الأصلي تماما.

    التقت فاطمة بزوجها في فرنسا، ووعدها أن ينهي الخلافات ويحقق لها ما تريد، وأن يحتفل معها بالطفل القادم، ولكنه طلب منها الورقة التي كتبها من قبل يقر فيها بالحقيقة، فأعطته الورقة المنسوخة مستسلمة لطلبه، وهي تعلم أن حقها لن يضيع. أنقذت نصيحة النحاس قضية فاطمة سري، فبعد الولادة يوم 7 سبتمبر 1925، وفور علمه أن الطفل بنت واسمها "ليلى"، ترك منزلها وظل يهمل اتصالاتها، وأفصح في النهاية عن رغبته الدفينة في التنكر للعلاقة والابنة، ويخبرها في النهاية "أنا لست زوجك.. وطفلتك ليست ابنتي".

    هكذا رفض محمد شعراوى أن ينسب الطفلة له، وشجعته والدته على إنكار النسب، وكتبت فاطمة رسالة موجعة إلى هدى شعرواي، جاء فيها: "سيدتي سلاما وبعد، إن اعتقادي بك وبعدللك ودفاعك عم حق المرأة، يدفعني إلى التقدم إليك طالبة الإنصاف، وبذلك تقدمين للعالم برهانا على صدف دفاعك عن حق المرأة، ويمكنك حقيقة أن تسيري على رأي النساء مطالبة بحقوقهن، ولو كان الأمر مقصروا علي لما أحرجت مركزك، ولعل أنك أم تخافين على ولدك العزيز أن تلعب به أيدي المساء وتخافين على مستقبله من عشرتهن، وعلى سمعته من أن يقال إنه تزوج امرأة كانت فيما مضى من الزمان تغني على المسارح، ولك حق إن عجزت عن تقديم ذلك البرهان الصارم على نفسك، لأنه يصيب من عظمتك وجاهك وسرف عائلتك، كما تظنون يا معشر الأغنياء".

    وفي الرسالة قالت فاطمة: "طالبت بحق هذه الطفلة المعترف بها ابنك كتابيا، قبل أن يتحول عنها وينكرها وينكرني.. وما مطالبتي بحقها وحقي كزوجة طامعة في مالكم، كلا.. ولكن خوفا على شرفكم وسمعتكم وسمعتى، ولو أننى كما تظنون لا أبالي، فربما كانت مبالاتي في المحافظة على سمعتي وشرفي أكثر من غيري في حالتى الحاضرة، فهل توافقين يا سيدتي على رأي ولدك في إنهاء المسألة أمام المحاكم؟ أنتظر منك التروي في الأمر، والرد علىَّ في ظرف أسبوع، لأننى قد مللت كثرة المتداخلين في الأمر".

    رفضت هدى شعراوي الاستجابة لما جاء في رسالة فاطمة، وواصلت تهديدها، فلجأت فاطمة إلى المحكمة. وأصبحت المسألة قضية رأي عام تتداولها الصحف، ويتناقل الناس تطوراتها على المقاهي والحانات.

    كان الجميع ضد فاطمة سري، الجرائد والمجلات والقصر حتى ظهر محامي وصحفي شاب اسمه فكري أباظة (1896- 1979)، أحد أعلام الأدب والصحافة السياسية في مصر ويلقب بشيخ الصحفيين) كتب مدافعا عن المطربة واعتبر قضيتها قضية أمة.

    وقابل فكري سعد زغلول، وكان زعيما وطنيا، وعضوا في مجلس الأمة وصاحب تأثير كبير، وحكى له ما جرى وطلب منه التدخل فاعتذر زغلول بحجة أنه لا يتدخل في الحياة الشخصية لأنصاره، فقال له أباظة إنه يطلب منه حماية مواطنة مصرية من الدولة، وقال له إن عدلي يكن باشا رئيس الوزراء وَعَبَد الخالق ثروت وزير الداخلية طلبا من وزير العدل أن يتدخل ويضغط على القضاة ليحكموا ضد فاطمة، ووعده سعد بالتحقيق في المسألة، وبالفعل استدعى وزير العدل الذي أكد صدق كلام فكري أباظة وأن الملك فؤاد شخصيا طلب أن يكون الحكم لصالح هدى هانم، فسأله سعد: وما رأيك أنت؟ فقال الوزير: رأيي أن هذا ظلم. قال له سعد: لو حدث هذا التدخل في القضاء سوف تصبح المسألة سياسية لا شخصية، وسأقف بنفسي في مجلس النواب أطالب بإسقاط الوزارة، فليس من حق إنسان أيا كان أن يظلم مواطنة ضعيفة، الحق معها، هذا اعتداء على الدستور. وتراجعت الحملة المسعورة على فاطمة، بحسب الكاتب الصحفي محمد فوزي.

    تداولت المحكمة الأمر ببطء شديد، وفحصت المستندات والأدلة بدقة شديدة وسمعت كل الشهود، من رأى ومن سمع ومن رشا ومن ارتشا، وبعد مرافعات بليغة من المحامى فكرى أباظة، حكم القضاء الشرعى بإثبات نسب الطفلة "ليلى محمد على شعراوى" إلى أبيها، وبإلزامه بالحقوق الشرعية كافة، المترتبة على هذا النسب.

    الغريب أن هدى شعرواي احتضنت الطفلة في قاعة المحكمة، وأقرت بقبول الحكم، واصطحبتها إلى قصرها وسط القاهرة، إلا أنها حرمت فاطمة سري من دخول القصر أو رؤية ابنتها طول حياتها.

    انظر أيضا:

    حبس محام مصري حرض على التحرش بالنساء
    فيديو... القبض على "سفاح النساء" في مصر
    فيديو أثار ضجة... هل أباح داعية مصري شهير النظر للنساء بنية التأمل في بديع خلق الله
    مصري يشرح ما هو الفرق بين النساء والرجال في مسألة اللباس
    تمرد من الرجال والنساء ضد "قانون الأسرة" في مصر
    الانتخابات في مصر... إقبال ضعيف والنساء وكبار السن الأكثر مشاركة
    الكلمات الدلالية:
    مصر, المرأة
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook