30 يناير 2015, 14:18

خيارات إسرائيلية محدودة في الرد على رد حزب الله

خيارات إسرائيلية محدودة في الرد على رد حزب الله

لم يكن باستطاعة حكومة نتنياهو الذهاب إلى حرب مفتوحة ضد "حزب الله"، لأنها واجهت معضلة صعبة في وسائل ونوعية الرد على عملية مزارع شبعا.

عامر راشد

احتواء إسرائيل للعملية التي قام بها "حزب الله" اللبناني في مزارع شبعا، رداً على استهداف سلاح الجو الإسرائيلي لمجموعة من الحزب و"الحرس الثوري" الإيراني على الأراضي السورية، فرضته طبيعة ومكان الرد، وحسابات دقيقة في ميزان الربح والخسارة، رجَّحت كفة عدم التصعيد وضبط النفس، رغم الضربة الموجعة التي شكلتها العملية في مزارع شبعا.

بعيداً عن سيل التصريحات الرسمية في أعقاب الهجوم الجوي على مجموعة من "حزب الله" و"الحرس الثوري" الإيراني، والتي صبت كلها بالحديث عن اليد الإسرائيلية الطويلة، والتهديد بعملية عسكرية مدمرة ضد لبنان، على غرار الحرب على قطاع غزة، التوقعات في تل أبيب لم تستبعد للحظة أن الحزب سيرد، وفي أكثرها تفاؤلاً تقدير بأن الرد على الغارة سيكون مؤجلاً، مع الإبقاء على سلة من الاحتمالات المفتوحة، يبدو أن الحكومة الإسرائيلية درستها بعمق، ولذلك اتخذت قرارها سريعاً برد محدود على عملية مقاتلي "حزب الله"، والإعلان عن عودة الهدوء إلى المناطق المتاخمة للحدود مع لبنان، بعد تبادل رسائل تهدئة مع الحزب وطهران.

حسابات حكومة نتنياهو، التي دفعتها مجبرة إلى اتخاذ موقف عدم التصعيد، كشف عنها محللون سياسيون وعسكريون إسرائيليون، ومنهم من أكد في تعليقه على استهداف مستوطنة في الجولان السوري المحتل، غداة عملية مزارع شبعا، أن بداية انتقام "حزب الله" ضربات منتقاة بعناية لـ"إنهاك إسرائيل"، لكن الحزب بالمقابل لا يريد اندلاع حرب شاملة، مع تقدير أن إسرائيل ستخسر اقتصادياً ومعنوياً من حالة التوتر الدائم على جبهتي الجولان وجنوب لبنان، فإبقاء وحدات الجيش في حالة تأهب سيكلف الكثير من المال، وسيضعف من برامج التدريب الاعتيادية للجيش، وسيتطلب مئات ساعات الطيران من الطائرات الحربية، وسيؤثر على حياة مئات آلاف الإسرائيليين في مناطق الشمال، ويمكن لـ"حزب الله" ودمشق وطهران تحقيق ذلك بأسهل الطرق "من خلال التحرك، من حين إلى آخر، بالقرب من الحدود على الجانب اللبناني"، وفقاً لما قاله المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي، في مقالة له بتاريخ 28/1/2015.

وأضاف بن يشاي في نقد مبطن للغارة الجوية الإسرائيلية "يخطط الطرفان لشيء معين، لكن ما يحدث هو شيء أكثر إيذاء، وأسوأ مما قدر الطرفان حدوثه في البداية، وعادة يحدث هذا بسبب خطأ في الحسابات... وثمة ميزة في أسلوب انتقام حزب الله، لأن الجيش الإسرائيلي لن يرد بقوة بل بصورة مدروسة... ومن الصعب التخطيط لرد رادع وملائم وفي الوقت عينه يكون مدروساً...".

التحليلات اللاحقة عشية عملية مزارع شبعا جاءت متطابقة مع ما سبقها، المحلل الإسرائيلي دان مرغليت كتب مقالاً في صحيفة "إسرائيل اليوم"، بتاريخ 29/1/2015- ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية، قال فيه: "علينا أن نختار الهدوء برغم الألم"، ويعلل ذلك بأن "انتقام حزب الله كان مدروساً وحجم هجومه معقولاً، لكن من جهة أخرى فإن مقتل جنديين، وجرح رفاق لهما، يجعل من الصعب على الحكومة عدم الاكتراث بما حدث، وبصفة خاصة قبل 48 يوماً من انتخابات الكنيست...".

إلا أن مرغليت يستدرك: "لكن سلطة ناضجة لا تنساق وراء أهواء القلب، ولا بد أن تأخذ في حساباتها أنه بعكس الهجوم الاستراتيجي الذي استهدف مجموعة لحزب الله، فإن أي إطلاق نار إسرائيلي سيكون دافعه تصفية حساب وانتقام... وجميع هذه الأهداف أقل أهمية على الصعيد الاستراتيجي، رغم أن ثمن تحمل مسؤولية ضبط النفس ليس سهلاً".

الحسابات الإسرائيلية، كما يراها محللون إسرائيليون، تدفع للاعتقاد بأن احتواء إسرائيل لعملية مزارع شبعا بمثابة إقرار منها بأن رد "حزب الله" كان مناسباً ولا يستدعي معركة شاملة، وألقى الكرة في ملعب الحكومة الإسرائيلية، التي تواجه معضلة صعبة بالتحسب من هجمات قاسية ستتعرض لها الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وربما ما هو أكثر، في حال نشوب حرب.

الثمن الذي دفعته إسرائيل باحتواء ضربة "حزب الله" خسارتها لما تسميه بـ"قوة الردع التي حققتها في حزب تموز (يوليو) 2006"، كما يدعي المحلل العسكري بن يشاي، لكنه يبقى أقل بكثير من الثمن الذي ستدفعه في حرب ثالثة ضد لبنان. هذا بافتراض أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قادرة على اتخاذ قرار بالحرب.

افتراض تحول دونه العديد من الاعتبارات الأخرى في الحسابات، منها انتخابات الكنيست في شهر آذار (مارس) المقبل، وتركيبة الحكومة الإسرائيلية المبتورة والضعيفة بعد استقالة وزراء حزبي "يوجد مستقبل" و"الحركة"، وتعقيدات الوضع الإقليمي، وعدم ضمان تأييد الولايات المتحدة للحرب أو التغطية عليها دولياً، وعليه؛ كان من الأفضل والأنسب والأقل تكلفة بالنسبة لحكومة نتنياهو احتواء الضربة التي لحقت بالجيش الإسرائيلي في مزارع شبعا.

 

 

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني