27 يناير 2015, 18:04

المعارضة السورية والنزول من أعلى الشجرة

المعارضة السورية والنزول من أعلى الشجرة

مصطلح المعارضة السورية مصطلح غامض يحتاج إلى تعريف، ذلك أنه لم يسبق في تاريخ الأمم أن تحولت المعارضة إلى مهنة من لا مهنة له إلا في الحالة السورية، وأتذكر أنه مع بداية الأحداث في آذار/ مارس 2011، كان كثيرون يظهرون على شاشات الفضائيات بصفة – معارض سوري- دون أن يعرف أحد في العالم تاريخه المهني أو سيرته الذاتية الفذة، أو نضالاته الكبيرة من أجل الديمقراطية، والحرية وحقوق الإنسان – وهي الكلمات التي يجب أن يكررها أي ممتهن للمعارضة في كل ظهور حتى لو كان هذا الظهور من السعودية مثلاً التي لا دستور فيها، ولا برلمان منتخب.

بقلم د.بسام أبو عبد الله

في الحالة السورية قامت أجهزة المخابرات الغربية بتجميع ما لديها من عملاء مقيمين من زمن بعيد، وضمت لهم رجال دين من تصنيع وهابي، وبعض اليساريين المنافقين، وليبراليين مرتبطين بمصالح شركات غربية، وأنشأت لهم الهياكل السياسية  والمؤتمرات الدولية، وفتحت لهم البيت الأبيض، وتن داونينغ ستريت، والإليزيه، حتى أعتقد بعض ممتهني المعارضة السورية أنهم شخصيات فذة لم يسبق للتاريخ أن شهد مثلهم. فالبعض كان يعتقد نفسه جوزيف ستالين، وآخر وينستون تشرشل، وثالث شارل ديغول، وأقنعهم بعض الساسة في الغرب أن عمر الدولة السورية قصير وسوف تنهار سريعاً، ولذلك يجب أن يهيئوا أنفسهم لتسلم مفاتيح قصر الشعب السوري.

في الحالة السورية استخدمت تسميات ضخمة مثل الجيش السوري الحر، ربطاً بالحرية التي تدعو إليها أمريكا وأنشأت لها إذاعات ومحطات تلفزيونية، وهي الحرية التي تعني ببساطة العمل من أجل مصالح أمريكا وشركائها، وتحويل بلدك إلى تابع جديد لها، فأمريكا كما قال الرئيس بوتين ذات مرة لا تريد أصدقاء بل أتباع. كما دعمت هذا الجيش الحر المزعوم بكل ما يساعده على تدمير مطارات بلده، وراداراتها، ومراكز بحوثها، وخيرة ضباطها، وأصبح الأمي يحصل فيه على رتبة

جنرال، ويتحدث للصحافة الغربية التي فتحت له أبوابها، ويطلق التصريحات الرنانة عن الانتصارات الوهمية كي يقبض من المال الخليجي أكثر، ولم يكتف داعموهم بذلك بل أرسلوا لهم كل الإرهابيين من كل أصقاع العالم من أكثر من ثمانين جنسية لتتحول سوريا إلى أكبر مرتع للجهاديين في العالم، ومع ذلك لم يحققوا انتصاراتهم الموعودة، وبدأ الإرهاب يرتد على صانعيه في باريس وغيره من المدن الغربية، وتحول الحديث في الغرب كله إلى كيفية مواجهة ما صنعت أيديهم من "داعش"، إلى "النصرة" إلى "جيش الإسلام" – ليبقى السؤال هنا: أي معارضة هذه التي تنتج وحوشاً تأكل أكباد الناس، وتقطع الرؤوس، وتدمر أسباب الحياة، وأي غرب هذا الذي يدعم هكذا معارضة.

السؤال هنا ما هو مفهوم المعارضة السياسية الذي نراه؟ ببساطة شديدة المعارضة هي مصطلح سياسي وليس عسكري، والمعارضة هي حالة وطنية تنشأ داخل البلد، وتحت سقف دستوره ومؤسساته الشرعية، وهي نضال سياسي سلمي مدني يهدف لنقل البلد إلى حالة تفترضها المعارضة أنها أفضل، وتقدم على أساسها برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً للشعب لأنه هو صاحب القرار الأول والأخير، وليس دول إقليمية أوالغرب أو غيره، وإلا تحولت إلى عمالة، كما أن المعارضة يفترض بها أن تدافع عن استقلال بلدها وسيادته ووحدة أراضيه، ووحدة شعبه لا أن تقسمه ملل وطوائف، وتدعو إلى التدخل الخارجي، وتدخل الناتو، وضرب بنيته التحتية وتدمير مقومات العيش فيه، وهو ما حصل في الحالة السورية لدى كثير من المعارضين في الخارج. ببساطة نقول أيضاً، إن الامتحان الحقيقي لهذه المعارضة كان في الانتخابات الرئاسية التي جرت في حزيران/ يونيو 2014، ومع ذلك لم تتجرأ على تقديم مرشحها في مواجهة الرئيس بشار الأسد ليس لأن الانتخابات لم تكن نزيهة، بل لأن الغرب يدرك تماماً أن لا أرضية شعبية لهذه المعارضة، وذهابها لهذا الخيار سيسقط عنها ورقة التوت الأخيرة، الأمر الذي كان سيعني سقوط هذه الورقة من يد أمريكا والغرب.

إن انعقاد لقاء موسكو التشاوري في الفترة مابين 26-29 كانون الثاني/ يناير الحالي جاء نتيجة لعدة تطورات هامة أكدتها أحداث السنوات الأربع الماضية من الحرب على سورية، ومنها:

1- انكشاف حقيقة ماسمي بالمعارضة المسلحة، وظهور الإرهاب في وجهه البشع (داعش، النصرة وغيرها)، وعدم قدرة الغرب على إخفاء حقيقة ذلك، وضرورة مواجهته ليس من باب الحرص على الشعب السوري، بل من باب حماية أمن مواطنيها الذين بدأوا يشعرون بحماقة سياسات حكوماتهم وتقدم أولوية مكافحة الإرهاب على أي طرح آخر.

2- اكتشاف أمريكا وحلفائها في المنطقة ، أن إسقاط الرئيس الأسد والدولة السورية هو أمر مستحيل، بسبب التفاف غالبية الشعب السوري حول جيشه ودولته ورئيسه، ودعم الحلفاء من روسيا إلى إيران إلى الصين والعديد من دول العالم التي ترفض الهيمنة الغربية على العالم.

3- وصول غالبية دول العالم إلى قناعة أساسية أن لاحل في سورية إلا عبر الحوار بين السوريين دون أي تدخل خارجي، وأن استمرار الوضع الراهن سوف ينعكس حكماً على حلفاء الولايات المتحدة.

4- تشتت وضعف وهزالة المعارضة السورية، وتحول قسم كبير منها إلى مجرد عملاء بيد أجهزة مخابرات غربية وإقليمية، وأدوات رخيصة لتنفيذ أجندات الآخرين على أرض سوريا.

5- قرب توقيع الاتفاق النووي الإيراني، وعدم قدرة الغرب على استغلال الوضع في سوريا للضغط على إيران وتحصيل مكاسب منها، ولضرب "حزب الله" كأحد ركائز المقاومة في المنطقة.

6- ثبات الموقف الروسي الداعم لسوريا طيلة السنوات الأربع، بالرغم من محاولات الإغراء المالي، والاقتصادي، والتهديد، لإدراك موسكو أن الخطوة التالية بعد دمشق هي موسكو.

إن انعقاد لقاء موسكو التشاوري هو فرصة هامة لأولئك الذين بنوا أوهاماً طيلة سنوات، وهي فرصة لإدراك أن القوة بالشعب السوري وجيشه، وليس بالسعودية وقطر وتركيا، أو بأمريكا وبريطانيا وفرنسا، وأن الامتحان الحقيقي هو أمام الشعب السوري، وفي الانتخابات التشريعية القادمة في عام 2016، ولن يفيد طرح مطالب خيالية كما حدث في مؤتمر القاهرة. فالحديث عن هيكلة الجيش والأمن – ليس إلا حديث فارغ، فالجيش الذي يقاتل منذ أربع سنوات كل قوى الإرهاب في العالم بحاجة لتماثيل تخلد شهداءه وتضحياته. وأما من يحتاج إلى إعادة الهيكلة، فهي هذه المعارضة التي جلست على أعلى الشجرة، وما عليها الآن إلا النزول منها، كما نزل معلموها وداعموها. وما قاله السيد لافروف من أن من سيتغيب عن لقاء موسكو لن يكون له دور في مستقبل سوريا، قاله مرة أخرى وزير الخارجية السوري وليد المعلم قبل أيام. فرصة موسكو هامة للنزول من أعلى الشجرة، لأن البعض قد لا يجد لاحقاً من ينزله من أعلى الشجرة.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني