20 يناير 2015, 14:49

لقاءات موسكو السورية: مبادرة أم مجرّد "دردشة"؟

لقاءات موسكو السورية: مبادرة أم مجرّد "دردشة"؟

كشف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي والممثل الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط لكاتبة هذا المقال أن "أكثر من عشرين شخصية سياسية سورية أعلنت عن قبولها الدعوة للحضور إلى موسكو"، وذلك للمشاركة في لقاءات ممثلي المعارضة والسلطات السورية المزمع انعقادها، بين السادس والعشرين والتاسع والعشرين من الشهر الجاري، في العاصمة الروسية.

 

إلينا سوبونينا، محللة سياسية في إذاعة "سبوتنبك".

وكان قد أُرسل أكثر من ثلاثين دعوة إلى ممثلي المعارضة، فيما وفد الحكومة يجري تحديد أعضائه في هذه الأثناء، وقد يرأسه نائب وزير الخارجية فيصل المقداد أو من هو في وزنه.

ومن المهم التأكيد أن الأوهام التي راودت البعض حول عدم انعقاد لقاء موسكو قد سقطت اليوم. فموسكو منخرطة جديا في الإعداد لهذه الفعالية، وترى فيها واحداً من أهم الأحداث، مطلع العام الحالي، في المنحى الشرق أوسطي.

وهذا ما سيتناوله، بالتأكيد، وزير الخارجية سرغي لافروف في مؤتمره الصحافي الموسع، يوم الأربعاء في واحد وعشرين الجاري. وبموازاة ذلك، وقبله بيوم واحد، سيتحدث في وكالة "روسيا اليوم" للأنباء مدير معهد الشرق الأوسط فيتالي ناؤومكين عن مراحل الإعداد للقاء. ذلك أنه وعدداً من مساعديه سوف يكون حاضرا في قصر الاجتماعات التابع للخارجية الروسية، بدايةً في حوارات ممثلي المعارضة في ما بينهم، ثم خلال لقاءات هؤلاء مع وفد الحكومة.

وبحسب علمي، فإن أحداً من الدبلوماسيين الروس لن يتواجد في قصر الاجتماعات، بل ستنحصر المحادثات خارج ساحة اللقاءات، في حال برزت الضرورة في ذلك. ومن المهم تسجيل أن اللقاءات لا تحمل طابعا رسمياً، ويقول ناؤومكين إنه يشارك فيها بصفته ممثلاً "المجتمع المدني في روسيا" وليس السلطات الرسمية.

الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، سيصل إلى موسكو مطلع الأسبوع المقبل، وسيبقى بدوره في الظل. فالمطلوب والمهم أن يشرع السوريون أنفسهم، أصحاب الرؤى السياسية المختلفة، بالحديث إلى بعضهم. وتأمل روسيا في أن ينطلق هذا الحوار في موسكو.

والمفارقة في الأمر أن موسكو تقدم المكان فقط للقاء، ولا يعتزم الدبلوماسيون الروس مواكبة اللقاء خطوة بخطوة، كما أنهم لا ينوون اقتراح جدول الأعمال نيابة عن السوريين أنفسهم، وإن كانوا سيحصلون على المعلومات عما يجري داخل القاعات، لكنهم لن يتقمصوا دور الناصح، كما المدرّس أو "الشقيق الأكبر"، مثلما يحلو للأمريكيين أن يتصرفوا ويؤثروا في مجرى العملية.

وهذا الدور ليس مألوفا أو معتادا. فالتجربة السابقة في جنيف، عامي 2012 و2014، للمفاضات بين المعارضة والسلطة، برهنت عن عدم رغبة الطرفين، جوهرياً، في إيجاد حل للمشكلة، معطوفةً على عدم الاستعداد للحوار، وبالتالي لتقديم التنازلات. وهذا في حد ذاته من أصعب العقبات أمام السلام في سوريا.

واليوم ترفض بعض القوى البارزة في المعارضة المجيء إلى موسكو، أخص بالذكر الائتلاف الوطني وكذلك شخصيات مشهورة كالسيد معاذ الخطيب. فالبعض مستاء من كون الروس وجهوا دعوات إلى أشخاص بعينهم، ولم يمنحوا التنظيمات إمكانية تشكيل وفودها، يضاف إلى ذلك الطموحات الشخصية والخلافات التي تلعب دورها وتكاد تطغى على المصلحة الوطنية.

ويتذرّع البعض بأن ليس هناك جدول أعمال واضح ومحدد للقاءات موسكو، وكأن هؤلاء يتناسون أن الممثل الأممي الخاص آنذاك كوفي أنان طرح، في العام 2012، خطة مماثلة للتسوية من ستة بنود قدّمها إلى السوريين، لكنها لم تنفع في شيء. فالمشكلة لن تُحل طالما لا تقدم الأطراف المتنازعة، وبنفسها، على البحث عن التسوية السياسية. وهذا يتطلب شجاعةً سياسية تعوز الكثيرين.

لكن، في الوقت عينه، لا أوافق ناؤومكين الرأي عندما يقول "إن أولئل المتخلفين عن الحضور إنما يعزلون أنفسهم". فهؤلاء لن يقعوا في العزلة، بينما البعض غيرهم هم في حكم المبتعدين عن العملية، إنما لأسباب أخرى على سبيل المثال، بسبب النزاع البديهي على السلطة داخل صفوف المعارضة.

وهؤلاء بالذات قد خرجوا بخفَّيْ حنين، وبخاصة عندما يكثرون الانتقادات لروسيا على مقترحها آملين بالدعم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، لكنهم وقعوا ضحية خداعها مرة أخرى.

أمريكا تتصرف بصورة واضحة: فهي لا تتألم كثيرا من استمرار الحرب في سوريا، وإن كانت تصريحاتها تدعو إلى وقفها. فوزير الخارجية الأمريكي جون كيري أعلن، قبل أيام، أن لقاء موسكو " يمكن أن يكون مفيداً". وهذا بحد ذاته إشارةٌ هامة إلى عبث رهان المعارضة الراديكالية على دعم ملموس من الخارج، والرئيس أوباما ليس مستعداً لوقف هذه الحرب بواسطة القوة. إذن أليس من الأفضل أن يتفاهم المتخاصمون ويتفقوا؟

ثمة من يرى في لقاءات موسكو "مبادرة هامة"، بينما آخرون يصفونها بأنها "ثرثرةٌ" لا أكثر. وفي رأيي أن تلك اللقاءات العتيدة ليست خطةً للتسوية بعد. فلا خطة جاهزة اليوم، وإن كانت هذه بداية حوار لها أهميتها، وخطوة في سبيل التسوية. ولا بد من التذكير أنه من حوارات مماثلة ارتسمت طريق التسوية في البلقان، كما من حوارات مماثلة، أيضاً، بدأت الإصلاحات السياسية في بولندا.

بداية الصلح حوار. وفي هذا المعنى تكمن أهمية لقاءات موسكو بشأن سوريا. وتفويت هذه الفرصة يدل على الجبن وقصر النظر السياسي.

 

مدير مركز آسيا والشرق الأوسط لدى المعهد الروسي للبحوث الاستراتيجية إيلينا سوبونينا.

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني