04:07 GMT27 سبتمبر/ أيلول 2020
مباشر
    العالم العربي
    انسخ الرابط
    0 02
    تابعنا عبر

    في محافظة نابل (شمال شرقي تونس) لا يمكن لعرس أن يمر دون أن تلبس فيه العروس "الدُخْلَة"، فهي زينتها وفخرها وعنوان أصالتنا، بهذه الكلمات تحدثت ليلى كمون وهي حرفية في التطريز لـ "سبوتنيك" عن اللباس التقليدي التونسي الذي لم تنجح عقود الزمن في طمسه.

    فهنا في مدينة نابل بالشمال الشرقي لتونس، تصر إلى اليوم المقبلات على الزواج على اقتناء لباس "الدخلة" لتتزيّن به في أعراسهن، و "الدخلة" هو زي فاخر يحاك من خيوط الذهب ويزين بالنقوش التقليدية تلبسه العروس في سهرة "الحنّة" (سهرة نسائية) محاطة بأغاني "الماشط" (فرقة نسائية تقليدية).

    فن يتقنه القليلون

    ليلى واحدة من الحرفيات القلائل اللاتي مازلن متمسكات بتطريز "الدخلة" رغم ما يحيط حياكتها من صعوبات، فهي تأخذ منها الكثير من الجهد والوقت والمال.

    تقول ليلى إن "تطريز الدخلة فن لا يتقنه الكثيرون، فهي تتطلب نفسا طويلا وأيادي ماهرة وقلبا مليئا بالصبر، إذ تستغرق حياكة الدخلة الواحدة ما لا يقل عن ثمانية أشهر وقد تصل إلى أكثر من سنة إذا كانت كثيرة النقوشات".

    Mariam kadara / لباس العروس في محافظة نابل التونسية
    لباس العروس في محافظة نابل التونسية

    وأضافت أن حياكة الدخلة ليس بالأمر الصعب لمن اعتاد عليها، لكنها تصبح كذلك لمن لا يحبها أو لا يتقنها، وتابعت "هذا اللباس يعلمك الصبر والإتقان".

    وتستعمل لحياكة "الدخلة"، وفقا للحرفية، قطعة كبيرة من الكرنافة (أصول تبقى في جذع النخلة بعد قطع السّعف)، تقوم الحرفيات بصبغها باستخدام قشور الرمان قديما ومواد صباغة حديثا، ثم يقسمونها إلى قطع مضبوطة القياس وفقا لمكونات الدخلة.

    بعد ذلك تغطى هذه القطع بالكنسار (خيوط الذهب) ثم ترشم وتزيَن لنقوشات تقليدية بـ "العدس" و"الكنتيل" و"العقيق" (مواد تستخدم للتزيين) وأخيرا تضاف إليها الأكسسوارات.

     

    تقليد ضارب في القدم

    وتؤكد ليلى أن الدخلة تقليد يعود إلى عصور قديمة توارثته النساء جيلا بعد جيل وعرفت به محافظة نابل المشهورة بحرفة التطريز، وأشارت إلى أن الدخلة أول لباس تقليدي فاخر بدأت الحرفيات النابليات في تطريزه.

    © Sputnik / لباس العروس في محافظة نابل التونسية / لباس العروس في محافظة نابل التونسية
    لباس العروس في محافظة نابل التونسية

    وتروي الحرفية لسبوتنيك كيف كانت نساء نابل قديما تبدأن في حياكة الدخلة من خيوط الذهب لبناتهن منذ ولادتهن، تماما مثلما كان الأب يبني بيتا لابنه استعدادا لزواجه حين يكبر.

    وتعتبر ليلى أن حياكة الدخلة مشابهة تماما لطبخ قطعة مرطبات لأن وصفتها ومكوناتها مضبوطة ولم يطرأ عليها أي تغيير رغم توالي عقود الزمن، وأوضحت "من قديم الزمان الدخلة تتكون من 12 قطعة منفصلة تطرز كل منها على حدة منها؛ اليدين والساقين و"العْبا" و"العُكسة" و"الأجناب" و"المحرمة" التي عادة ما تكون حمراء اللون وخضراء أحيانا وتفضل الفتيات اليوم نقشها بأسماء الله أو رسوله للبركة.

     

    وتشير الحرفية إلى أن معظم النساء في محافظة نابل تعتبرن أن الاستغناء عن الدخلة في أعراسهن عيب، وتابعت "قديما يرسل أهل العروس ابنتهم لبيت زوجها بالدخلة المطرزة بالذهب تعبيرا عن أنهم أرسلوا إليها قطعة ثمينة يجب المحافظة عليها، أما اليوم فإن العروس تلبس الدخلة يوم الوطنية (الحفلة الخاصة بالعروس).

     لباس باهض

    وتقول كمون إن الدخلة لباس باهظ جدا ومكلف في حياكته، ومع ذلك فهو لم يكن أبدا لباس الأغنياء، فجميع النسوة يجتهدن في جني المال لشرائه لبناتهن استعدادا لزواجهن. واستطردت "لكن اليوم ونظرا لغلاء المعيشة لم يعد أحد يشتري الدخلة وعوضا عن ذلك يقومون بكرائها ليوم أو يومين".

    © Sputnik / Mariam kadara / لباس العروس في محافظة نابل التونسية
    لباس العروس في محافظة نابل التونسية

    وتقول ليلى إن "سعر الدخلة الأصلية المطرزة بخيوط الذهب يصل إلى 120 ألف دينار (43996 دولار)، لذلك لجأت الحرفيات إلى استخدام خيوط النيلون المذهب بدلا عن خيوط الذهب فتراجعت كلفة حياكتها إلى 12 ألف دينار (4400 دولار)، ومع ذلك يعتبر هذا السعر باهظا أيضا بالنظر إلى غلاء المعيشة وارتفاع مصاريف الزواج، لذلك فإن استئجار الدخلة يعد الحل الأمثل للحفاظ على هذا الموروث".

    وأشارت إلى أن سعر الكراء بالنسبة للدخلة حديثة الصنع يصل إلى 500 دينار، وكلما تقادمت الدخلة يتراجع ثمنها ليصل إلى 200 دينار وأحيانا إلى 40 دينارا.

    وقالت كمون "غلاء مواد الحياكة يضطر الحرفيات إلى الاقتصار على صنع دخلة واحدة كل أربع أو خمس سنوات، وأحيانا لا تعوض أثمان الكراء ما ننفقه في التطريز الذي قد يدوم أكثر من سنة".

    فخر العروس

    من جانبها قالت فاتن الكرغلي وهي أصيلة مدينة نابل إن "الدخلة لباس مميز لفتيات المحافظة ولا تستغني أي عروس عن ارتدائه يوم فرحها".

    وتابعت "تتنافس الفتيات في مدينتها على اقتناء الدخلة الأثقل وزنا والأكبر حجما، فهذا اللباس هو فخر العروس الذي بدونه لا يعد العرس عرسا".

    © Sputnik / Mariam kadara / لباس العروس في محافظة نابل التونسية
    لباس العروس في محافظة نابل التونسية

    وأشارت فاتن إلى أن ارتداء الدخلة تصاحبه طقوس معينة تسمى "الجلوة"، وأوضحت "تحاط العروس بفرق الماشط (فرقة نسائية) اللاتي تعزفن أناشيد دينية تقليدية وأثناء الغناء تقوم العروس برفع يديها المضرجة بالحناء وهكذا دواليك"، وأضافت "ثم يأتي العريس ويرفع الوشاح الأحمر عن وجه عروسه ويبارك لهما".

    وأكدت فاتن أن الدخلة لباس تقليدي تتميز به العروس في محافظة نابل ولكنه يلاقي اقبالا كبيرا من فتيات المحافظات المجاورة نظرا لفخامته وتميزه.

    وتشتهر محافظة نابل بالشمال الشرقي لتونس برواج اللباس التقليدي المطرز الذي جعل من ملابسها لوحات فنية يفتخر المتساكنون بها في أفراحهم ومناسباتهم، لكن عزوف الشابات عن تعلم هذه لمهنة التطريز أصبح يهدد بقائها.

    الكلمات الدلالية:
    تونس
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook