12:22 15 ديسمبر/ كانون الأول 2017
مباشر
    ن. ف. بودغورني في مصر

    "سبوتنيك" تبرز أهم المحطات في تاريخ العلاقات المصرية- الروسية

    © Sputnik. شينيكوف
    ثقافة
    انسخ الرابط
    0 11

    تسعى الدولة المصرية، في ظل قيادتها الجديدة، إلى العودة إلى دورها الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط والعالم، في العديد من القضايا الملحة والشائكة من خلال بروز توجهات جديدة في السياسة الخارجية، تتجه من خلالها مصر إلى تنويع علاقاتها الخارجية مع قوى دولية، وأبرزها روسيا، من أجل تعظيم الاستفادة من العلاقات الثنائية المشتركة وتحقيق المصالح المصرية.

     سبوتنيك — القاهرة — أحمد البنك

    وبينما تخطو مصر في مسيرة بنائها لتحالفات دولية تتلاقى مساعيها مع الجهود الروسية التي تركز فيها على بناء تحالفات جديدة واستعادة روابط وصداقات قديمة، وتحديدًا مع مصر، الدولة العربية الكبرى، ذات التأثير الفعال بمنطقة الشرق الأوسط وبوابة دول العالم للمنطقة العربية وأفريقيا، للاستفادة من رصيد طويل من  العلاقات المصرية الروسية والمحطات التاريخية والمشروعات المشتركة التي امتدت على مدى أكثر من 70 عاماً.

    العلاقات السياسية بين مصر وروسيا:

    بدأت العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفياتي ومصر في 26 أغسطس 1943. وشهدت العلاقات بين البلدين تغيرات جدية، كما تغيرت أولوياتها على الصعيدين الخارجي والداخلي.

    وتمت الخطوة الأولى للتعاون المصري الروسي في أغسطس عام 1948، حين وقعت أول اتفاقية اقتصادية حول مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب من الاتحاد السوفييتي، وشهدت العلاقة تطورات متلاحقة كان أبرزها بعد ثورة يوليو عام 1952، حين قدم الاتحاد السوفييتي لمصر المساعدة في تحديث قواتها المسلحة وتشييد السد العالي.

    وبلغت العلاقات الثنائية ذروتها في فترة الخمسينيات- الستينيات من القرن العشرين، حين ساعد الخبراء السوفييت مصر في إنشاء المؤسسات الإنتاجية، وبينها "السد العالي" في أسوان، ومصنع الحديد والصلب في حلوان، ومجمع الألومنيوم بنجع حمادي، ومد الخطوط الكهربائية أسوان — الإسكندرية.

    كانت مصر في طليعة الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ‏عام 1991.‏ وتطورت العلاقات السياسية على مستوى رئيسي الدولتين والمستويين الحكومي والبرلماني.

    وتسعى مصر لتعزيز وتقوية علاقتها مع روسيا في الوقت الراهن لعدم اهتمام الرئيس الأسبق مبارك بأي جهود لتعميق تلك العلاقات، حيث جاءت أول زيارة رسمية للرئيس الأسبق حسني مبارك إلى روسيا الاتحادية في سبتمبر/ أيلول 1997، وقام مبارك بزيارتين في عامي 2001، 2006، إلى روسيا، وأعدت خلالهما البرامج الطويلة الأمد للتعاون في المجالات كافة لإرساء مبادئ علاقات الصداقة والتعاون بين الجانبين. 

    وفي أبريل/ نيسان 2005، قام الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة مصر، وصدر في ختام المباحثات الثنائية بيان مشترك حول تعميق علاقات الصداقة والشراكة بين روسيا الاتحادية وجمهورية مصر العربية والذي يؤكد طبيعتها الاستراتيجية.

    ومثلت زيارة وزير الخارجية الأسبق نبيل فهمي إلى روسيا سبتمبر 2013، بداية فتح صفحة جديدة مع روسيا يتم فيها تعزيز وتقوية العلاقات بين القاهرة وموسكو، وتشكيل تحالف مشترك ضد الأخطار التي تواجه منطقة الشرق الأوسط.

    وفي فبراير/ شباط 2014، قام وزيرا الدفاع والخارجية المصريان بزيارة لروسيا. وقد أعلن المشير عبدالفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة "آنذاك" أن زيارته لموسكو بمنزلة انطلاقة جديدة للتعاون العسكري والتقني العسكري بين مصر وروسيا بما يصب في منفعة الدولتين.

    وفي أغسطس/ آب الماضي،  قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بزيارة لروسيا، عقد خلالها مباحثات ثنائية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استهدفت تدعيم العلاقات الثنائية بين البلدين في شتى المجالات.

    وشهدت المباحثات المصرية الروسية استعراضا لمجمل الأوضاع الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأوضاع في قطاع غزة، فضلاً عن ليبيا، وذلك اتصالاً بالتداعيات السلبية لتردي الأوضاع السياسية والأمنية على الحدود الغربية المصرية، إلى جانب الأوضاع في العراق، وضرورة الحفاظ على وحدته الإقليمية، وكذا الأزمة السورية، وأهمية التوصل إلى تسوية تحفظ وحدتها الإقليمية وتصون أرواح مواطنيها. كما بحث الجانبان مكافحة الإرهاب، حيث توافقت الرؤى حول أهمية تضافر الجهود، وتكثيف التعاون في كافة المجالات ذات الصلة بمكافحة الإرهاب، واتفق الجانبان حول أهمية قيام المجتمع الدولي بجهد جماعي لدحر الإرهاب والقضاء عليه. 

    الضعف الاستثماري

    اتسمت الاستثمارات البينية بين مصر وروسيا بالضعف، إذ تكشف الأرقام أن حجم الاستثمارات الروسية في مصر قد بلغ نحو 66 مليون دولار فقط بنهاية يناير 2013.

    وقد وصل إجمالي عدد الشركات الروسية العاملة في السوق المصري إلى 383 شركة تعمل بشكل أساسي في القطاع الخدمي كالسياحة والإنشاءات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتمويل، إضافة إلى القطاعين الصناعي والزراعي، لتحتل روسيا المرتبة 46 من حيث الدول المستثمرة في مصر، في المقابل، بلغ حجم الاستثمارات المصرية في السوق الروسي حوالي 7 ملايين دولار حتى نهاية 2012.

    تتركز الاستثمارات في قطاع الأخشاب التي يتم تصديرها لمصر، بالإضافة إلى بعض الاستثمارات العقارية. فمن ناحية، تمثل السوق الروسية الواسعة فرصة كبيرة لزيادة الصادرات المصرية وتحسين وضع الميزان التجاري.

    وليس أدل على ذلك من الزيادة الكبيرة التي حدثت لصادرات البطاطس المصرية لروسيا، والتي زادت كمياتها بنسبة تفوق 250% من 65 ألف طن عام 2007 إلى 237 ألف طن عام 2011،

    كما تعتبر منتجات الأثاث، والأسمدة، وزيت الزيتون، والأجهزة المنزلية، والأحذية والحقائب، والخضروات والفواكه، والرخام،  والسجاد، والسيراميك، وورق الطباعة، من المنتجات ذات الفرص التصديرية المرتفعة، حيث تستطيع السوق الروسية استيعاب كميات متزايدة من الصادرات المصرية التي يماثل الكثير منها بنود واشتراطات الاستيراد الروسي. 

    السياحة الروسية في مصر

    من المعروف أن روسيا هي أكبر مصدر للسياحة إلى مصر، حيث وصل العدد إلى ما يقرب من 3 ملايين سائح روسي في يناير2011/ كانون الثاني، من إجمالي 14.5 مليون سائح، أي ما يمثل نحو خمس أعداد السائحين الوافدين إلى مصر.

    ونتيجة التطورات السياسية خلال السنوات الأربع الأخيرة انخفض عدد السياح الروس في مصر؛ لذا اتخذت الجهات المسؤولة بمصر عدداً من الإجراءات منها قيام وزارة الخارجية بتنشيط الترويج السياحي لمصر في الخارج، حيث شارك الدكتور محمد البدري سفير مصر في موسكو في الاجتماع المشترك للوكالة الروسية الفيدرالية للساحية ووزارة الثقافة، والذي ترأسه وزير الثقافة الروسي بحضور رئيس الوكالة الفيدرالية للسياحة، وبمشاركة العديد من منظمي الرحلات السياحية في سبتمبر 2014، لمناقشة مشاكل السوق الروسي في السياحة الروسية للخارج، خاصة في ضوء عدد من المشاكل التي بدأت تؤثر على السياحة الخارجية الروسية.

    ونتيجة استقرار الأوضاع الأمنية في مصر كشفت رابطة وكلاء السياحة الروسية، أن مصر تظل الأكثر جاذبية للسياح الروس نظراً للخدمات السياحية المتميزة التي تقدمها مصر للسائحين الروس والتي انعكست في تزايد الحركة السياحية الروسية إلى مصر. 

    القمح الروسي

     من المعروف أن حجم التبادل التجاري بين الدولتين يغلب عليه عدد محدود من السلع، ممثلاً في بعض الصادرات المصرية من الفواكه والحمضيات التي يمثل البرتقال العنصر الرئيسي فيها، فضلاً عن كميات محدودة من البصل والبطاطس، ليصل إجمالي قيمة ما تصدره مصر، نحو 250 إلى 300 مليون دولار سنوياً، في حين تتخطى قيمة الصادرات الروسية لمصر ملياري دولار، وقد تصل أحياناً إلى 3 مليارات، نظراً لما تستورده مصر من القمح الروسي، الذي يشكل بندا رئيسيا في قيمة الواردات المصرية، ويدفع بشدة الميزان التجاري لمصلحة روسيا.

    توطين تكنولوجيا الصناعة الروسية بمصر

    يعد توطين تكنولوجيا الصناعات الهندسية والإلكترونية الروسية وغيرها من التكنولوجيات المتقدمة في مصر، أحد أبرز وأهم الملامح في العلاقة بين البلدين، ويأتي قرار تخصيص منطقة صناعية للجانب الروسي في برج العرب عام 2007، كانطلاقة مهمة لذلك، إلا أن الجانب الروسي لم يتقدم حتى الآن بمشروعات لإدخالها في هذه المنطقة الصناعية.

    وقد أكد الجانب المصري على استعداده لتخصيص قطعة أرض أخرى بنظام "المطور الصناعي" في برج العرب أو العاشر من رمضان، إلا أنه لم يتم تفعيل هذا الموضوع حتى الآن.

    وأخيرًا، هناك فرص سانحة أمام شركات التعدين الروسية للاستثمار في المشروع التعديني الضخم في جنوب شرق مصر على ساحل البحر الأحمر، والذي يعرف بـ"المثلث الذهبي"، فضلا عن إمكانية تكثيف الاستثمارات الروسية في قطاع الطاقة ولا سيما بناء محطات توليد الكهرباء، وهي فرص كفيلة بتطوير العلاقات الاقتصادية بين مصر وروسيا خلال المرحلة القادمة.

    كما أبدت روسيا استعدادها لصيانة المصانع المصرية التي سبق أن ساهم الروس في إنشائها في مصر، وبحث تمويل خطي المترو الجديدين، ومناقشة إنشاء صوامع روسية لتخزين القمح في مصر. 

    التعاون العسكري

    ساند الاتحاد السوفييتي مصر عسكرياً في فترات تاريخية مهمة، فقد كان للاتحاد السوفييتي الدور الأبرز والأهم في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية وتسليحها بعد نكسة 1967. وما حصلت عليه مصر من عتاد عسكري مكّن الجيش المصري من خوض حرب الاستنزاف، وحرب 1973 تحريرًا للتراب الوطني.

    ولم يتوقف التعاون العسكري بين البلدين منذ ثلاثين سنة، خاصة مع استمرار وجود 30% من الأسلحة الروسية لا تزال في الخدمة في القوات المسلحة المصرية.

    وفي أعقاب ثورة 30 يونيو توطدت العلاقات مع روسيا، مما يعكس دلالة واضحة أن القرار المصري لا يزال قادراً على تحقيق المصلحة المصرية بالدرجة الأولى، وأن الاتجاه إلى روسيا ليس معناه التبعية لها، وإنما هو قرار وطني خالص، لذلك حظي بدعم وتشجيع الشعب المصري. وهو ما عبر عنه وزير الخارجية السابق نبيل فهمي في تصريحه بأن مصر لا تستبدل أميركا بروسيا، لكنها تمد جسور التعاون مع الجميع. 

    الحضور الثقافي

    العلاقات المصرية الروسية علاقة قوية عميقة الجذور منذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر، عندما شهدت مصر، لأول مرة، نزوح أحد رواد الثقافة العربية والإسلامية هو الشيخ محمد عياد الطنطاوي، الذي بهره الأدب والثقافة الروسيان ليكمل حياته هناك، وفي عصر محمد علي في ثلاثينيات القرن التاسع عشر عندما اختار أربعة شبان مصريون من النابغين ليرسلهم في بعثة إلى سيبيريا لكي يدرسوا علم التعدين هناك.

    ولتقريب الصورة أكثر لا يمكن أن ننكر أن روسيا دولة لها تاريخ فني وثقافي كبير. ومن الدول التي وضعت بصمة واضحة في الأدب والموسيقى والسينما على مستوى العالم، وقد تأثر المصريون بالتجربة الروسية في الأدب مثل أعمال عظماء الأدب السوفييتي تولستوي، وتشيخوف، ودوستوفيسكي، وبوشكين.

    وفي الموسيقى، كان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر تستهويه بشدة سيمفونية شهرزاد للموسيقار الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف.

    وتؤكد كتابات عن الزعيم الراحل أنه كان مفتوناً بالعبق الشرقي لهذه السيمفونية الخالدة في تاريخ الفن الروسي والعالمي، وعمل موسيقي كهذا العمل الخالد يكشف عن تشابه في الذائقة والمزاج الشرقي بين الروس والمصريين.

    وعلي الجانب الآخر، وجد الخبراء الروس في مصر، بأعدادهم الكبيرة أثناء بناء السد العالي وسنوات حرب الاستنزاف، تفاعلا وحضورا مع تفاصيل الحياة المصرية وانخرطوا في جوانبها  الإنسانية والثقافية والتراثية، وتأثروا بتفصيلاتها وانغمسوا فيها لتبقى فترة وجودهم في مصر محفورة في ذاكرتهم، تعبيرا عن التلاحم والقرب الحضاري والإنساني بين الشعبين المصري والروسي.

    انظر أيضا:

    بوتين لرئيس تحرير«الأهرام»: ما يحدث في سوريا والعراق سببه التدخل الخارجي
    الإعلام الروسي: زيارة بوتين تفتح نطاقاً واسعاً لتعاون متعدد الجوانب بين موسكو والقاهرة
    مجتمع المال والأعمال المصري يترقب زيارة بوتين
    الصحف المصرية تبرز تفاصيل زيارة الرئيس بوتين للقاهرة وتنقلها من وكالة "سبوتنيك"
    الكلمات الدلالية:
    مصر, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik