Widgets Magazine
11:40 19 سبتمبر/ أيلول 2019
مباشر
    الفنان السوري القدير صفوان عابد ومسيرته الفنية في سطور

    الفنان السوري القدير صفوان عابد ومسيرته الفنية في سطور

    © صور من المدونين
    انسخ الرابط
    بقلم
    0 20
    تابعنا عبر

    من خلال فتحات النوافذ الخشبية التي كانت تُطل على أحياء حلب القديمة، أبصرت عينا الفنان صفوان الضوء الأول للحياة عام 1962. ومع أول اهتزاز لوتر آلة العود من ريشة والدته مديحة تشبعت أذناه بألحان تعشّقت في ذاكرته السمعية وخلدت في رزنامة الزمن الجميل.

    صفوان هو ذاك الطفل الذي ترعرع في عائلة فنية محافظة ومع سن مبكر وبدعوة من والده عابد بدأ بحضور حلقات الذكر في التكايا والزوايا كالزاوية الشعيبية والهلالية بحلب، هي زوايا طُربت حجارتها بأنغام من الموشحات والابتهالات الدينية  كان يرددها كبار المتصوفين  آنذاك أمثال الشيخ فؤاد خانطوماني والشيخ الوفائي، فأطرب أذنيه بمخزونهم الموسيقي الواسع حين كان يطوف بينهم لينهل من خبرتهم جميعاً.

    يعود الفضل باكتشاف موهبة الفنان عابد إلى  والدته  أولاً، وذلك حيث لاحظت السيدة مديحة هذا ذات الصوت الشجي وهي تدندن على أوتار آلة العود في فناء الدار العربي القديم .ومع الأيام وخلال زيارات عديدة مع والده إلى بعض الأصدقاء لحضور أفراحهم سمع المرحوم الفنان محمد خيري صوت الطفل صفوان فتنبأ له حينها بمستقبل زاهر

    الفنان السوري القدير صفوان عابد ومسيرته الفنية في سطور
    © صور من المدونين
    الفنان السوري القدير صفوان عابد ومسيرته الفنية في سطور

    وبعد فترة وجيزة وبينما كان بصحبه والده  قُدِم الطفل صفوان للغناء في أحد الأعراس الشعبية عام 1971 باعتباره ضيف شرف ممثلاً المواهب الصاعدة آنذاك فطلب من الفرقة البدء بعزف أغنية "أهو دا اللي صار" للموسيقار السيد درويش من مقام البيات !! فتفاجأت الفرقة الموسيقية بطلبه! وعزفته على استحياء!

    وما إن بدا بالغناء حتى تفاجأ الجميع بأدائه وغنائه المتقن، الأمر الذي شجعه على الاستمرار في هذا المجال

    على مدى أعوام عديدة، تتلمذ الفنان "عابد" على يد كثير من الاساتذة بحلب ونهل من خبرتهم أمثال:

    الشيخين عبد الرحمن مدلل ونديم الدرويش والفنانين عبد القادر حجار وعدنان أبو الشامات الدمشقي

    عن هذا الموضوع يروي لنا الفنان "عابد" حادثة جرت وهو في سن التاسعة قائلاً:

    كان والدي حازماً جداً فتربينا على الأمانة والإخلاص وحب العمل والدقة في المواعيد، خصوصاً أن باب منزلنا كان يقفل عند تمام السابعة من كل مساءً، لذا كنت حريصاً على أن أعود إلى المنزل قبل هذا التوقيت!

    وفي أحد أيام فصل الشتاء وأنا في سن الثامنة كنت على موعد مع درس موسيقى في منزل الأستاذ عبد القادر حجار في منطقة الفيض بحلب إلا المفاجأة أتت بأن الحارة الأساسية المؤدية لمنزل الأستاذ حجار كانت مليئةً بمياه الأمطار الفائضة! فما العمل ؟! خصوصاً أن الوقت قد تداركني ولم يبق إلا 4 دقائق لموعد الدرس! فقررت الدخول في المياه اختصارا للوقت واحتراما لدقة مواعيدي!

    ومع أول خطوة في المياه ظننت حيناها أن ارتفاعها طفيف بحجم ذاك الرصيف المغمور وبعد خطوات قليلة أدركت أن المياه قد وصلت إلى ركبتاي! فلم أجد أمامي إلا التقدم أكثر فأكثر غير مكترث بمنسوب المياه الذي بدأ يطال معظم جسدي النحيل , ومع وصولي لمنزل الأستاذ حجّار ابتسم بوجهي وقال : ما هذا يا صفوان! حقاً احترامك للوقت أعجبني هكذا يبدأ الناجحون حياتهم! ثم أوعز لزوجته  لتبديل ملابسي قرب المدفأة وكأني في غرفتي بين أمي وأبي!

    هذا  يوم لن أنساه، رحم الله هذا الإنسان الذي كأن أبا وإنساناً  قبل أن يكون أستاذاً!

    وعن جولاته تلك في سبيل كسب العلم الموسيقي أضاف العابد قائلا:

    " حارات حلب القديمة مازالت تعشعش في زوايا روحي حتى يومنا هذا فأنا مازلت أذكر أدق تفاصيلها وتفاصيل مسيري المفضل بين أزقتها فمن حي الجلوم إلى باب قنسرين إلى سوق القطن وصولاً إلى جامع الخسرفية ثم الزاوية الهلالية التي كنت أتلقى من خلالها دروساً في الموشحات والابتهالات، فتلك التفاصيل لم تزل تشغل حيزاً كبيراً من ذاكرتي!

    وبالانتقال من الحب الأسمى للوطن والأرض...إلى حبه العذري الأول كان السؤال مفاجئاً وغير متوقع فأجاب العابد مستفيضاً:

    " في سن المراهقة كان منزل العائلة ملاصقاً لمبنى البلدية آنذاك فكانت إطلالته مميزة و شبابيكه ترصد المارة الذين كنت انظر في وجوههم بشكل يومي و دقيق، إلا أن قلبي لم يخفق حينها إلا لفتاة كانت تدعى "ستيلا" متجاوزاً الدلالة الدينية لهذا الاسم  كوننا في سورية  كنا ولازلنا نشتهر بالإخاء والعيش المشترك... نعم في ذلك الحين كنت انتظرها مع صباح كل يوم لأمتع عيناي بجمال وجها الصبوح وروحها التي لامست روحي!

    ومع مطلع الثمانينات من القرن المنصرم هاجرت ستيلا وتركت في زوايا روحي فراغاً كبيراً , فلم تعد أي فتاة جميلة تلفت انتباهي في ذاك الحي و الزقاق! واستمرت تلك الحالة حتى تعرفت على زوجتي إم محمد التي أصبحت حبي الأبدي الأصدق  الذي لازمني على مدى سنوات عديدة  بدعم معنوي كبير دفعني للخوض بعزم أكثر في الجانب الفني والموسيقي "

    البدايات الفنية

    عن تلك البدايات... قال الفنان عابد: "بعمر مبكر وبترشيح من الأستاذ عبد الرحمن جبقجي تمت دعوتي للغناء على مسرح دار الكتب الوطنية بحلب وذلك بفقرة قصيرة تظهر مواهب الأطفال آنذاك، إلا أن رهبة المسرح كانت لا توصف يومها، فبعد صعودي إلى المسرح بثوانٍ قليلة عدتُ إلى خلف الستار مسرعاً خائفاً من رهبة الحضور وإذ بالاستاذ الجبقجي يدعمني بكلمات معنوية يدفعني إلى المسرح بعنف! فقدمت في ذاك الحين أغنية الورد جميل من مقام الهزام الموسيقي وألحان الشيخ زكريا أحمد... فتفاعل الحاضرون مع تلك الأغنية بطريقة أوقفت ذاك الخوف  الذي كان يدور داخلي وحفزتني على الاستمرار".

    ومع العام 1978 وبينما كان الفنان عابد في ربيعه السادس عشر بدأ يتردد على نادي شباب العروبة ليسترق السمع من أصوات الاساتذة الكبار في المعهد وهم ينشدون الأدوار والموشحات وبالطبع كان يستحي من الدخول إلى النادي حتى لاحظه الممثل أحمد حداد واقفاً على أعتاب المبنى فأصدر حينها صوته العميق المعتاد وناداه "من أنت؟ هيا تفضل بالدخول" وحين غنى الشاب عابد في ذلك النادي أعجب الحاضرون بصوته وتم تسجيله في النادي

    مع تلك البدايات الأولى قرر الفنان عابد الذهاب إلى إذاعة حلب فتعرف آنذاك على الفنانين صباح فخري و مصطفى ماهر وسمير حلمي، فعمل مردداً معهم في تسجيلات تلك الإذاعة العريقة التي تأسست العام 1949 كما كان يمارس تدريباته الصوتية في منزل الشيخ المرحوم صبري مدلل.

    ومع بلوغ الفنان عابد سن ال 25 كانت نقطة تحوله الأولى نحو الاحتراف حين تمت دعوته لدمشق للغناء في مطعم الشرق مع الفنان اللبناني القدير سمير يزبك والفرقة الموسيقية بقيادة الموسيقار السوري أسعد خوري

    كان ذلك بحضور الاستاذين عدنان بوظو وعدنان أبو الشامات , وهنا أضاف الفنان عابد قائلاً:

    " لن أنسى هذا اليوم ما حييت، فتفاصيل الأحداث الأولى في الحياة تخلد عميقاً في أروقة الذاكرة والفؤاد 

    ففي ذاك اليوم أحييت هذا الحفل  وفي داخلي نشوة روحية لا توصفها الكلمات!

    وحين عدت إلى حلب جلست قرب والدتي أروي لها تفاصيل هذا اليوم وأنا أقبل يديها وفي محفظتي أول مبلغ أتقاضاه من الغناء وهو 200 ليرة سورية آنذاك!

    على مدى أكثر من 30 عاماً مضت أحيا الفنان صفوان عابد العديد من الحفلات والمهرجانات.. نذكر منها على الصعيد المحلي ثلاث حفلات في دار الأوبرا السورية  بدمشق وأخرى في عدد من المدن السورية كما وفاز لمرتين بجائزة الأورنينا الذهبية في مهرجان الأغنية السورية

    أما على الصعيد العربي شدا الفنان عابد على أهم المسارح العربية منها دار الأوبرا المصرية ومسارح مهرجان المدينة في تونس والمسرح الوطني في قطر إضافة لإقامته حفلات طربية راقية في دول الخليج العربي

    كما تم  تكريمه مع الفنان لطفي بوشناق من قبل جامعة الدول العربية على هامش حفل أقيم بحضور عدد من الفنانين العرب منهم هاني شاكر وعلي الحجار وآمال ماهر وذلك مهرجان الأغنية العربية الخامس عشر

    وعلى صعيد المشاركات الدولية أحيا الفنان عابد العديد من الحفلات للجاليات العربية في الدول الأوروبية منها حفل في العاصمة الأمريكية واشطن في العام 2010

    المشاركات الدرامية

    شارك الفنان عابد بغناء العديد من شارات المسلسلات السورية حتى وصل عددها إلى 32 عمل

    نذكر منها: (الزير سالم، ذكريات الزمن القادم، تمر حنة، صقر قريش، الحصرم الشامي، أولاد القيمرية، طالع الفضة، باب الحديد وذلك بالتعاون مع صديق دربه الفنان والمؤلف الموسيقي طاهر ماملي وكان آخرها مسلسل تاريخياً بعنوان "مقامات العشق" عرض في رمضان العام الحالي فيما كانت حلقاته تروي سيرة الفيلسوف الشيخ "محي الدين بن عربي  أحد أشهر المتصوفين في العصور السابقة)

    كما تتلمذ على يد الفنان صفوان عابد الكثير من المطربين السوريين نذكر منهم: شهد برمدا – مهنّد مشلح – يزن رشيد وغيرهم الكثير أمثال: فاخر صبري مدلل و نائل حزواني و وسام شمس الدين و محمد حمادة و أحمد ناعورة وحسام المصري إضافة إلى أحمد عبد الرزاق و يامن محجوب كما يعمل الفنان عابد حالياً على تدريب جيل جديد من الفنانين الشباب في نادي شباب العروبة

    وعن أحب الأعمال الموسيقية الأقرب لقلبه من أرشيف الراحلة أم كلثوم قال الفنان عابد:

    " أفضّل سماع الأغاني الأكثر قدماً لأم كلثوم مثل: غلبت أصالح، هذه ليلتي، أهل الهوى، الآهات، انت عمري، يا فؤادي، وغيرها من الأغنيات التي خلدت في ذاكرة الزمن الجميل كما أطرب حين استمع لأصوات العديد الفنانات الراحلات أمثال سعاد محمد واسمهان و ليلى مراد

    كما أشار الفنان عابد أنه بصدد إطلاق أغنية جديدة من ألحان الاستاذ فتحي الجراح وكلمات الشاعر نضال بوز تحمل عنوان (الله حيو) إضافة إلى تعاون لحني جديد مع الفنان عمار حمادية

    ويشار أنه تعامل في وقت سابق مع شعراء كثر نذكر منهم  : وليد زغنون وصفوح شغالة والمرحوم عبد القادر دويدري

    ولدى سؤالي له عن حلمه ونصائحه للحفاظ على التراث, أجاب قائلا:

    " حلمي أن أدفن في حلب... تلك المدينة الموغلة في جذور التاريخ التي تحمل ذكرياتي ورفات أجدادي فهي مهد الحضارات ورمز للحب والتسامح والإخاء"

    و من هذا المنطلق دعا الفنان عابد إلى إعادة تفعيل جميع المدارس الموسيقية كنادي شباب العروبة وذلك للحفاظ على ترثنا الموسيقي من الاندثار خصوصاً  أن مسرح قلعة حلب بات يحتضن مؤخراً ومع الأسف فنانين جدد لا يحملون شيئاً من الهوية التراثية المطلوبة للغناء على هذا المسرح العريق، فمسرح قلعة حلب لا يليق به إلا الكبار!

    غّنى الفنان "عابد" لمدينة دمشق أغنية "سلام من صبا بردى" من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي وألحان الموسيقار الجزائري نوبلي فاضل كما غنى لمدينة حلب العديد من الأغنيات والقصائد منها أغنية "حلب بتسلم عليكم" من كلمات شاعر حلب صفوح شغالة وألحانه العفوية المرتجلة من مقام الصبا حين كان ضيفا على الهواء مباشرةً عبر قناة سورية دراما

    وقبيل تحرير مدينة حلب من رجس الإرهاب وبتجربة شعرية كتب الفنان عابد قصيدة غنائية صغيرة لحلب تقول كلماتها:

    شدي حيلك يا حلب...الروح اشتاقت ليك

    راسي معوّد عالطرب... راجع بوس إيديكِ

    وحجارك تحكي حكايات والقلعة تنده آهات!

    الله يرحم جدي اللي مات... يا ما بوّس ايديكِ!

    أما على صعيد أعماله وحفلاته القادمة صرح الفنان عابد أنه مع بدايات شهر أيلول القادم سيحيي حفلاً في دار الأوبرا السورية بدمشق بتاريخ 2-9-2019 إضافة إلى أعمال هامة مع الأمانة السورية للتنمية ستبصر النور قريباً وذلك في سبيل نشر التراث السوري وإحياء الموشحات والقدود الحلبية.

    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik