19 يناير 2015, 09:39

نار ثنائية السلطة تصل إلى القصر الرئاسي اليمني

  نار ثنائية السلطة تصل إلى القصر الرئاسي اليمني

اختطاف مدير مكتب الرئيس اليمني على يد مسلحين حوثيين طور أعلى من صراع ثنائية السلطة، وفتح معركة مأرب سيؤجج الصراع الجيوسياسي- المذهبي.

 

عامر راشد

أثارت عملية اختطاف عوض أحمد بن مبارك، مدير مكتب الرئيس اليمني، من قبل مسلحين تابعين لجماعة الحوثي، يوم السبت الماضي، وتبني الجماعة لما وصفته بـ(توقيف) بن مبارك، العديد من التكهنات إزاء تدهور العلاقة بين الحوثيين والرئاسة اليمنية، وانتقال صراع ثنائية السلطة في البلاد إلى مرحلة استخدام جماعة الحوثي أدوات خشنة ومباشرة للي ذراع الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتعطيل عمل الهيئة الوطنية للرقابة على مخرجات الحوار، حيث كان من المفترض أن تتسلم الهيئة من بن مبارك، الذي يشغل منصب الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني، مسودة الدستور اليمني الجديد لمناقشتها وإقرارها.

ويعترض الحوثيون على تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم في نص مسودة الدستور الجديد، بدعوى أنه يتناقض مع المادة العاشرة من "اتفاق السلم والشراكة"، الذي وقعته كل الأطراف السياسية، وأنه يقود إلى تفكك الدولة وتقسيمها، ويطالب الحوثيون بأن يتم الاكتفاء بإقليمين فقط، لكنهم أخضعوا الفكرة للمساومة خلال الأسابيع الماضية، من خلال الإيحاء بأنهم سيسحبون اعتراضاتهم عليها إذا عدلت حدود الأقاليم الستة، بإضافة مناطق إلى إقليم "أزال"، الذي يضم أتباع المذهب الزيدي في محافظات صعدة وعمران وصنعاء وذمار، لتوسيعه وإعطائه منفذاً بحرياً على البحر الأحمر، وجزءاً من المناطق الغنية بالنفط في محافظتي الجوف ومأرب الواقعة ضمن إقليم "سبأ" في التقسيم الإداري المقترح.

بدورهم يعترض مؤيدو الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، على نص في المسودة المقترحة يحظر على منتسبي الجيش الترشح لمناصب قيادية لمدة عشر سنوات من خروجهم من الخدمة، لأنه سيقصي أنصار صالح من الترتيبات السياسية الرسمية.

الحوثيون تمددوا من المناطق الخاضعة لهم تقليدياً للسيطرة على العاصمة صنعاء، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي، واجتاحوا العديد من المحافظات الأخرى، بتحالف مكشوف مع أنصار الرئيس السابق، وانتزعوا تنازلات كبيرة من الرئاسة اليمنية، بتعيين العديد من أتباعهم في مناصب سياسية وعسكرية وأمنية وحكومية رفيعة المستوى، وصدور قرارات لاستيعاب المقاتلين في ميليشياتهم داخل وحدات الجيش والأجهزة الأمنية، مما دفع ببعض القوى السياسية والحزبية إلى توجيه اتهامات للرئيس هادي بالرضوخ للحوثيين وتمرير أجندتهم، لتمكينهم من الهيمنة على مؤسسات الدولة ومقدراتها.

ويربط بعض المراقبين في العاصمة اليمنية بين اختطاف بن مبارك ومعلومات راجت خلال الأيام القليلة الماضية تحذر من انقلاب عسكري وشيك، يعمل عليه ضباط موالون للرئيس السابق للإطاحة بالرئيس هادي، فحادث الاختطاف يفتح معركة مباشرة مع مؤسسة الرئاسة، في إسقاط لخط أحمر أكده الحوثيون مراراً بإعلان أنهم لن يستهدفوا مؤسسة الرئاسة ولن يحدّوا من صلاحيات الرئيس، إذ يعتبر بن مبارك الساعد الأيمن للرئيس هادي، ورجل المهمات الصعبة، وفقاً لوصف المراقبين السياسيين في صنعاء، ورشحه الرئيس لتشكيل الحكومة واعتذر عن التكليف نزولاً عند اعتراض أنصار الحوثي عليه.

فتح الحوثيين المعركة مع الرئاسة يؤشر إلى أن الرئيس هادي وصل إلى أقصى حد ممكن من التنازلات التي يمكنه تقديمها للحوثيين. وفي قراءة عكسية، لما تؤشر إليه المعركة، يبدو أن الحوثيين استنفدوا شعار تحييد الرئيس ومؤسسة الرئاسة، وباتوا يتصرفون باعتبار الرئيس ومؤسسته عائقاً يحول دون استكمال بسط هيمنتهم على مؤسسات الدولة، وتثبيت هذه الهيمنة عبر تكريسها في مواد الدستور الجديد.

فضلاً عن أن إسقاط الخط الأحمر باستهداف مؤسسة الرئاسة قد يمهد ويغطي على فتح الحوثيين معركة على جبهة محافظة مأرب، مع ما ستعنيه المعركة من إثارة حساسيات جيوسياسية إقليمية- مذهبية، عبَّرت عنها حكومة المملكة السعودية بتوجيه تحذيرات من تمدد الحوثيين الشيعة داخل محافظة مأرب ذات الغالبية السنية، والمجاورة للحدود السعودية.

ولا يمكن إسقاط ثقل الدور الإيراني الداعم للحوثيين، والمؤثر في توجهاتهم وتكتيكاتهم، وهذا يندرج في سياق صراع جيوسياسي إقليمي صامت بين طهران والرياض، يشمل المواقف من الأزمات في اليمن وسوريا والعراق والبحرين ولبنان، وصولاً إلى إغراق السوق النفطية لتخفيض أسعار النفط كسلاح ضد الاقتصاد الإيراني. فهل وصل الصراع إلى ذروة تسخين الأزمة في اليمن؟

سؤال يطرح نفسه بقوة، فالانقلاب على الرئيس هادي، أو إجباره على الاستقالة، سيقوض العملية السياسية برمتها، وسيجر اليمن إلى مرحلة تفكيك بنية الدولة والتقسيم، بإدخال البلاد في وضعية فراغ دستوري، وانهيار مؤسسات الحكومة، التي لم يبق منها سوى سلطة اعتبارية معنوية لمؤسسة الرئاسة، تترنح اليوم بوصول نار ثنائية السلطة إليها.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

 

  •  
    والمشاركة في
 
البريد الإلكتروني