2 فبراير 2015, 08:54

إنضاج الحوار في ليبيا

إنضاج الحوار في ليبيا

نقل الحوار الليبي- الليبي إلى داخل ليبيا مؤشر إيجابي، لكن ما زال هناك بون شاسع بين مواقف طرفي الأزمة، ولا توجد ضمانات كافية للدفع في الحوار.

عامر راشد

اتفق طرفا الأزمة الليبية، في نهاية الجولة الثانية من حوار جنيف برعاية الأمم المتحدة، على أن يتم نقل الحوار إلى داخل ليبيا، في خطوة رمزية تشير إلى الاستعداد لبناء عوامل ثقة متبادلة والانفتاح على الحلول الممكنة، بتذليل واحدة من العقبات التي اعترضت حوار جنيف، نزولاً عند شرط "المؤتمر الوطني العام" الليبي للمشاركة فيه. إلا أن العديد من العقبات الجدية ما زالت قائمة، منها ما هو سياسي وأمني ومجتمعي، يستدعي حلها التوصل إلى حلول خلاقة تفرض على طرفي الصراع تقديم تنازلات كبيرة لإنضاج الحوار وتمخضه عن مخرجات متوازنة ومقتدرة.

كما تستدعي الحلول تدخلاً فاعلاً من الأمم المتحدة، لا يكتفي بتأمين مظلة للحوار، بل باقتراح عناصر تسوية وسط على أرضية مبدئية، مدعومة ومضمونة من قبل المجتمع الدولي، بأجندات عملية واضحة ومجدولة زمنياً، تتابع بإشراف مباشر وحثيث عن قرب، وتجتذب إلى جانبها أوسع شرائح المجتمع الليبي، الذي يعيش تناقضات بينية حادة، تجعله منقسماً على نفسه ولا ينظر بتفاؤل إلى الحوار الجاري بين طرفي الصراع السياسي والعسكري.

الهدف الرئيسي المعلن للحوار تشكيل حكومة توافق وطني تشارك فيها جميع الأطراف الليبية المتصارعة، كخطوة تأسيسية يناط بعدها بالحكومة العمل على تنفيذ مخرجات الحوار، بإعادة توحيد مؤسسات الدولة واستنهاضها وتمكينها، واستتاب الأمن، ووقف نزيف الاقتصاد وتحريك عجلته، ومعالجة الانقسامات المجتمعية بخلفياتها الجهوية والقبلية والإثنية والعرقية، التي باتت تهدد وحدة البلاد.

لكن النجاح في الوصول إلى تشكيل حكومة توافق وطني يمر بالضرورة عبر خلق عوامل ثقة، في أوساط المجتمع، بأنها ستكون قادرة على القيام بالأعباء الملقاة على عاتقها، وفي مقدمتها تطبيق عدالة انتقالية، وحصر السلاح بيد الدولة، وحل التناقضات المجتمعية والقضاء على ظاهرة التهميش بمختلف أشكاله المتعددة، وتحسين العلاقة مع دول الجوار والمجتمع الدولي.

أول امتحان سيواجه الحوار في جولته الثالثة، بعد نقله إلى داخل ليبيا، تأمين مكان انعقاده من الناحية الأمنية، فكل الأماكن التي رشحت لاستضافته تقدم ضمانات محدودة على هذا الصعيد، ورغم ذلك إذا ما توافرت النوايا الحسنة يمكن اختيار الأنسب منها، معبراً عنها بالاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار لتوفير بيئة مناسبة للحوار.

والامتحان الثاني اتفاق المتحاورين على أنه لا بديل عن الحل السياسي للصراع، والاستعداد لدفع تكلفته لتحصينه والمضي به قدماً، بتقديم تنازلات متبادلة، وإسقاط وهم الحلول العسكرية، التي أثبتت وقائع السنوات الثلاث الماضية من الاقتتال أنها مستحيلة.

أما الامتحان الثالث، ويبدو أنه الأصعب، فيتمثل بإشراك الجماعات المسلحة المعتدلة في العملية السياسية، وإلزامها بدعم تنفيذ مخرجات الحوار، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أي حل توافقي سيعني إنهاء دور هذه الجماعات، بعملية دمج لها في مؤسسة الجيش والأجهزة الأمنية، ستكون شاقة ومعقدة ومكلفة، ومن تبعاتها أيضاً مواجهة الجماعات المتطرفة.

والامتحان الرابع إيجاد حاضنة شعبية واسعة تؤيد الحوار، بخلق أجواء تبعث على التفاؤل بمستقبل واعد، في كنف دولة مواطنة تأخذ بمبادئ تكافؤ الفرص والمساواة، وتعمل على تنفيذها، بصرف النظر عن الهويات والانتماءات الفرعية، القبلية والجهوية والإثنية والعرقية.

وفي الامتحانات الأربعة يمكن لبعثة الأمم المتحدة، التي ترعى الحوار، أن تقدم الكثير، بإظهار اهتمام المجتمع الدولي بإيجاد تسوية سياسية للصراع العسكري في ليبيا، وعزمه على التعامل بحزم لإنجاح الحوار، ومن ثم المراقبة على تنفيذ مخرجاته، ومحاسبة من قد يتسبب في التعطيل. وتلعب دول الجوار دوراً محورياً على هذا الصعيد، غير أن عدم توحيد مواقفها وجهودها إزاء الأوضاع في ليبيا يضعف من هذا الدور ويشتته، وينعكس سلبياً على دور المجتمع الدولي.

وبالتأكيد لن تكون المهمة سهلة على طرفي الأزمة والوسيط الدولي ودول الجوار، بيد أن رحلة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى، فإذا ما انعقدت الجولة الثالثة من الحوار داخل ليبيا سيمثل ذلك تطورا إيجابياً، يؤشر إلى إمكانية نقل الصراع الليبي- الليبي من خانة العنف الدموي والمستشري إلى خانة تبريده، وتنفيس الاحتقان المجتمعي، وجسر الهوة بين المواقف السياسية والمجتمعية المتناقضة، في مسار البحث عن تسوية دبلوماسية، ومحاصرة المجموعات المسلحة المتطرفة.

 

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

 

 

 

 

 

 

 

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني