Widgets Magazine
04:03 23 أغسطس/ أب 2019
مباشر
    الرئيس السوري السابق حافظ الأسد

    تفاصيل بحث لمستشار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد حول مصير إسرائيل بعد 10 شباط 2018

    © AP Photo /
    انسخ الرابط
    نواف إبراهيم
    نواف إبراهيم
    0 30

    قدم الدكتور جورج جبور، السياسي السوري المعروف، مستشار الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، بحثاً غاية في الأهمية بخصوص المتغيرات العالمية الحالية والتي نتج عنها متغيرات إقليمية ودولية تشكلت على إثرها نزاعات إقليمية ودولية خطيرة .

    موضحاً بشكل دقيق يعتمد على وقائع وأحداث تاريخية وقوانين ومقررات دولية سلبية وإيجابية رشحت عن هذه المتغيرات لاحقاً على منطقة الشرق الأوسط والعالم ككل لا تنذر بالخير على المدى المنظور بفعل جشع سياسات السيطرة وفقاً لمصالح وأجندات خاصة.

    وقد أضاء الدكتور جبور في بحثه كثير من المراحل التاريخية خلال العقود الماضية والتي كان لها أثراً كبيراً في التحولات العالمية الجيوسياسية والاقتصادية والجغرافية وحتى الديموغرافية، وركز الدكتور جبور في بحثه على الحالة الإسرائيلية في المنطقة منذ نشأتها وحتى الوقت الحالي كونها تشكل نقطة خلاف محوري وجوهري تهتز وتهدأ المنطقة بناء على حسن أو سوء العلاقة معه لجهة أي خطر يحدق بمستقبل هذا الكيان.

    ويسقط الدكتور جبور ترتيبات وتقاطعات الفعل السياسي الناشىء على الحالات المستجدة إقليمياً ودولياً وخاصة الفعل السياسي بالرغم من عدم وضوحه على المتغيرات الحالية سياسياً وميدانياً وجيوسياسياً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية المستجدة بإستعراضه التاريخي لبناء الرؤى المستقبلية المعتمدة على نتاجات صراعات الوقت الحاضر والتي بدأت مرحلتها الجديدة بعمليات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير تحت مسمى "الربيع العربي" والذي كان من شأنه أن يكون المحرك الأساس لعملية المتغيرات اللازمة أو المطلوبة في هذه المرحلة وفق مخطط دقيق جداً لا يأخذ بعين الإعتبار الأخطار التي تحدق بالأمن والسلم العالميين وفي منطقة الشرق الأأوسط على وجه الخصوص طبقاً للمصالح الخاصة للدول التي شاركت في وضع وتنفيذ هذا المخطط التدميري والذي إتضح أن أحد أهدافه كان وبشكل قاطع حماية مصلحة الأمن القومي الإسرائيلي وتمدد كيانه على حساب إنهيار عدد من دول المنطقة بفعل الأحداث الجارية تحت شعارات واهية تنادي بالحق لشعوب المنطقة الذي يراد منه الباطل بشكل مخالف لكل القوانين والشرائع الدولية بشكل الخاص والعام.

    وعلل الدكتور جبور التساؤلات التي باتت تبحث لنفسها على أجوبة لكثير من الإحتمالات التي قدمها الظرف المستجدة  بعد 10 من شباط 2018 يوم إسقاط طائرة إف 16 الإسرائيلية ، وأهمها حول بقاء الكيان الإسرائيلي من عدمه في المستقبل ببعديه القريب والمتوسط  ، وهل ستدوم وإلى متى تدوم وماهي عوامل ديمومتها ، والعوامل الأخرى التي قد تؤدي إلى زوالها ، مسقطاً الأحداث التاريخية وتشابكاتها المعقدة منذ نشأة إسرائيل وصولاً إلى المحطات الراهنة المليئة بالتخبط والعبث والضياع من أصحاب المشروع ذاته وأذرعهم وأتباعهم وجيوشهم البديلة المكلفة بتنفيذ المخطط على الأرض في المنطقة ككل.

    بعد هذه المقدمة نقدم لكم نص البحث الذي قدمه الدكتور جورج جبور بهذ الصدد:  

    مستقبل إسرائيل:

    مقاربات متعددة مع تركيز خاص على مقاربة علم الاستعمار الاستيطاني المقارن

    الأستاذ الدكتور جورج جبور، رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة، رئيس الجمعية السورية للعلوم السياسية (قيد التأسيس)، عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية في بيروت ودمشق، وعضو المؤتمرين القومي العربي والقومي-الإسلامي؛ وسابقا: مستشار رئاسي وعضو مجلس الشعب.

    أولا-- مقدمات: هدف البحث وخطته.

    ثانياً — الدراسات المستقبلية: مبرراتها وحدودها.

    ثالثا — مقاربتان متداولتان لمستقبل إسرائيل:

    1-  الحتميات اللاهوتية

    2- الإحتمالات السياسية

    رابعاً — مقاربة علم الاستعمار الاستيطان المقارن.

    خامسا —الأمم المتحدة الاستعمار الاستيطاني: من شرعة حقوق الإنسان الى قرار الجمعية العامة رقم 3379 إلى قرار مجلس الأمن رقم 2334.

    سادسا: نظرة ختامية.

    أولا- مقدمات: أسئلة البحث وخطته:

    منذ ولدت اسرائيل  في عام 1948  وسؤال المستقبل يلاحقها: هل ستدوم؟ كم من السنوات ستدوم؟  ما العوامل التي ستؤدي إلى ديمومتها والأخرى التي ستعمل على زوالها؟

    ولا ريب أن هذه الأسئلة المترافقة مع ولادة إسرائيل إنما هي ناتج طبيعي لشعور عام مؤداه أن ولادة إسرائيل  لم تكن طبيعية. يضاف إلى الشعور العام المستقر اصطناعية الولادة ، عامل ثان ناتج عن ظروف التطور. فمنذ قامت إسرائيل وهي تعتدي وتتوسع. وقد أحسن من  وصفها بأنها غدة سرطانية.

    يحاول هذا البحث  الإجابة عن الأسئلة السابقة في ضوء المعطيات المتوافرة وقت الكتابة التي ابتدأت  يوم العاشر من الشهر الأول من عام 2018.من أجل بلوغ الهدف فسوف أتناول  مبررات الدراسات المستقبلية وحدودها ، مقاربتين مختلفتين  لمستقبل إسرائيل ، ثم أنتقل إلى التعريف بما أدعوه علم الإستعمار الإستيطاني المقارن ، لأخلص إلى محاولة قراءة مستقبل إسرائيل بمقتضى هذا العلم. ولا ريب أن  الوقوف مع مكان الأمم المتحدة في تقرير مستقبل إسرائيل، ولاسيما على ضوء علم الإستعمار الإستيطاني،  أمر واجب إذ أن أسرائيل إنما ولدت من رحم التنظيم الدولي في عملية بدأت عام 1922. وأختم البحث بنظرة ختامية  .

    ثانيا — الدراسات المستقبلية: مبرراتها وحدودها:

    للدراسات المستقبلية تاريخ عريق يبتدئ مع بدايات البشرية  وترسخ لا ريب مع الديانات التوحيدية، ولاسيما المسيحية والإسلام. في الرسائل تحذير من تحديد موعد لقيام الساعة وفي القرآن الكريم ما يماثل ذلك. وفي القرآن الكريم أيضا نظر مستقبلي في موضوع الروم  فهم"من بعد غلبهم سيغلبون".

    وفي العصور الحديثة  استشرافات  مستقبلية مبنية على معطيات واقعية. من ذلك مثلا ما توقعه توكوفيل الفرنسي ، منتصف القرن الثامن عشر، من أنه من المستحيل جعل الجزائر فرنسية. كتب ذلك في وقت كان تطلق فيه فرنسا على الجزائر تسمية  " فرنسا ما وراء البحار". كذلك من توقعات المفكر نفسه ما ذكره من أن قطبي العالم سيكونان أمريكا وروسيا. بنى توقعه على ما لدى الدولتين من إتساع أراض ومن ثروات طبيعية.

    وفي القرن العشرين  إنتشرت مراكز الأبحاث المستقبلية  ولاسيما في أمريكا والغرب بعامة. ومع تقدم العولمة في القرن الحادي والعشرين أصبح " علم المستقبل" واحداً من ركائز الحياة المعاصرة بدءاً من توقعات مستقبل  سوق سلعة معينة ، إلى حسابات  ما  ينتج عن تقاطع فعاليات زرين نووين يهيمن عليهما زعيما كوريا الديمقراطية  والولايات المتحدة الأمريكية. ولنتذكر  أنني أكتب في فورة " النار والغضب" التي أطلقها كتاب وولف عن الرئيس ترامب.

    مبررات الدراسات المستقبلية كثيرة وأولها شوق الإنسان إلى معرفة ما يخبئه له الغد. ويغذي هذه الدراسات التقدم العلمي الكبير الذي تخوض غماره البشرية. إلا أن حدود هذه الدراسات كثيرة أيضا. فإذا كان من السهل  توقع التطورات الديموغرافية مثلا فمن الصعب توقع أن يكون يوما بعينه، هو يوم 11 أيلول 2000،  موعداً لتنفيذ أعمال إرهابية  هي  الأعظم حجما في أمريكا ومن قبل مجموعة  استقر الرأي الرسمي  على أنها غير أمريكية.

    وقد لاحظت منذ أوائل العقد السادس من القرن العشرين، وكنت أنذاك أتابع الدراسات العليا  في أمريكا وقد أوفدتني إليها جامعة دمشق، ، أن العلوم السياسية تتجه إتجاها رياضيا  تحت عنوان:" البوليتيكومتريكس"، متابعة في ذلك  علم الإقتصاد الرياضي:" الأيكونومتريكس". وما تزال مراكز الأبحاث الإستراتيجية تتابع التطور في هذا الإتجاه ، وتتابع أيضا ، وفي الوقت نفسه، الرصد والتقييم التقليديين للظواهر السياسية بما فيها من " حدس " شخصي.

    في الدراسات  السياسية المستقبلية شيء من عدم   الدقة العلمية نتيجة عدم القدرة على ضبط كل عوامل  الفعل السياسي. وهذا أمر مفهوم. إلا أن عدم الدقة ليست مسوغاً  للإبتعاد عن  محاولة رؤية المستقبل. وتبقى الرؤية  إحتمالية تقريبية في كل حال. ولا يدعي هذا البحث لنفسه  علمية  تتجاوز الإحتمال  والتقريب.

    ولعلي في ما أحاوله اليوم إنما أحاكي ما قام به مؤرخ جنوب أفريقيا الابيض، أرثر كبل-جونز الذي جعل لكتاب  نشره آواخر الأربعينات، أوائل سنوات الأمم المتحدة و بعد إستيلاء حزب  الأبارتايد على الحكم،  جعل  لكتابه عنواناً مثيراً في غرابته:

    " تاريخ جنوب إفريقيا  من عام 1952 إلى عام 2010، نشر لأول مرة عام 2015".

    في الكتاب تنبأ المؤرخ بإنتهاء حكم الأبارتايد ، لكنه أجل نهايته إلى ما بعد عقدين تقريبا من نهايته الفعلية. ما هو ثابت في فكر ذلك  المؤرخ الكبير ،  الذي يحظى بإحترام وافر، إيمانه بـأن ذلك النظام الظالم ، نظام الأبارتايد(الفصل العنصري) زائل  لا محالة.

    ثالثا: مقاربتان متداولتان لمستقبل إسرائيل: الحتميات اللاهوتية والاحتمالات السياسية:

    تحفل الأدبيات المتداولة بشأن مستقبل إسرائيل  بحتميتين لاهوتيتين ، واحدة إسلامية والثانية يهودية.

    معظم القائلين بحتمية إسلامية في ما يتعلق بمصير  اليهود يعتمدون في قولهم  على أن القرآن الكريم  أوضح ذلك في الآية الرابعة من سورة الإسراء.

    لكن هذا لا يعني  أن كل المسلمين يؤيدون  الفكرة التي تقول بأن مستقبل  اليهود هو التتبير أي الدمار.  واحد من المسلمين يرى في القرآن الكريم إشارة الى حق لليهود في فلسطين فقد وعدهم الله بها. هذا الواحد هو الإعلامي الكويتي عبد الله الهدلق  ،ولا يذكر رأيه أحد إلا في معرض استنكاره. وثمة مسلمون عديدون لا يأخذون  بالتفسير الحرفي  لتلك الآية الكريمة أو لغيرها.

    أما القائلون بحتمية لاهوتية يهودية  بشأن مستقبل إسرائيل  فيرون في بعض الكتابات التوراتية ما يثبت وجهة نظرهم. فأرض فلسطين  لليهود بموجب وعد إلهي. ولنلاحظ  أن تصريح بلفور لم يشر إلى مبرر إعطاء اليهود حقا في فلسطين رغم وضوح الجذر الديني فيه. وحين أقرت عصبة الأمم صك الإنتداب على فلسطين عام 1922 جعلت المبرر تاريخياً ولم تذكر أي مبرر ديني لأن العصبة علمانية. إلا أن الحكومة البريطانية في 23 نيسان 2017 وفي معرض إعلانها عدم نيتها الإعتذار  عن تصريح بلفور ذكرت أن التصريح  مبرر تاريخياً ودينياً. في بلادنا اليوم إفصاح أوضح عن العلمانية  تظهره أحيانا بعض التصريحات الرسمية. مع ذلك لم يقم أحد بتنبيه الحكومة البريطانية إلى أن التبرير الديني لتصريح بلفور كان أحد الأسباب التي أسهمت في تعميق التطرف  -- بل الإرهاب — التكفيري.

    وتبقى فكرة الوعد الإلهي متداولة  دينياً، وخادمة مخلصة  للاستغلال السياسي  في إسرائيل خاصة رغم أنها  مرفوضة علمياً وعلمانياً.

     ولنلاحظ  أن الوعد الإلهي لا يعني أن كل اليهود أو أن كل الصهاينة  ومن معهم يؤيدون الفكرة التي تقول بأن إسرائيل الحالية الراهنة هي التي أوصت التوراة  بإنشائها.  المدى الجغرافي للوعد  الإلهي موضع جدل مستمر. ثمة إختلافات جذرية في هذا الموضوع بين الصهاينة.

    هل يتزايد أنصار القائلين بحتمية لاهوتية إسلامية؟  من الصعب تأكيد ذلك. إذ بينما تنتشر دعوات تكفير  اليهود —- ومعهم النصارى أحياناً —  لدى  بعض الجهات الإسلامية ، فإننا نلاحظ أن هذه الجهات منشغلة  عملياً بمحاربة المسلمين  والمسيحيين وكأنها لا ترى في التوسع الصهيوني ما يوجب عليها الإنشغال بمحاربته. غدا النص الديني لدى كثير من هذه الجهات مبرراً لأعمال  إرهابية  موجهة إلى الداخل العربي والإسلامي ، وليست موجهة إلى إسرائيل واليهود. عند هذه الجهات ينبغي إصلاح البيت أولا. وإذ يتعمق الضعف العربي والإسلامي العام ، فمن الممكن الجزم بأن القائلين بحتمية لاهوتية إسلامية مقيمون في حالة كمون يمليها الضعف.

    في كل حال، وإذا أخذنا بالقول المتداول من أن التطرف يولد التطرف، فانه يصح  التفكير بان تصاعد نفوذ انصار الحتمية اللاهوتية  اليهودية سوف يؤدي ، في الأرجح، الى تصاعد نفوذ أنصار الحتمية اللاهوتية  الاسلامية. لكن التطرف عند طرف قد لا يولد تطرفا عند الطرف الآخر. قد يولد التطرف عند طرف قوي لينا لدى الطرف الآخر  الضعيف،  لينا قد يتحول الى رضوخ يصح ان تتم  فلسفته على أنه مجسد لإرادة الهيئة توصي بالجنوح إلى السلم.

    ولا ينتهي حديث الحتميات اللاهوتية الى نتيجة مقبولة لدى الجميع، لكن للمؤمن  بحتمية لاهوتية لدى الطرفين مسافة امان. الحتمية التي يؤمن بها ستفرض نفسها على الارض ولكن  ليس  الآن بالضرورة، بل في مدى زمني غير محدد. الزمن اللامتناهي مسافة امان. ويبقى غامضا مستقبل اسرائيل  المنظور بمقتضى  مقاربة الحتمية اللاهوتية.

    ماذا عن  مستقبل اسرائيل في مقاربة  الاحتمالات السياسية؟

    تتنوع المشاهد بحسب هذه المقاربة. اكتب بعد لحظات من قراءة كلمة تشبه الانذار لصديق اقدره يحذر بها من قمة الرياض العربية القادمة الينا قريبا. قضية فلسطين التي يرى كثيرون انها تصفى على مراحل، قد تأتي قمة الرياض لتصفيها بالكلية اذ  هي موعد صفقة العصر كما يقال.تلك هي وجهة نظر الصديق كما فهمتها. يدعم أصحاب هذا المشهد رؤيتهم   باقبال عدة انظمة عربية على اقامة علاقات مع اسرائيل  وعلى توطيد تلك العلاقات أن سبقت اقامتها.

    وثمة وجهة نظر يمكن ان يقال انها تتناقض مع المشهد السابق. مؤدى وجهة النظر هذه   — ومؤيدوها كثر وانا منهم  --   ان قضية فلسطين اصبحت قضية الانسانية جمعاء ولن يهدأ للانسانية بال الا اذا وصل الفلسطينيون الى حقهم مع بعض التنويعات في تفاصيل هذا الحق. ولدعم هذا المشهد يسوق أصحاب وجهة النظر هذه  ادلة تظهر تصاعد قوة القضية  حتى ضمن دوائر التنظيم الدولي الذي كانت منها بداية الاجرام بحق الفلسطينيين عام 1922 حين تبنت عصبة الامم صك الانتداب متضمنا  تصريح بلفور. من أمثلة تصاعد قوة القضية انسحاب  امريكا واسرائيل من اليونسكو. ومن امثلتها ان قرارا تحت  الباب السابع من الميثاق قد صدر عن الجمعية العامة في دورة استثنائية بصفتها صاحبة قرار مساو في قوته  لقرار من مجلس الأمن ، وصدر بأغلبية كبيرة. وقبل ذلك كان القرار بشأن القدس في مجلس الامن حيث انفردت أمريكا  بحق نقضها مجابهة كل الدول الاعضاء الاخرى. وليس في علمي ان ايا من الاستعمالات الروسية لحق النقض في الشأن السوري  شهد روسيا منفردة في مجابهة مماثلة. كان لروسيا دائما في استعمالاتها لحق النقض من يؤيدها من أعضاء المجلس الآخرين.

    المشاهد متنوعة ومتناقضة ، والسياسة الدولية كما نعلم  قلب ملاى بالمفاجآت. هي علم وتآمر  معا. هي  حسابات موضوعية وهي تفاعلات حدس وهاجس ونرجسية معا.  من كان من العرب أو غيرهم يتنبأ بان الرئيس السادات سيقوم بما قام به في 19/11/ 1977 من زيارة الى اسرائيل؟ من كان يتنبا ان اغتيال رابين سوف يعزز الاتجاه الديني اليميني في اسرائيل بدلا من تقويضه؟

    ليس للاحتمالات السياسية ضوابط  يمكن أن ترشدنا إلى ما سيكون عليه مستقبل اسرائيل. وتتاقلم المقاربة  الدينية في كثير من الأحيان مع مفاجآت مقاربات الاحتمالات السياسية. فهناك من قال بعد هزيمة 1967 العسكرية ان الاسرائيليين تمسكوا بدينهم فانتصروا. اما  نحن فقد هزمنا لأننا ابتعدنا عن الاسلام. كذلك تتأقلم معها الدراسات الاسترجاعية  فتجعل — مثلا — من زيارة السادات الى القدس امرا متوقعا. تجعله كذلك ، لكن ليس قبل ان  يحدث، بل بعد ان حدث. اما " بطل " المفاجآت السياسية وقت الكتابة فهو الرئيس ترامب وما أثار من نار وغضب.

    باختصار: ثمة في علم المستقبل  السياسي احتمالات تحاول الحواسيب محاصرتها ، الا ان السياسة، وهي اختيار انساني ، تبقى طليقة  الى حد لا بأس به، متمردة على علم السياسة الرياضي ، خاضعة للحدس بل للهوس وللحسابات الشخصية. ويبقى عليّ أن أتجاوز القول السابق إلى نقيضه   فأتابع: وسيستمر مع ذلك  علم السياسة الرياضي في محاولته ترويض ما يصعب ترويضه.

    رابعا: مقاربة علم الاستعمار الاستيطاني المقارن:

    إنتقال الأفراد أو الجماعات من مكان لآخر ظاهرة عرفتها البشرية منذ القدم. وتتنوع أسباب الانتقال فقد تكون اقتصادية او دينية او غير ذلك. وليس بالأمر المتنازع فيه أن تشكلات الدول الحالية في كثير منها انما تجسد حالات انتقال سكاني.  الا ان الظاهرة الأهم تاريخيا في موضوع الاستيطان هي تلك التي عرفها العالم أثر الاكتشافات الجغرافية في القرن الخامس عشر. وبما ان الاستيطان في المناطق المكتشفة حديثا إنما قامت به القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك ، فمعنى ذلك  ان استعمارها  لتلك المناطق لم يكن بقصد الاستغلال الاقتصادي فقط بل كان بقصد الاستيطان.  من هنا يمكن القول  ان " ثمة حالة استعمار استيطاني  في كل مرة حدث فيها ، في العصر الحديث، ان قام غرباء ، هم في الاغلبية أوروبيون، باستيطان قطر معين او ارض معينة لا تخصهم ، وحيث جاء هذا الاستيطان  نتيجة التاييد الضمني او العلني للنظام والقوى السياسية الاوروبية ،  وحيث أخذ المستوطنون،  بعد توطيد استيطانهم  ، بممارسة السلطة فوق ذلك القطر او تلك الارض ، وفوق من كان أو لا يزال في ذلك القطر او تلك الارض  من سكان اصليين ". (من دراسة لصاحب هذه الاسطر في المجلة المصرية للقانون الدولي ، مجلد عام  1971 وعنوانها" الطبيعة العنصرية للاستعمار الاستيطاني  والمسائل القانونية الناجمة عنها").

    أما علم الاستعمار الاستيطاني المقارن فهو تلك المقاربة  العلمية التي تدرس التجارب المتعددة للاستعمار الاستيطاني وتحاول استخلاص قواعدها الثابتة. ونعلم بالطبع ان كلمة "علم" لها معنى دقيق في حالة العلوم الاساسية  ،ولها معنى اقل دقة حين  يختص الأمر بالعلوم الاجتماعية، وعلم الاستعمار الاستيطاني واحد منها.

    أساس هذا العلم  مقارنة اسباب انتقال المهاجرين من بلادهم واساليبه الى بلاد الاستيطان  في ظل قوة استعمارية مهيمنة ، وفي ظل شعور  بالتفوق الذاتي،  العنصري او الديني في الغالب،  ثم  مقارنة تفاعل المستوطنين مع السكان الاصليين في ظل تلك القوة، ثم مقارنة نظم التفرقة العنصرية والتمييز  العنصري التي يقيمها المستوطنون بعد تشكيلهم كيانا سياسيا مستقلا.ثم مقارنة  مستقبلات النظم الاستيطانية.

    وبالطبع ثمة تمايزات  في كل حالة من حالات الاستعمار الاستيطاني.  بعض تجارب الاستيطان لم تصل الى مرحلة يشكل فيها المستوطنون كيانا مستقلا كحالة مستوطني الجزائر. وبعضها كان للتنظيم الدولي دور أساس في أحداثه كاسرائيل، بينما كان لهذا التنظيم نفسه دور في القضاء عليه ، كما في حال جنوب روديسيا وافريقيا الجنوبية.

    كذلك علينا ملاحظة  ان الاستعمار الاستيطاني يتميز  عن الاستعمار التقليدي  بثلاثية العلاقة التي تحكمه. في الاستعمار التقليدي طرفان: المستعمر بالكسر والمستعمر بالفتح. في الاستعمار الاستيطاني طرف ثالث هو المستوطن. المستعمر بالكسر هو من اتى بالمستوطن اساسا، الا ان تزايد عدد المستوطنين يولد لهم مصالح تختلف عن مصالح الدولة الاستعمارية. الطرفان يضطهدان السكان الاصليين، الا ان اضطهاد  المستوطنين للسكان الاصليين أعتى وأشد. لماذ؟ لان الدولة الاستعمارية لها حضور دولي فيه شيء من  الحرص الاخلاقي على تواضعه. أما المستوطنون فهم قوة داخلية في المكان الذي يمارس عليه الاستيطان ، وهذا الانحصار في الداخل يحجب عنهم ضغوط الخارج. في الاستعمار الاستيطاني كثيرا ما يلوح للسكان الاصليين ان العدو هو المستوطن. اما الدولة الاستعمارية التي هي من سمح  بالاستيطان بل شجعته، فانها تبدو أحيانا  -- بل بالضرورة —  كانها حكم بينهم وبين المستوطنين.

    لعلم الاستعمار الاستيطاني هذه الخصيصة التي تميزه. من اساسياته التركيز على العلاقة الثلاثية  واستنطاقها. ورغم أن هذا العلم  لم يكن غائبا في تاريخ تطور العلوم  الاجتماعية، الا انه لم يجتذب كثيرا من الاهتمام.

    وتدلني المتابعة  التي استطعت القيام بها على إمكان القول بان علم الاستعمار الاستيطاني ازدهر بدءا  من الستينات. وفي قولنا " ازدهر" شيء من المبالغة. فالحقيقة الجارحة أن هذا العلم الموجود في أرض الواقع ، والذي يبحث عمن يدعمه، لم يجد من يتعاطف معه بجدية  في الأكاديميات الكبرى التي تصنع العلم،  ونعني بها اساسا الأكاديميات الغربية. وسبب عدم التعاطف الجدي مع هذا العلم  غياب  المصلحة في التعاطف معه. وهكذا نجد علم الاستعمار الاستيطاني مبعثرا في حقول اكاديمية متعددة  لكل حقل منها عنوانه الخاص.

    ولننظر: العنوان الابرز للاستيطان في امريكا يدرس تحت عنوان الاكتشافات الجغرافية. والعنوان الأبرز للاستيطان في الجزائر يدرس تحت عنوان سياسة فرنسا الاستعمارية. بينما يدرس الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين  تحت عناوين عديدة منها اللاهوتيات  اليهودية والمسيحية.

    واتى ازدهار علم الاستعمار الاستيطاني في  الستينات  ضمن ونتيجة اجواء سياسية ملائمة.  فقد ابتدأ ذلك العقد   باصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 1514 الذي يعلن حق الشعوب في استقلالها ،  وتتابعت فيه احداث تحررية  وسياسية  ذات اثر  مثل استقلال الكونغو  بقيادة لومومبا ،  و نجاح الجزائر في التحرر من الاستعمار الفرنسي ، وقيام منظمة التحرير الفلسطينية واصدارها الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1964، واعلان ايان سميث الاستقلال المنفرد عن المملكة المتحدة  والذي قال الرئيس عبد الناصر في وصفه بأنه يماثل ما قام به الصهاينة في فلسطين،  وترافق كل ذلك مع ما نتج عن الاحتلال الاسرائيلي في حزيران 1967 من سياسة اضطهاد للفلسطينيين  ثم من سياسة توسع استيطاني، ، وترافق ايضا مع  توسع تمثيل الدول الافريقية في الامم المتحدة، وتصاعد النضال في الاقطار الجنوبية من أفريقيا ضد العنصرية ، وعقد مؤتمر عدم الانحياز في الجزائر (ايلول 1973)  قبل أسابيع قليلة من حرب تشرين ، وتوج ذلك كله بحرب تشرين التحريرية وقمة نجاحاتها  الدبلوماسية  اصدار الجمعية العامة للامم  المتحدة في 10 تشرين الثاني 1975 القرار رقم 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية. ولن انسى ان اذكر لعام 1960 ان الرئيس عبد الناصر حين القى خطابه في الامم المتحدة  ذلك العام انما القاه بالعربية ، وهكذا فقد طرقت الضاد  العربية اسماع العالم ، مؤقتة  بزمن عربي بدا  إذ ذاك قادما.

    في تلك الاجواء  تصاعد الحديث  عن ظاهرة الاستعمار الاستيطاني. وبدأت سلسلة مقارنات سريعة بين  تجارب الاستعمار الاستيطاني المختلفة. وفي تلك الاجواء وبفضل مركز الأبحاث الفلسطينية في  بيروت، متضامنا مع جامعة الخرطوم في السودان، صدر في الخرطوم وبيروت معا، في آب 1970 ،  كتاب   بالانجليزية لصاحب هذه الاسطر ،   يرسم ملامح  علم الاستعمار الاستيطاني ، مركزا على تجارب ثلاث، كانت ذات أهمية راهنة سياسيا آنذاك ، هي تجارب جنوب أفريقيا وفلسطين وروديسيا الجنوبية. اسم الكتاب:

    Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East

    وبعد عام وبضعة أشهر  وجهت سورية رسالة رسمية إلى جامعة الدول العربية  تحثها بها على تنفيذ مشروع وضعه مؤلف الكتاب و  تبناه الرئيس حافظ الأسد بإنشاء " مؤسسة  لدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن في العالم".

    ومن الممكن تلخيص علم الاستعمار الاستيطاني استنادا إلى جدول محتويات الكتاب آنف الذكر كما يلي:

    ثمة في البداية اجواء الاستعمار والامبريالية،   وثمة من  ضمنها ، مستوطنون  يستبطنون العنصرية الحضارية  و / أو الدينية  ، وفي أحيان كثيرو يجاهرون بها ، يبحثون عن وثيقة تعطي استيطانهم شرعية  من دول الاستعمار والامبريالية  التي يدركون انها تتعاطف معهم.  تبلورت الوثيقة المنشودة في التجارب الثلاث ، في اعلى مراحلها، تبلورت في  الميثاق الذي منحته بريطانيا لسيسيل رودس ،  وفي الدستور المؤسس لاتحاد جنوب افريقيا، وفي تصريح بلفور.

    على اساس هذه الوثائق توغل المستوطنون باساليب مختلفة في داخل الأراضي المستوطن عليها ، مصطدمين ، بعلوية، مع السكان الأصليين ، مصدرين في الوقت ذاته وبالترافق مع التوغل ، قوانين وانظمة تقيد حركة المواطنين الاصليين ، حتى إذا فشلت تلك القوانين والانظمة في هدف إخضاع المواطنين الأصليين كانت القوة العارية في مواجهتهم هي الملجأ الأخير، متجاوزة قوانينهم وانظمتهم العنصرية بالذات.

    ثم يتقدم علم  الاستعمار الاستيطاني ليدرس ردود الفعل على الاستيطان محليا — اي وطنيا — وإقليميا ودوليا. ويخطو بعد ذلك خطوة اخرى فيتبين نظرتين للمستقبل رؤيتين للمستقبل: واحدة للمستوطنين  أساسها التفوق ، وثانية للسكان الاصليين اساسها العدالة ، بما في العدالة من سمو أخلاقي إزاء من يسمون أنفسهم متفوقين. هذا ويمكن الاطلاع على مزيد من التفصيل عن العلم المقترح وعن مفردات مقرر عن الاستعمار الاستيطاني  ضمن بحث قريء في ندوة مرافقة للمؤتمر الثاني الذي عقدته الجمعية العربية للعلوم السياسية ، اواخر كانون الثاني اوائل شباط 1987، نشر في كتاب لي بعنوان:" نحو علم عربي للسياسة" (دمشق، الادارة السياسية للجيش، ط. /3/ ، 2009).

    ومن الجميل ان محاولة  الكتاب — الأساس ، أي الكتاب بالانجليزية ، الصادر عام 1970 ، توليد علم الاستعمار الاستيطاني  لقيت أصداء حسنة من قبل عديد من الاختصاصيين على الساحتين العربية والدولية من  بينهم لجنة الخبراء التي أنشأتها جامعة الدول العربية  لبحث ما تبناه  الرئيس الاسد ،  ومن بينهم  ايضا سيد يس وعلي الدين هلال ومحمد صفي الدين ابو العز وعبد الوهاب المسيري  ومحمد خالد الازعر وريتشارد ستيفينز وجيمس زغبي وغيرهم كثير.  كذلك احدثت جامعة الخرطوم مقررا خاصا عنوانه" الاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا وفي الشرق الاوسط"   —  معتمدة حرفيا عنوان الكتاب —  . كذلك  قررت لجنة اكاديمية في معهد الاستشراق بموسكو ، برئاسة بريماكوف، ترجمة الكتاب الى الروسية.كان ذلك عام 1981 ،  وليس في علمي ان القرار قد نفذ. وكما علمت، فقد اوكل امر ترجمته الى الاستاذ  جورج عويشق، الباحث والسياسي السوري الذي انتقل الى رحمة الله قبل إكمال العمل.

    كانت المدة منذ بداية الستينات وحتى منتصف السبعينات  هي المدة الزمنية الانسب سياسيا لانضاج علم الاستعمار الاستيطاني. ففي عام 1975 كانت اتفاقية سيناء الثانية ثم كانت زيارة الرئيس السادات الى القدس. أخذت الأمور تسير ، في مستوى السياستين العربية والعالمية، باتجاه محاولة تذويب التناقض في فلسطين  بين المستوطنين والسكان الاصليين لصالح  الاقرار بتفوق المستوطنين. ولم يستطع استقلال زيمبابوي وتصاعد النضال في جنوب افريقيا ممارسة تأثير ايجابي عربيا وعالميا لصالح الانضاج.

    ولا ريب ان العبء الاكبر من التقصير إنما يقع على عاتق الاكاديميا العربية. وحدها جامعة الخرطوم أنشأت مقررا في الدراسات العليا  عنوانه: " الاستعمار الاستيطاني المقارن" ، ولعله لم يدم طويلا. أما معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة ، وهو الذي احيل اليه مشروعي المتبنى من رئيس الجمهورية العربية السورية، فقد اكتفى بأمرين. اولهما انه عهد الي، ولمرة واحدة، في اعطاء مقرر دام أسابيع قليلة ، عن علم الاستعمار الاستيطاني. وثانيها انه اصدر كتابا عن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين كان كارثة علمية لانه اغرق الدراسة الوحيدة فيه عن علم الاستعمار الاستيطاني بفيض من المعلومات المتداولة وغير الممنهجة  عن واقع الاستيطان الصهيوني المتوسع في الاراضي المحتلة. أما الجمعية العربية للعلوم السياسية ، وقد جرى اختياري رئيسا للجنتها التحضيرية عام 1977، فقد بذلت كثيرا من الجهد فيها، منذ  تأسيسها عام 1985، لكي تهتم بعلم الاستعمار الاستيطاني ووليده المتالق، القرار 3379، فلم افلح. شغلت الجمعية أكثر ما شغلت بتاييد السياسات العراقية  ضد ايران  عهد الرئيس صدام حسين. كان للعراق فضل التمويل ، وبفضله كانت لها اجتماعاتها الدورية المنتظمة.ثم آلت الأمور، بعد انتهاء عهد الرئيس صدام حسين ،  الى فوضى تمويلية  وتنظيمية وفكرية  من أبشع مظاهرها أن  احد مؤتمراتها الفكرية ، وقد عقد في مصر بتنظيم من الدكتور علي الدين هلال، قام بتمويله رجل اعمال مصري هو احد اكبر دعاة التطبيع مع اسرائيل. واختم ببارقة امل وباعتراف. بارقة الامل التي لم تسعفني قدراتي التكنولوجية  لأتمكن من توثيقها هي انني ذات يوم قرأت عبر الحاسوب عن جامعة امريكية احدثت مقررا لدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن ن وان هذا المقرر كان موضع مناقشات علمية حادة  لا أعرف ان آلت الى نتيجة حاسمة. أما الاعتراف فمؤداه انني اعاني من نقص في القدرة على المتابعة بسبب عدم  استيعابي الكافي لتقنيات الاتصال ، و بسبب الوضع الذي تعاني منه سورية منذ  عام 2011 ، والذي تتمثل احدى نتائجه في تضاؤل  الاهتمام الاكاديمي خاصة و الفكري عامة بما لا يخص متطلبات الحياة اليومية المباشرة..

    ثم انه قد يكون من المفيد ان امثل على ضحالة الاداء الأكاديمي فلا يبقى الكلام مرسلا دون سند.

     اثبت هنا فقرتين  أو ردهما اكاديميان عربيان في وصفهما لدراسات الاستعمار الاستيطاني.،  ثم أعلق عليهما.

    كتب الدكتور سميح فرسون ، استاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الامريكية بواشنطن العاصمة ، ضمن دراسة نشرتها مجلة " شؤون فلسطينية" (العدد 47 تموز 1975 ص 164) بعنوان " جنوب افريقيا واسرائيل: علاقة خاصة"،  كتب ما يلي:" لم يدرس الاستعمار الاستيطاني والدول التي شيدها المستعمرون دراسة كافية ولم يحلل تحليلا نظريا. وتشتمل المحاولات الأخيرة المتسمة بنفاذ البصيرة على ب. ل. فان دون برغ(1967) ، ايمانويل (1972) ، جورج جبور (1970) ابراهيم ابو لغد وبهاء ابو لبن(1974).

    أما الدكتور مجدي حماد ، وهو حاليا مدير جامعة خاصة شهيرة   في لبنان، فأورد في كتابه " النظام السياسي الاستيطاني: دراسة مقارنة: اسرائيل وجنوب افريقيا" (بيروت ، دار الوحدة، 1981 300 صفحة):" ان ظاهرة الاستعمار الاستيطاني ، وخاصة الدول التي شيدها المستعمرون، لم تدرس  دراسة كافية  ولم تخضع لتحليل نظري متكامل. وتشمل المحاولات الحديثة  نسبيا المتسمة  بالتعمق على دراسات فان دين بيرج(1967) جورج جبور(1970) وايمانويل(1972) وإبراهيم أبو لغد وبهاء ابو لبن(1974) وريتشارد ستيفينز  وعبد الوهاب المسيري (1977). وكتابه في الاساس رسالة دكتوراه أعدها في جامعة القاهرة.  

    وتعليقي على الفقرتين محب وصارم معا.

    محب لان الأكاديميين العربيين ، وثانيهما صديق ،  اورد اسمي ضمن ما أورده من أسماء. كان بامكانهما، ضمن حالة ضعف الأكاديمية العربية ، اهمال الاسم. وللعلم، فقد أخل بالاخلاقيات الأكاديمية المتعارف عليها معهد البحوث والدراسات العربية الأخلاقيات  في القاهرة الذي كلف بمهمة تنفيذ مشروعي عن دراسات الاستعمار الاستيطاني  المتبنى رسميا من الحكومة السورية. ولي عن هذا الامر صفحات مطولة أرشد إليها من يشاء.

    وصارم لان الفقرة الثانية  تكاد تكون نسخا للفقرة الاولى ، الا ان صاحبها لم يشأ ان يعترف  بما وبمن نسخ عنه، متبعا في ذلك التقاليد الراسخة في ضعف الاخلاقيات الاكاديمية العربية.

    وأذكر هنا للدكتور المسيري  فضله في متابعة البحث في الاستعمار الاستيطاني وقد تجلى ذلك في موسوعته المعروفة عن اليهودية والصهيونية واسرائيل. كما أذكر له  رفعة  تمسكه بالاخلاقيات الاكاديمية  من خلال تعامله  مع كتاباتي في حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني.

    قلت في موضع سابق أن دراسات الاستعمار الاستيطاني ، من حيث فائدتها في تأجيج النضال العربي  بمواجهة الأطماع الصهيونية، عانت من النكسات بدءا من اتفاقية سيناء الثانية. وفي الحق أن الاتفاقية تزامنت مع صدور القرار 3379 المساوي بين الصهيونية والعنصرية. وإذا كان من الواجب العلمي والاخلاقي  ذكر ان الاتفاقية  التي عقدت قبل اسابيع قليلة من صدور القرار لم تمنع الدبلوماسية المصرية من التصويت لصالحه في الجمعية العامة ، فان من المفيد لصالح العلم، وقد انقضت عقود اربعة ونيف على ذينك الحدثين، ان يتصدى باحث لدراسة محاولة افترض ان اسرائيل قامت بها للحيلولة دون  تأييد مصر للقرار 3379.

    ماذا كان أثر القرار 3379 على دراسات الاستعمار الاستيطاني؟ بالمنطق العلمي، كان من المفترض ان تجند الاكاديميا العربية نفسها للدفاع عن القرار دعما لموقف الدول العربية الموحد المؤيد للقرار، والسبيل الأوضح لتلك  العناية بدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن. دعم  الموقف بالعلم ، والعملية المعاكسة ، اي  الاعتماد على العلم لبناء الخيارات السياسية، هو أسلوب تعامل اكاديمي العلوم السياسية في الغرب مع المجريات السياسية التي تهم بلدانهم.  ما يزال هذا الأمر بعيدا عن أجواء السياسة العربية. صدر القرار 3379 وهددت امريكا من يؤيده ، فتيتم. غاب البحث العلمي. غابت الهمة السياسية  المتصلة بالعالم  اتصال الفاعل. ترك القرار لمصيره. استولى عليه فهم جماعي يغلب عليه تفسير ديني معين  يربط بين اليهودية  من جهة وبين اليهودية والشر  من جهة اخرى. ساد فهم للقرار على أنه اقرار من الامم المتحدة بان اليهودية عنصرية. أخذ  البحث في القرار ، وهو علماني بالمطلق، بعيد بالكلية  عن اي متضمن ديني، مبني بالكلية على اسس علم الاستعمار الاستيطاني، أخذ البحث فيه،  لدى البعض العربي والاسلامي ، بعدا دينيا  وظفته اسرائيل في محاولاتها لالغائه، وقد نجحت.

    غاب الفكر العربي الخلاق، وتسبب غيابه في عدم تحصين القرار من الالغاء.

    انظر الى ما صدر عن كليات الحقوق  العربية دعما للقرار الأخطر في تاريخ الصهيونية. بالكاد تعثر على ذكر له.

    انظر الى الخطة الشاملة للثقافة العربية بالاف صفحاتها. تجدها خالية من التطرق الى العنصرية الصهيونية.

    الا ان للاستعمار الاستيطاني قوامه. فلنعد الى جوهر  البحث وهو السؤال عن مستقبل اسرائيل  بمقتضى علم الاستعمار الاستيطاني.

    الاجابة الحاسمة غائبة ، وتلك هي طبيعة علم المستقبل في  الدراسات الاجتماعية.

    الا ان بعض المؤشرات تدل على ان مستقبل اسرائيل مهدد  بمقتضى علم  الاستعمار الاستيطاني.

    يأتي التهديد الأوضح من حقيقة ان اسرائيل تمارس سيطرة على كتلة بشرية أكثر من  نصف تعدادها فلسطينيون. وهذا التصرف الى ازدياد لا الى تناقص. بهذا المعنى فان الحكم الاسرائيلي انما هو حكم أقلية على اكثرية. لن أدخل في تفاصيل الارقام. قد لا يكون عدد الفلسطينيين  قد  بلغ النصف، لكنه  قادم الى النصف واكثر. تلك حقيقة ثابتة.

    والحقيقة الثابتة الثانية  هي ان التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في الاراضي المحتلة مستمر ولا قدرة لاحد على ضبطه بما في ذلك الحكومة الإسرائيلية بالذات. هناك ولع اسرائيلي بالتوسع الاستيطاني  تغذيه عاطفة دينية جامحة لا يرضيها إلا قيام اسرائيل الكبرى ضمن ما يراه كثيرون حقا  تاريخيا لها من الفرات الى النيل. ادت هذه العاطفة الى اغتيال رابين ،  كما أدى اغتياله ليس الى انتكاس هذه العاطفة بل الى تأجيجها. منذ اغتيال رابين والسياسة  الإسرائيلية تشهد مزيدا من تعمق التطرف السياسي الصهيوني والديني اليهودي. يمارس المتحمسون للاستيطان  ولعهم رغم ما يسببه ذلك للحكومة الإسرائيلية  من ازعاج دولي.  ثم في خطوة تالية يتقدم المتحمسون فيحكمون. ثم ما تلبث جماعة اكثر تحمسا  للاستيطان ان تولد ثم ان تسيطر وهكذا دوليك في سلسلة تبدو كأنها دون نهاية.فاذا قلنا ان في التوسع الاستيطاني الذي به  احتفاء اسرائيل يكمن اختفاؤها مستقبلا،  فلن تجانب الحقيقة كثيرا.

    أما الحقيقة الثابتة الثالثة  فهي أن العالم يبدو أكثر انزعاجا من اسرائيل اليوم مما كان عليه امس، وانه في الأرجح سيكون أكثر انزعاجا منها  غدا عما هو عليه اليوم. عنوان  الانزعاج الراهن هو قرار مجلس  الامن 2334  الصادر في 23 كاون الاول 2016 ، وعنوانه ايضا قرار مجلس الامن ثم قرار الجمعية العامة  المتخذان بمناسبة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وثمة عنوان ثالث  للانزعاج العالمي وهو تصاعد قبول الدول لحملة مقاطعة اسرائيل المعروفة باسم البي دي اس.

    وتبقى الحقيقة الرابعة الكبرى وخلاصتها ان المقاومة الفلسطينية باشكالها كافة حتى المسلحة منها ليست في طريقها الى الزوال بل هي في تصاعد مستمر. يستشهد كثير من الفلسطينيين  بنيران الاسرائيليين  ، سلطة ومستوطنين، الا ان ثمة قتلى  كثرا ايضا من المستوطنين. صحيح  ان بعض الحكومات العربية تبادل التمثيل الدبلوماسي مع اسرائيل، وصحيح  ان افكارا وشائعات عما يدعى ب " صفقة العصر" يتم تداولها يوميا ، الا ان من الصحيح  ايضا ان المشاعر العامة في البلاد العربية ما تزال مرتبطة بعواطفها العميقة في مناهضة اسرائيل ، وما تزال الحكومات المطبعة تشعر بجذوة العاطفة الشعبية المتوقدة وتحاذر مجاهرتها بخططها التطبيعية.

    ويأتي يوم في شباط ، هو العاشر منه، فيشهد نجاحا عسكريا سوريا بمواجهة الغطرسة العسكرية الاسرائيلية.  تسقط المضادات والصواريخ  السورية طائرة اسرائيلية متفوقة. يشد ذلك من ساعد المقاومة  وسواعد  رافضي التطبيع.

    هل تستطيع المؤشرات السابقة ان تحسم؟

    الحسم مستحيل.يتقدم  جانب العلم في السياسة ، الا ان السياسة تبقى عملا لا يمكن التنبؤ الدقيق به في معظم الأحوال.انتهي عند الجملة السابقة المفتاحية،  لكنني اوضحها بمثال هو من طبيعة بحث اليوم.

    عام 2001 كان عام توترات كبرى.

     بعد ايام من مؤتمر دربان لمناهضة العنصرية، وهو مؤتمر عزلت فيه امريكا واسرائيل نتيجة إلحاح المنظمات غير الحكومية على ضرورة اعادة الاعتبار للقرار 3379، بعد ايام من ذلك المؤتمر كانت الاحداث الجرمية في امريكا

     ، وابتدا الرئيس بوش خوض معاركه العسكرية العدوانية بحجة محاربة الارهاب.

     من طبيعة الاحداث الكبرى انها توحي  باقتراب الحسم ، او تحبب التفكير باقترابه. في أجواء توقع الأحداث الكبرى، يوم 20/10/ 2001

    ألقيت في مركز زايد بالامارات محاضرة عن مستقبل اسرائيل بمقتضى علم الاستعمار الاستيطاني. توقعت فيها انه بعد عشرين عاما سيكون عدد من تسيطر عليهم اسرائيل من الفلسطينيين والعرب اكبر من عدد سكانها من اليهود. اذن ، ان لم تتفق دول العالم على ان الصهيونية عنصرية ، فما يستبطنه القرار 3379  من ايديولوجية يبقى موضع اجتهاد، فمن المحتم على دول العالم القبول بوصف اسرائيل بانها دولة عنصرية ، لأن  المعيار هنا موضوعي دقيق. تحالف موضوع المحاضرة ، تحالف مع ظروف التفكير بالامور الكبرى في وقت متوتر، كما تحالف  مع السلطة الادبية لمركز زايد،  فاذا بالمحاضرة تظهر عنوانا كبيرا في عدد لا يحصى من وسائل الاعلام في الامارات والسعودية وربما في غيرهما من دول الخليج. وانهالت  علي الدعوات لتقديم المحاضرة الشفهية ذاتها وكانت منها واحدة من جامعة البعث في حمص.  ومع توالي الايام ، ذبلت الورود كما هو معهود. ثم فوجيء العالم  بجديد في هذا الموضوع اواخر ايلول 2012.

    يوم 24/9/ 2012 ظهر في النيويرك بوست، اليومية الامريكية،  تصريح لهنري كيسينجر يتنبأ به ان اسرائيل ستزول في عشر سنوات.

    In ten years, there will be no more Israel.

    اثار التعليق لغطا وتصحيحا وما أشبه. الا انه اعادني الى محاضرة مركز زايد الذي ضغطت أمريكا على حكومة الإمارات   فأغلقته عام 2005 لأنه قدم تفسيرا لأحداث أيلول يخالف النظرة الرسمية الأمريكية  لتلك الأحداث.

    نشرت مقالا  ظهر في جريدة البعث السورية (26/7/2013) وفي جريدة الديار اللبنانية (1/ 8/ 2013) عنوانه:

    " مستقبل اسرائيل بين الحتميات اللاهوتية وعلم الاستعمار الاستيطاني وتفاعلات  السياسة الدولية. ".

    وفي ذلك المقال أخذت حذري. خففت من قدرة علم الاستعمار الاستيطاني على التنبؤ. بل من قدرة العلوم الاجتماعية كلها على التنبؤ. كنا في سورية  منذ عام 2011 وما نزال بين حدين. حد نضج الداخل للتغيير ، وحد مؤامرة الخارج الهادفة لرسم خريطة هويات جديدة في المنطقة. من كان يخطر في باله عام 2001 اننا مقبلون على انقلاب شامل في المشهد السوري؟ ذلك هو المجهول الذي ضاعفت اسهمه في رسم  المستقبل، تحت عنوان" تفاعلات السياسة الدولية". يظهر التحفظ نفسه هنا تحت عنوان:" الاحتمالات السياسية".

            ويبقى علم الاستعمار الاستيطاني اكثر قدرة على التنبؤ بالمستقبل من الحتميات اللاهوتية ومن تفاعلات السياسة الدولية. ويبقى ان هذا العلم يشير بوضوح الى ان اسرائيل تسير في طريق غير آمن ليس لأنه يخالف المثل العليا الراهنة للبشرية فحسب، بل لأن معادلات القوة على الأرض تخضع لتغييرات  عميقة.

    خامسا: الأمم المتحدة والاستعمار الاستيطاني: من شرعة حقوق الإنسان إلى قرار الجمعية العامة رقم 3379 إلى قرار مجلس الأمن رقم 2334:

    كانت للتنظيم الدولي بداية مخزية اخلاقيا مع الاستعمار الاستيطاني. دولة استيطانية آنذاك، وقوامها  التمييز العنصري ، وهي اتحاد جنوب افريقيا، مؤسس لعصبة الأمم، وطليعة في عداد مقترحي نظام الانتداب، بل وممارسة لصلاحيات انتدابية على جنوب غرب أفريقيا. وعصبة الامم ، التي كان للرئيس ويلسون ، صاحب فكرة حق الشعوب في تقرير مصيرها  ---- وقد سبقته الى ذلك الثورة البلشفية ، كما هو معلوم ولكن على نطاق ضيق — ، عصبة الامم وللرئيس ولسن  اليد الطولى في انشائها ، هذه العصبة — وهي الشكل الاول للتنظيم السياسي العالمي — ، تبنت  رسميا في عام 1922 صك انتداب على فلسطين جعل منها شركة استعمار استيطاني مكلفة دوليا بجلب المستوطنين الى فلسطين ، جلبا يؤول بحكم المنطق الى اخراج السكان الاصليين منها. ورثت عصبة الامم وورث معها القيمون على الانتداب دور سيسيل  رودوس ، ابشع استعماري استيطاني عرفته العصور الحديثة.

     أما الأمم المتحدة فقد ورثت دور العصبة. لم  تعد النظر في صك الانتداب  لتحكم عليه بالبطلان بمقتضى معيار الميثاق الذي يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها. ورثت وتابعت التنفيذ،  فكان قرار تقسيم  فلسطين في 29/11/1947 والذي أصبح في وقت لاحق —- ويا للأسف--- اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وتتالت قرارات  بعضها ظالم جدا  كقبول اسرائيل في الامم المتحدة، وبعضها  أقل ظلما ، وبعضها معتدل، ولن اخوض في التفاصيل.

    منذ احتلال اسرائيل للضفة الغربية وغيرها ولدت ظاهرة جديدة هي الاستيطان على أراض يعرفها القانون الدولي بأنها واقعة تحت الاحتلال. وفي العام التالي للاحتلال  احتفى العالم بالذكرى العشرين لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان واعلنه عاما لحقوق الانسان.رسخ ذلك العام ما اصبح يعرف بشرعة حقوق الإنسان وأولها العهدان، واول العهدين حق الشعوب في تقرير مصيرها.  وكان من الطبيعي   منذ ذلك العام  ان يصيب فلسطين من العدالة نتيجة ذلك نصيب اكبر ما أصابها في اعوام سابقة. وهكذا تقدم اهتمام الجمعية العامة من الانشغال بالسكان المدنيين تحت الاحتلال الى رصد ما يعنيه  إنشاء المستوطنات  من انتهاك  للقانون الدولي وصولا الى النظر في طبيعة الصهيونية.بلغ هذا التقدم مداه في 10/11/ 1975 بصدور القرار 3379 عن الجمعية العامة وبه قررت أن الصهيونية شكل من أشكال  العنصرية والتمييز العنصري. يهذ القرار الخطير بدت الامم المتحدة كأنها نزعت الشرعية عن اسرائيل.

    ومن المفيد هنا التذكير بان القرار المذكور إنما يصف الصهيونية بالعنصرية اعتمادا على جوهرها كايديولوجية استعمار استيطاني ، وليس على أساس ارتباطها باليهودية. ويسرني في هذا المعرض استعادة ما قاله لي السيد جها، نائب مندوب الهند الى الامم المتحدة آنذاك وهو صديق قديم ، من ان كتابي عن الاستعمار الاستيطاني انما هو والد القرار  المذكور.

    ثم إننا نعلم ما نعلم عن مسيرة القرار 3379. مزقه مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة في جلسة إقراره ،  وتعهد بحمل  الهيئة المصدرة له على الغائه في غد غير بعيد، ونجح التعهد عام 1991.   ألغي القرار في حمى الحماسة العربية  لبلوغ سلم مع إسرائيل بعناية أمريكية فائقة.

    ولنلاحظ أمرين: أسس عدد من المثقفين العرب في دمشق ، عام 1986، لجنة برئاستي لدعم القرار. لم تمد ايه حكومة او هيئة عربية يد المعونة للجنة.ذلك هو الامر الأول. اما الامر الثاني فتوضحه الوثائق الرسمية السورية بشأن مؤتمر مدريد ، كما عرضتها الدكتورة بثينة شعبان في كتابها الشهير:" عشرة اعوام مع الرئيس حافظ الأسد".  توضح الوثائق أن المندوب السوري لم يدافع عن القرار حين استهزأ به المندوب الاسرائيلي في احدى جلسات المحادثات. اعتبر المندوب السوري ان القرار الوحيد الذي يجب بحثه هو القرار 242.

    أنتج مؤتمر مدريد اتفاقية اوسلو، وانتجت الاتفاقية مزيدا من  الاستيطان. ولا بد للاستيطان المتوسع الا ان يعود بنا الى جوهر  الصهيونية الذي تنبثق منه العنصرية بالبداهة. من هنا كان القول الذي كثيرا ما يتردد في ايامنا هذه من قبل بعض الصهاينة من أن القرار الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية انما هو واجب الاتخاذ اليوم اكثر مما كان عليه الحال عام 1975.

    الا ان هذا الواجب ما يزال خارج نطاق المتداول  الدبلوماسي الراهن  وقت الكتابة. ايامنا هذه لقرار مجلس الامن 2334 الصادر في 23/12/2016، أواخر أيام الرئيس اوباما. القرار خطير لانه  يطلب من اسرائيل وبكل جلاء  الانسحاب من كافة الاراضي المحتلة عام 1967،   وازالة المستوطنات جميعها. القراءة الجادة  للقرار توضح انه بخطورته على مستقبل إسرائيل يضاهي القرار 3379. ومن المتوقع ان تحاول الصهيونية الحد من اثره او حتى الغاءه. وقد تصاعدت لدى إصداره اصوات بهذا المعنى. السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا: أليس من المناسب ان يعمد المهتمون الى اعادة تجربة اللجنة العربية لدعم القرار 3379 مع الاهتمام الخاص بتوفير عناصر نجاح لها أكثر مما توفر للجنة التي أحدثت عام 1986؟

    كان يستحب  لعام 2017 ، وهو عام الذكرى المئوية لصدور تصريح بلفور، كان يستحب  له ان يكون عام توحيد عربي  يستعيد المواقف الرسمية العربية الاولى من قضية فلسطين.لم يحصل. في جلسات  الجمعية العامة للامم المتحدة التي ابتدأت في أيلول  عام 2017 ، عام مئوية  تصريح بلفور ، لم يتحدث عن التصريح  الا الفلسطينيون ، رغم نداءات متكررة من هيئات المجتمع المدني العربية  للاستفادة من تلك المناسبة وفي طليعة هذه الهيئات  الرابطة السورية للأمم المتحدة. قد يكون ان العرب  اكتفوا عام 2017 بما أنجز عام 2016، اي بالقرار 2334. الا ان القراءة الأدق للحالة العربية تظهر انخفاض مستوى الانشغال العربي الرسمي بقضية فلسطين ، وان هذا الانخفاض  ينسحب على  الانشغال العربي غير الحكومي ، مقابل مزيد من الانشغال العالمي بها.

    ومن الواضح أن الصهيونية قرات بدقة الحالة  العربية فاستثمرتها عن طريق الرئاسة الأمريكية. في الايام الاولى من عام 2018 أصدر الرئيس الامريكي قراره بنقل السفارة الأمريكية الى القدس. اما اكثر ردود الفعل جدوى على القرار الامريكي فلم تأت بعمل مباشر من الدول العربية ، بل بعمل غير مباشر منها ومن غيرها معا، تجسد في وقفتين ممتازتين من مجلس الأمن ومن الجمعية العامة.

    في عام 1922 تحل مئوية  صك  الانتداب على فلسطين. الاستيطان الذي اعتبره الصك عملا حضاريا يقضي به التقدم ، أصبح عملا جرميا لانه تجاوز حدوده. منذ الآن ينبغي ان يبدأ العمل لكي يقف التنظيم الدولي وقفة  جادة مع الصك ليحاكمه. أصبح من الواضح اليوم، وعبر العديد من التجارب المؤلمة، ان الاستيطان ، ومهما كانت دوافعه وأساليبه، انما هو تأسيس للعنصرية  التي يعتبر القضاء عليها فكريا — والى  حد كبير: عمليا — أهم معلم من معالم نجاح التنظيم الدولي.

    سادسا: نظرة ختامية:

    منذ ولدت اسرائيل وسؤال المستقبل يلاحقها. واذا كانت السطور السابقة  اوضحت بجلاء حدود علم المستقبل ، الا ان المتابعة البحثية لما يمكن التحقق منه مما يدخل في نطاق علم المستقبل امر يظل الإقبال عليه مفيدا،  والمتابعة فيه ضرورية. وللمتابعة ، ويهمني منها بالذات تلك التي تقود الى العدالة، أساليب متعددة.

    الاسلوب الأقوم هو استئناف الجهد الذي وجه الى بذله رئيس الجمهورية العربية السورية  ووافقت عليه الدول العربية وجوهره إحداث مؤسسة لدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن. في صفحات كتابي:" مذكرات الى رئيس مجلس الوزراء السوري: 1989" صفحات مطولة عن انشغال بالموضوع.

    وثمة بعد ثلاثة أساليب ترد الى الذهن وقت الكتابة،  يسهل اعتمادها  من  قبل باحث فرد او من قبل مجموعة  أو مجموعات بحثية تطوعية. اسلوب أول  اساسه   متابعة الادبيات الباحثة في مستقبل إسرائيل:  جمعا وتدقيقا ومناقشة واغناء ونشرا. من هذا القبيل كتاب هام الفه  الباحث الدكتور تامر مير مصطفى عنوانه:" زوال اسرائيل: النبوءة الأخيرة". (بيروت، دار المحجة البيضاء، 2013، 415 صفحة). لم أطلع على هذا الكتاب الا مؤخرا. يزخر الكتاب  بدراسات قيمة عن الاستعمار الاستيطاني في امريكا. كما يحفل بتوثيق ممتاز عن التنبؤات  بزوال اسرائيل من منطلق أقرب إلى الديني. ومع انني — كما بينت اعلاه — متحفظ على هذا المنطلق الا ان الاحاطة به واجبة.

    أما الأسلوب الثاني في تحالف مع المستقبل القريب لاثارة الاهتمام. وهذا ما حاولته حين أطلقت ،  متأثرا  بمؤتمر دربان وبدءا من عام 2002، مبادرة ضرورة المطالبة باعتذار عن  تصريح بلفور. تطورت هذه المبادرة لاحقا ، وبفضل الرابطة السورية للأمم المتحدة، الى ضرورة الاهتمام بمئوية تصريح  بلفور، ونجحت في ذلك  الى حد لا بأس به. أقترح أن نتحالف مع مئوية التنظيم الدولي التي تبدأ في عام 1919، ومع مئوية صك الانتداب التي تبدأ في عام 1922. وسيكون من المنطقي النجاح في اعلان الصك باطلا ، اذا تمت الامور بمنطقية اولها حسن التعاون بين الجهات المعنية.

    وأخيرا فان الاسلوب الثالث يتجسد في تطوير تجربة كان لها حظها في النجاح ، قام بها عام 1986 مثقفون مقيمون في دمشق ، واساسها  دعم القرار 3379. القرار المطلوب دعمه اليوم، بل والاسهام في تنفيذه، هو قرار مجلس الأمن رقم 2334. تحسن مطالبة الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعلان يوم  صدور القرار  يوما عالميا لمناهضة الاستيطان. بل وافضل من موعد يوم صدور القرار يوم آخر هو الثاني من الشهر الحادي عشر ، وبه عام 1917 صدر تصريح بلفور. من يطالب؟ مجموعة تطوعية من القانونيين وعلماء السياسة والمهتمين بالشأن العام تطلق على نفسها اسم " لجنة دعم القرار 2334".

    جورج جبور 

    تم في دمشق  يوم 10 /2/2018 وكان البدء به يوم 10/1/ 2018.

     تأتي أهمية هذا البحث لكونه مقدمة لكتاب يكعف الدكتور جبور على العمل عليه على مستوى دولي ليكون مرجعاً حقيقياً للسياسات الإقليمية والدولية، ونظراً للأهمية ولما فيه من تفاصيل مثيرة جداً حول مصير الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بناء على أسس تاريخية تتقاطع مع التطورات الراهنة موثقة تعتمد على ربط الماضي بالمستقبل وفقاً للمستجدات العالمية الحالية.

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    الكلمات الدلالية:
    أخبار سوريا, أخبار سوريا اليوم, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik