27 يناير 2015, 09:14

الاصطفاف الوطني والتعددية ليس ترفاً

الاصطفاف الوطني والتعددية ليس ترفاً

إدارة المراحل الانتقالية في أي بلد، والمراحل التي تليها مباشرة، يلزمها اصطفاف وطني واسع، واحترام التعددية، لتثبيت ركائز الديمقراطيات الوليدة.

عامر راشد

التشكيلة الوزارية التي أعلن عنها رئيس الوزراء التونسي المكلف، الحبيب الصيد، خيبت توقعات المراقبين والمحللين في العاصمة تونس، فكل التوقعات صبت في خانة تشكيل حكومة تحظى بتأييد حاضنة برلمانية قوية، تضم أكبر عدد من القوى الرئيسية الممثلة في البرلمان والمستقلين، على أرضية برنامج الحكومة، إلا أن الحبيب الصيد حصر تشكيلة حكومته بأعضاء من حزب "نداء تونس"، 85 مقعداً في البرلمان، وحزب "الاتحاد الوطني الحر"، 16 مقعداً في البرلمان، ومجموعة من النواب المستقلين لا يعرف عددهم.

الحد الأدنى المطلوب لحصول الحكومة على ثقة البرلمان نيل أصوات 109 نواب من إجمالي 217 نائباً، وهذا بمتناول يد "نداء تونس" وحلفائه المقربين، لكن الحكومة الجديدة لن تكون معبرة عن اصطفاف وطني واسع، يمكِّنها من قيادة مرحلة التحول من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة ترسيخ الديمقراطية الغضة في تونس، ومعالجة المشاكل السياسية والاقتصادية والمجتمعية ببرنامج متوافق عليه بين القوى الحزبية الرئيسية، ويبعث على الثقة بصون المكاسب التي انتزعها الشعب التونسي، بثورته على نظام حكم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

الدخول في "لوغاريتم" حساب الأرقام بهذا الشكل بالغ الضرر، لأنه ينطلق من زاوية رؤية فئوية ضيقة، ترى أن الشراكة ترف فائض عن الحاجة، وبالنسبة لحزب "نداء تونس" تعامل مع الأمر باعتبار السلطة "مغنم وليس مغرم"، في ابتعاد عن قراءة التجارب الأخرى والاتعاظ مما آلت إليه من نتائج سلبية، أكدت بأن الاستفراد بالسلطة ما بعد الثورات يعيد استنساخ نماذج غير ديمقراطية، ويوقع البلاد في حالة تجريبية بما لا يتوافق مع تحقيق مطالب الثورة، والتأسيس لمرحلة استقرار.

ومن الخطأ حصر الديمقراطية بين مزدوجتين مقولة "حكم الأغلبية"، فأساس الديمقراطية الشراكة الوطنية وعدم الإقصاء، خاصة في بلدان الديمقراطيات الناشئة التي مازالت تعاني منظوماتها السياسية من اختلال بنيوي في العملية الانتقالية، يعيق تمليك أي طرف يستفرد بالسلطة الكفاءة والقدرة والفعالية اللازمة للحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي، أو الارتداد إلى الخلف.

تجارب الجار القريب ليبيا أكدت أن التفاؤل المفرط بنجاح العمليات الانتخابية، وشهادة الجميع بشفافيتها ونزاهتها، وارتفاع نسبة الإقبال الشعبي على المشاركة فيها، لم يكن كافياً للعبور في شكل آمن من المرحلة الانتقالية، لأن القوى السياسية استثمرتها في مغالبة افتقر من انخرطوا فيها إلى فهم الأولويات والواجبات الضرورية والعمل من أجلها، فدخلوا في صراع على السلطة ومارسوا الإقصاء، بذريعة الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.

أولويات ليبيا كانت عدالة انتقالية، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية والحكومية، ومكافحة الفساد، ووضع ضوابط وتوازنات للعمل السياسي والحزبي تضمن التعددية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وبالمقارنة مع نظيرتها في تونس، الأولويات التونسية تنطلق من نقطة أكثر نضجاً، تبعاً لمستوى تطور بنية المجتمع المدني المحلي، وتاريخ العمل السياسي رغم ضيق الهامش الديمقراطي، الذي كان متاحاً في عهدي الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. غير أن تونس تشترك مع ليبيا بالعديد من الأولويات، بل أكثرها إذا لم نقل كلها، لترسيخ الديمقراطية الناشئة.

وتشكيل حكومة جديدة ذات قاعدة برلمانية ضيقة سيربك عملها، ولن يساهم كما ينبغي في حل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها تونس، ولم توضع حلول لها في المرحلة الانتقالية، ما قد يحوِّل حكومة الحبيب الصيد إلى "بطة عرجاء"، في مواجهة معارضة قوية تتخوف من عودة النظام السابق بحلة أخرى، يعززها وجود عدد كبير من الحرس القديم لنظام بن علي.

لقد أعطى التونسيون نموذجاً على أن الحراك الشعبي المعارض بمقدوره الإطاحة بنظام مستبد، وأن الطابع السلمي المنظم هو أقصر الطرق إلى تحقيق أهداف الثورة وأقلها تكلفة. واكتمال الثورة والتحول الديمقراطي يتطلب أوسع توافق سياسي ومجتمعي وطني، كمحرك للبناء، والتقدم بثقة إلى الأمام، وتصحيح الأخطاء وتدارك العثرات، فالديمقراطية التونسية الناشئة ما زالت على المحك، وأمامها تحديات جمة حتى تتخلص من ذيول عهدي الحكم الشمولي المستبد.

ولم تتخط تونس المرحلة الانتقالية بمجرد إجراء الانتخابات الرئاسية، فالعملية متداخلة مع ما بعدها، حتى بناء مؤسسات دستورية شفافة تعمل بمبدأ المساءلة وثقافة الحوار والتنمية الشاملة، وتمكين منظمات المجتمع المحلي، بما فيها الأحزاب. مهمة أثقل من أن تحملها حكومة تمثل ائتلافاً برلمانياً ضيقاً. ولذلك، فالاصطفاف الوطني والتعددية ليس ترفاً في الحالة التونسية، بل ضرورة واجبة.

 

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

 

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني