13:53 19 أبريل/ نيسان 2019
مباشر
    إحدى حفلات الفنان سمير جركس والفرقة الموسيقية

    المطرب السوري سمير جركس..."موقف نبيل من الكبير صباح فخري لم أنسه بعد"

    © صور من المدونين Tarek Basmaje
    انسخ الرابط
    طارق بصمه جي
    طارق بصمه جي
    0 40

    هو رمز من رموز الغناء والطرب في مدينة حلب صاحب البصمة الصوتية التي لا تشبه أحد، ذلك الصوت الذي يحاكي بعلاماته الموسيقية أنغام التراث والعراقة عراقة تربى عليها بعد أن ولد ونشأ في مدينة تعتبر الأقدم عبر التاريخ.

    لم تكن حياة الفنان القدير "سمير جركس" مترفة بل كان ينحدر من أسرة كادحة فاستطاع باجتهاده وعمله الدؤوب أن يصل إلى ما هو عليه من مكان مرموق ضمن سلم الطرب والغناء الأصيل.

     الولادة والنشأة

    ولد الفنان الحلبي سمير جركس في حي باب المقام بحلب عام 1955 آخذا موهبة الغناء من والده محمد الذي اشتهر بصوته الذي كان الجوار يتلهفون لسماعه آنذاك، لكن المَنِية وافت والده وهو في سن ال 25 إثر مرض عضال عام 1958 ليبقى سمير وحيدا يتيما في الثالثة من عمره مع أشقائه حميد وأحمد وأميرة.

    منذ ذلك الحين لم يعد سمير يسمع صدى ذلك الصوت الذي كان يملئ أرجاء المنزل حبا وابتهاجا.. فلم يبق لهَ خليلا إلا إخوته الذين تحملوا عناء المسؤولية في سن مبكرة جدا.

    وعن تفاصيل تلك الوفاة وأبعادها السلبية على حياة الفنان جركس. تحدث لنا شقيقه أحمد قائلاً:" قبيل وفاة والدنا بفترة وجيزة لم يتوقف سمير عن البكاء مهما قدمت له أمي من الألعاب التي تفرح أي طفل في ذاك العمر".

    وأضاف "فسمير كان طفلا حساسا جدا وشديد التأثر بما يجري حوله ولو انه كان غير قادر على إدراك طبيعة الكلمات التي تقال حوله".

     البدايات الفنية

     الفنان سمير جركس مكرماً في مكتب محافظ حلب
    © صور من المدونين Tarek Basmaje
    الفنان سمير جركس مكرماً في مكتب محافظ حلب

    باب المقام هذا الحي الحلبي العريق لم يعرف سكانه إلا الطرب الأصيل فشب فيه لتتشبع أذناه من تلك الموسيقى التي تتسلل إلى خبايا الروح والقلب.

    في العام 1966 انتقلت العائلة للسكن في حي الجديدة فكان سمير هذا الصوت المحبب ذاك الحي وفي معظم الأحياء المجاورة، فكان يدعى للمشاركة في المناسبات الحلبية المتعددة.

    ومع العام 1975 بدأ الفنان سمير جركس مشواره الفني ابتداء من إحياء الحفلات الطربية الساهرة في المناسبات العامة كالأفراح وعقد القران والزفاف وصولا إلى الصبحيات التي تليها حتى وصل مجموع حفلاته المقامة شهريا إلى ما يقارب 45 حفلا في 30 يوم فقط.

    ترعرع جركس ضمن عائلة فنية أنجبت شقيقته الصغرى "أميرة" تلك الفتاة الموهوبة التي كانت تكتب لسمير كثيرا من مواويله الشهيرة مثل (يلي خدعت القلب، الله معك يا ولف، بطل انينك ياقلب).

    وعلى صعيد المثل الأعلى تأثر جركس بأصوات عديدة ضمن الساحة الفنية آنذاك كان أهمها الأستاذان محمد خيري و صباح فحري لكنه استطاع أن يرسم لنفسه لوناً خاصاً اشتهر به لاحقا.

    أجمل المواقف الباقية في تلافيف الذاكرة

    عن أجمل المواقف التي مازال يذكرها حتى يومنا هذا تحدث جركس قائلا:" لن أنسى ما حييت.. هذا الموقف! حين دعاني الأستاذ صباح فخري للغناء ضمن أحد حفلاته وكنت هنا في بدايات مشواري الفني لذا لم أكن أتوقع منه تلك المبادرة!! فصعدت إلى خشبة المسرح ومن شدة الحياء عدت مسرعاً إلى طاولتي كوني لم استطع الغناء أمام استاذ كبير مثله حينها عاود الاستاذ صباح فخري تقديمي للحضور مجددا! وهم بإمساك يدي و إيصالي موجودا إلى أمام الفرقة الموسيقية وأوعز لهم البدء سريعا بالعزف فلم أجد أمامي خيارا سوى بدأ الغناء أمام تلك القامة الفنية العريقة ".

    مصدر الكلمات والألحان

    عن الكلمات والألحان التي جاءت في مواويله وأغانيه تحدث الفنان جركس قائلا "للكلمة دور كبير في نجاح أي أغنية أو موال فالكلمات التي تحاكي الوجدان والقلب تلامسني كثيرا فأختارها من الشاعر دون تردد أو تفكير".

    تعاون الفنان سمير جركس عدد كبير من الشعراء منهم الشاعر صفوح شغالة الملقب بشاعر حلب، ذلك الذي قدم له العديد من الأغنيات الشهيرة كان منها "حبك ع جبيني انكتب" تلك الأغنية التي بات يرددها معظم الحلبيين عن ظهر قلب في سورية وبلاد المهجر، بالإضافة الى "ما عدت أنا أهواك" و"بتأسف" التي لحنها الموسيقار الحلبي الفنان نهاد نجار وأغنية "شروى حسانك" التي تتغنى بحضارة مدينة حلب وجمال أوابدها الأثرية وروعة أهلها الأصلاء التي تقول " لا في بحلاكِ ولا في بغلاكِ… وشروى حسانك مين ؟؟

    مافـي مدينـــة متـلك رزينـة..عمرها ألـــوف سنين

    شهبا والشـهبا حلب.. أهلها معدنهم دهب
    الطيب على طبــاعن غلب… وعنــدن تقـــوى ودين
    غلب
    *
    كلك كرامــة عزة وشـــــهامة… وجبينك عالــــي دوم
    مهد الحضارة إلك الصــــــدارة… الما بتعيفك يـــــوم
    *
    حنونــــة علينا وعلى اللي حوالينا… وعنــدك قلب كبير
    صبرك جميـــل ماله مثيــل… ومتــلو ما رح —يصير"

    كما أخذ جركس العديد من الأغاني والمواويل من الشاعر مضر شغالة مثل (أيام عزي مضت)، (كفي يا دنيا)، (ياصاح كنت أحسبك وليفي) إضافة إلى (موال تسلميلي يا حلب) الذي تبدأ كلماته ب:"ضاع العمر بين قلنا وقال وداب الصبر وتجرّح الموالالعاشق بيقلك تسلميلي يا حلب وانتم يا عاشقين ديما لياليكم طِوال.."

    ومن أعمال الشاعر والملحّن مصطفى الشيخ أمين غنى الفنان جركس العديد من الأغنيات والمواويل التي لاقت انتشارا واسعاً منها: يا شيال الضيم، الأمر أمرك، ليلتين وليلة.

    كما استعان جركس بالملحّن الأستاذ فتحي الجرّاح وأخذ منه العديد من الألحان التي طال صداها الإيجابي بين الناس فكان منها:قومي ورجيني ع طولك، بلهفة وشوق، بما ورد يا روحي.

    أصل و قصة أغنية مريم مريمتي

    عن أصل تلك الأغنية التي ذاع صيتها بعيدا حدثنا الفنان سمير جركس قائلاً:غنى تلك الاغنية العديد من الفنانين منهم وائل جسار وبعضهم من نسبها إلى نفسه!! إلا أن الانطلاقة الأولى والأصلية للأغنية كانت في كواليس حفل فني لي في نادي السكر بحمص حين كان الشاعر الراحل الكبير عمر الفرا حاضراً فيه وعند انتهاء وصلتي الغنائية وأثناء فترة الاستراحة جلست إلى طاولة الشاعر الفرا التي كانت تضم حينها عائلته وأصدقائه وتبادلنا أطراف الحديث عن أمور عدة كان منها المباراة التي ستقام غداً بين فريق الكرامة وفريق آخر ضمن بطولة كأس الجمهورية.

    وفجأة شدى أحد المتواجدين على تلك الطاولة ببضع كلمات عفوية وتشجيعية لفريق الكرامة قائلا فيها:" مريم مريمتي!!" فأجابه شخص آخر مازحاً " عيني مريمة.. الكاس مجروح و بده الكرامة"

    من هنا استساغ جركس تلك الكلمات العفوية وسجّلها على ورقة صغيرة وحولها إلى أغنية مع تغيير بعض الكلمات ليطلقها فورا في اليوم التالي في إحدى حفلاته بحلب لتصبح الكلمات بعد التعديل " مريم مريمتي.. عيني مريمة.. القلب مجروح بده مريمة

    لبست البنّي وقلعت البنّي وقصدا تجننّي والله مرياما مريم عالسطوح والشعر عم بيلوح والقلب مجروح بدّه مرياما "

    ومن هذا الحفل تحديدا ذاع صيت تلك الاغنية واشتهرت وانتشرت انتشاراً كبيراً حتى بتنا نسمعها بأصوات العديد من الفنانين العرب

     القدود الحلبية.. ونشأتها

    عن القدود الحلبية وأصلها.. تحدث الفنان سمير جركس قائلا " أخذت القدود الحلبية من الأذكار الدينية من حيث اللحن  أما الكلمات فكان يتم استبدالها بكلمات أخرى تراعي ذات التقطيع والوزن والعدد والفضل يعود للأستاذ الكبير صباح فخري الذي كان أول من نشر هذه الطريقة فهو كان ولم يزل سفيراً للقدود الحلبية والطرب الحلبي الأصيل "

    أصدقاء الفنان جركس.. من مطربي حل

    وعن أكثر المطربين الحلبيين المقربين إلى قلبه تحدث الفنان سمير جركس مسترسلا: جميع الفنانين بحلب أحترم فنهم وأقدره لكن أكثر المقربين إلى قلبي هم على سبيل المثال لا الحصر:الفنانون عمر سرميني، حمام خيري، صفوان عابد، فؤاد ماهر، محمود فارس، المرحوم وضاح شبلي.

     أثر وفاة والدته على مسيرته الفنية

    ولدى سؤالي له عن أكثر المحطات التي أثرت سلبيا في مسيرة حياته تحدث الفنان جركس قائلا: "في صيف العام 2012 انتقلت إلى رحمة الله والدتي.. التي كان لها أثر ومكان كبير في زوايا روحي.. فبعد وفاتها مباشرةً قررت مغادرة مدينة حلب لأن كل الاماكن كانت تذكرني بالوالدة وذكرياتها التي لم تغادر مخيلتي مطلقا "

    عدت إلى حلب عام 2014 وقلبي يحمل غصتين غصة فراق الوالدة وغصة الدمار الذي حلّ بمعشوقتي حلب.. مآذنٌ تهدمت وكنائسٌ تضررت.. وأرواحٌ أزهقت لتنال شرف الشهادة بعد صبر وعناء طويل "

    منذ ذلك الحين والفنان سمير جركس يتنقل بين حلب والقاهرة ودبي إضافة إلى مدنٍ وعواصم عدة لتبقى كلمة حلب حاضرة في معظم حفلاته وتسجيلاته التي باتت لا تخلو من ذِكرها ومن كلمته الشهيرة" يا يوم ".. الحاضرة مع كل موال!

    الغذاء للروح.. وليس الجسد

    عن الصالونات الأدبية الموسيقية.. تحدث لنا جركس مستطردا:لم أعتد يوماً الحضور لمنزل أحد {بصفة مطرب} لأني أرفض تلك الفكرة التي لربما تكون معتادةً لدى بعض المطربين الذين يلبون دعوة بعض التجار المجتمعين على الموائد.. فالغذاء الروحي والثقافي هو أهم بكثير بالنسبة لي فحين أوافق على اجتماع فني في منزل أحد ما.. يجب أن يكون صاحبه فناناً أولاً.. تجمعنا به علاقة صداقة ومحبة واحترام فيأتي هنا الغناء عفوياً دون طلبٍ من أحد.. بمشاعر صادقة بعيدة عن التملق.

    أطول حفل من حيث الزمن

    وعن أطول حفل فني أقامه جركس من حيث المدة والزمن تحدث مستفيضا " في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم أقمت حفلاً فنيا في فنزويلا فكانت الجالية العربية عامة والسورية خاصة متعطشة إلى اللون الطربي الأصيل لذا استمر الحفل حينها لمدة 10 ساعات متواصلة من مواويل وأدوار وموشحات وأغان من ذاكرة الزمن الجميل تراقص على أنغامها كل محب لسورية وترابها وتراثها.

    الجدير بالذكر أن الفنان الحلبي سمير جركس أحيا العديد من الحفلات والمهرجانات في دولٍ عربيةٍ و أوروبية نذكر منها (اليونان, السويد, بلجيكا, الإمارات, لبنان) وفي القارة الامريكية (الولايات المتحدة و فنزويلا) إضافةً إلى دولٍ من الشرق الأقصى كالصين وغيرها الكثير من الدول التي كان فيها سفيراً للأغنية السورية حاملاً معه عبق التراث الحلبيّ وأنغاماً أصيلة تحمل رسالة الحب والسلام والوئام.

    انظر أيضا:

    صحفيو حلب... يؤكدون ضرورة الحفاظ على اللغة العربية
    الكلمات الدلالية:
    سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik