00:08 GMT20 فبراير/ شباط 2020
مباشر
    انسخ الرابط
    5170
    تابعنا عبر

    “نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف”.

    بهذه الديباجة الجميلة يبدأ ميثاق الأمم المتحدة صكّ مبادئه، إلى أن نصل إلى المبدأ الثاني من المادة الثانية في الفصل الأول "تقوم  الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها".

    هذا المبدأ "الجدلي" الذي تساءل عنه أغلب الأعضاء في خطاباتهم، وطبّق بمعايير مختلفة "غير متوازنة" تتبع سياسات بعض الدول، كان قد اختلَّ مؤخراً، بعد رفض الولايات المتحدة الأمريكية منح عدد من أعضاء الدول تأشيرات الدخول على أراضيها، لتطفو من جديد مشكلة المكان الجغرافي لمقر الأمم المتحدة.

    استغلال الموقع الجغرافي للأمم المتحدة سياسيا

    مبدأ المساواة في التمثيل، يقضي بحق جميع الحكومات تمثيل دولها وشعوبها في الأمم المتحدة، بغض النظر عن الخلافات السياسية، وتوفير العبور والإقامة على أراضي الدولة المضيفة، وهو الأمر الذي لم يحدث مؤخراً مع كل من إيران وروسيا، فقد أعلنت الخارجية الروسية أن بعض أعضاء الوفد الروسي لم يحصلوا على التأشيرات للمشاركة في الدورة الـ74 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي امتدت من 24 إلى 30 من الشهر الماضي في نيويورك، وقبل ذلك بيومين، أعلنت وكالة "فارس" الإيرانية، امتناع الإدارة الأمريكية إصدار تأشيرات لمساعدي الرئيس الإيراني "حسن روحاني"، ومنح الرئيس الإيراني ووزير الخارجية  "محمد جواد ظريف" تأشيرات بمدد زمنية قصيرة.

    المشكلة ليست جديدة! القذافي أول المتكلمين

    في عام 2009  وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تطرق الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي إلى مشكلة المكان الجغرافي لمقر الأمم المتحدة، حيث قال

    "النقطة الحساسة ياسادة... مقر الأمم المتحدة، كلكم جايين من وراء المحيطات والقارات عبرتم الحيط الأطلسي والمحيط الهادي وقارة آسيا وأوربا وأفريقيا، حتى تصلوا إلى هذا المكان، لماذا؟ هل هذا بيت المقدس؟ هل هذا الفاتيكان؟ هل هذا مكة؟ كلكم تعبانين ونايمين وتغير عليكم التوقيت، وفي حالة يرثى لها من الناحية الفيزيائية... كلكم نايمين... ليش هذا التعب.... إذا كان هذا الوضع تم عام 1945 يجب أن يستمر حتى الآن؟ لماذا لا تفكروا بمكان متوسط مريح؟"

    القذافي الذي شكر أمريكا على استضافتها مقر الأمم المتحدة طوال المدّة السابقة، وقوبلت كلماته بالتصفيق، لم يتوقع، في تلك اللحظة على الأقل، أنّ طائرات بعض أعضاء الأمم المتحدة، ستلقي بوابل حممها على بلاده بعد عام واحد فقط، بعملية تمت خارج إطار الشرعية الدولية، من دون أيّ اعتبار يذكر، لرفض أغلب الدول لها، لتنكص بذلك صكّ ديباجه الميثاق ومبادئه.

    كندا طالبت بنقل المقر سابقا

    بتاريخ 3 أبريل/ 2019 ، وفي بيان نشرته صحيفة " news.nbcm.ca" أعلن رئيس الوزراء الكندي جوستين ترود، أن كندا قدمت اقتراحا رسميا إلى الأمم المتحدة، نقل مقرها من نيويورك إلى حرم جامعي جديد، أطلق عليه اسم "القرية العالمية" في شرق تورينتو.

    وقال في تردو، بحسب الصحيفة: "نحن نؤمن بالهدف الجماعي المتمثل في خلق عالم أفضل وأكثر أماناً وأكثر استدامة ورخاء وعدلاً، إن تصميم كندا على دعم وتطبيق مبادئ الأمم المتحدة لم يكن أكبر من أي وقت مضى"

    وبحسب الصحيفة، تكفلت الحكومة الكندية بحسب المقترح، بتمويل بناء الحرم الجامعي الذي تبلغ تكلفته 6.2 مليار دولار، دون أن تتحمل الأمم المتحدة أية تكلفة، بالإضافة إلى تغطية تكاليف التشغيل والصيانة السنوية للمجمع.

    موسكو تتحرك... نحن جاهزون

    ردود الأفعال على عدم منح التأشيرات وصلت لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي قال في نهاية الشهر الفائت : "بالطبع، لا يمكننا ترك هذا الموضوع دون رد، بالتأكيد سنأخذ هذا الموضوع بعين الاعتبار في المرة القادمة عند وقوع فعاليات دولية في نيويورك أو في إي مكان آخر في الولايات المتحدة"، ليأتي الرد سريعا من رئيسة مجلس الفيدرالية الروسي (الغرفة العليا في البرلمان الروسي)، فالينتينا ماتفيينكو، أن روسيا مستعدة لفتح مقر للأمم المتحدة، في حال تم تقديم اقتراح كهذا، وأضافت: " إذا تم اتخاذ هذا القرار، فإن بلدنا سيكون قادرًا على توفير ذلك، وهذا الانتقال بالتأكيد سيضمن حقوق جميع المشاركين الأجانب".

    المبررات كثيرة... ليست سياسية

    طرح مشكلة المكان الجغرافي للأمم المتحدة لا يحمل أبعادا سياسية، بل أبعادا حقوقة، تعكس مبدأ العدالة في التمثيل، ترتبط بتمثيل الأمم والمجتمعات التي تعيش على كوب الأرض، من الناحية السكانية والجغرافية، بشكل متوازن مع صون حق تعاقب المكان الجغرافي، ليشمل تمثيل جميع الأعضاء، كاختيار قارة كل 50 عام لتكون مقراً جديداً للأمم المتحدة، والأمثلة كثيرة على تمثيل هذا الحق، أبرزها، تغير مكان انعقاد مونديال الكرة كل أربع سنوات.

    مشكلة التمثيل السكاني لمقر الأمم المتحدة

    هذا المبدأ يركز على العدالة في التمثيل من الناحية السكانية، أي أن المقر يجب أن يعكس أعداد السكان وتوزعهم الجغرافي أولا، وحق الجميع في أن يتم تمثيلهم ثانيا، أي يجب أن يتمتع الموقع بالطبيعة المتبدلة في المكان.

    فإذا درسنا موضوع من الناحية السكانية، ومن ناحية التمثيل السكاني، وبحسب موقع "population.io" فإن تعداد سكان العالم، تجاوز 7 مليار ونصف، أكثر من 4 مليار من هؤلاء، في أسيا لوحدها، وأكثر من مليار في أفريقيا، فيما تجاوز عدد سكان أوروبا 700 مليون نسمة، أي أن مجموع السكان في هذه القارات الثلاث يصل إلى 6 مليار نسمة، وبذلك فهي تضم أكثر من ثلثي سكان العالم، وآسيا لوحدها أكثر من نصف سكان العالم.

    مشكلة التمثيل الجغرافي لمقر الأمم المتحدة

    أيضاً من الناحية الجغرافية، هناك مشكلة بالتمثيل، حيث تبلغ مساحة اليابسة على الكرة الأرضية، باستثناء الجزء المغطى بالمياه، كالمحيطات والبحار، حوالي 148,9 مليون كيلومتر مربع من أصل مساحة سطح الأرض البالغة حوالي 510,1 مليون كيلومتر مربع، تغطي القارة الأمريكية الشمالية ما يقارب 16.5% من مساحة اليابسة، بمساحة 24.7 مليون كيلو متر مربع، فيما تمثل قارة آسيا فقط، 30% من اليابسة بمساحة تقدر بـ 44.5 مليون كيلو متر مربع، وبالمقارنة البسيطة، تظهر لدينا مشكلة التمثيل الجغرافي للأرض في الأمم المتحدة.

    مشكلة التمثيل الحكومي لحكومات الدول الأعضاء

    وهذه المشكلة تظهر فقط عند مقارنة عدد الدول الأعضاء وتوزعها الجغرافي، فعلى سبيل المثال، عدد دول قارة أسيا 48 دولة ذات سيادة، فيما يبلغ عدد الدول الأوروبية 50، والأفريقية 54، وتضم أمريكا الجنوبية 16 دولة مستقلة، بالإضافة إلى قارة استراليا، فيما يبلغ عدد الدول في أمريكا الشمالية، 23 دولة، ثلاث منها دول الكبرى، أما الباقي فهي أرخبيل صغير يمتد من جنوب القارة بالإضافة لعدة دول على شكل جزر صغيرة (هناك دول لديها تمثيل وحكومات ولا تتمتع بالسيادة، لكن يتمتعون بمقاعد في الأمم المتحدة بصفة مراقب، كمقعد فلسطين، ومقعد الفاتيكان).

    أي أن 169 وفد حكومي، يقطع القارات متجها إلى أمريكا الشمالية لتمثيل بلدانهم في الأمم المتحدة، 153 من هذه الدول يقطع محيط أو أكثر، ليصل إلى المقر، فيحضرون جلسات الأمم المتحدة (نائمون) على حد تعبير القذافي.

    هل سنشهد تحركاً حقيقياً؟

    وبالعودة إلى كلمة الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، "سواء اتفقنا أم اختلفنا معه سياسياً" لكننا على الأقل، يجب أن نحترم الجرأة التي تمتّع بها "في ذلك الوقت" بطرحه فكرة تغيير مقر الأمم المتحدة، أمام وفد الولايات المتحدة، والوفود الأعضاء. ويبقى السؤال، هل سيبدأ العالم تحركات جدّية بهذا الصدد؟ أم ستستمر سياسة خرق الميثاق، واستباحة حقوق وأراضي الدول الأعضاء من قبل بعض الأحلاف، ومن خارج قرارات الأمم المتحدة، كما حدث مع القذافي وغيره؟

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    انظر أيضا:

    روسيا تقدم للجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قانون بشأن تطوير نظام للحد من الأسلحة
    وزير الخارجية السوري يعلن عن مناقشة اللجنة الدستورية مع الأمين العام للأمم المتحدة
    حمدوك: المشاركة في اجتماع الأمم المتحدة تمثل عودة السودان للمجتمع الدولي
    الكلمات الدلالية:
    أمريكا, روسيا, الأمم المتحدة
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook