23:47 22 يناير/ كانون الثاني 2020
مباشر
    انسخ الرابط
    140
    تابعنا عبر

    طالت نتائج الحرب السورية القاسية كل منزل في سوريا، سواء من الناحية البشرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية، ولم تنج الفتاة السورية من آثار هذه الحرب.

    دمرت الحرب التي بدأت عام 2011 جزء كبيرا من البنية التحتية وأعادت الاقتصاد السوري والمجتمع سنوات إلى الوراء، وحرمت مئات آلاف الأسر إن لم نقل ملايين الأسر من أبنائها أو أبعدتها عنهم سواء إن كانوا قد ذهبوا للدفاع عن وطنهم أو سافروا للبحث عن فرص دراسة وعمل خارج البلاد في دول الاغتراب، أو لأسباب أخرى يطول تعدادها.

    ولم تنجو الفتاة السورية من نتائج هذه الحرب، حيث أفادت مواقع وإحصائيات في شهر نيسان هذا العام أن القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي أكد ارتفاع نسبة العنوسة في سوريا إلى 70 في المئة بسبب الحرب المستمرة منذ عام 2011.

    وهنا تتعدد الأسباب، ففي عام 2011، قبل بداية الأحداث المأساوية في سوريا التي أشعلها الإرهاب وداعميه في الغرب والشرق، كانت نسبة الذكور أعلى بقليل من نسبة الإناث في سوريا، وكانت الأوضاع مستقرة والعديد من الشباب يستطيعون الزواج، أما بعد سنوات طويلة من الحرب، فقد خسرت سوريا مئات الآلاف من شبابها سواء في الحرب أو الهجرة خارج البلاد، وأشار الرئيس السوري بشار الأسد منذ أيام أن "الجيش السوري قدم أكثر من 100 ألف عسكري بين شهيد وجريح"، ولا نستطيع إغفال الأرقام الكبيرة للجنود الاحتياط الذين التحقوا بالجيش، ومن تبقى داخل البلاد من الشباب فقد عصفت الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن الحرب والحصار الاقتصادي والعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة بالعديد منهم حيث ارتفعت بشكل كبير أعباء الحياة وتأسيس أسرة، وهذا ما دفع بالكثيرين إلى العزوف عن الزواج والارتباط.

    كل هذه العوامل سببت ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع، في الوقت الذي يتسم فيه المجتمع السوري بأنه مجتمع محافظ، يضاف إلى ذلك أن معظم الأسر إذا أرادت أن ترسل أحدا من أبنائها إلى الخارج للتعلم أو العمل، فإنها تختار ابنها بدلا من بنتها (كعادة مجتمعية)، وفوق كل ذلك فإن مجالات العمل بالنسبة للإناث أقل من مجالاتها بالنسبة للشباب، فالكثير من الأعمال التي تحتاج قوة بدنية أو غيرها من الأعمال في سوريا (على سبيل المثال لا الحصر في أسواق الخضرة أو قيادة الشاحنات مع وجود استثناءات) عادة ما تكون من نصيب الشباب وليس البنات، وهكذا يكون المجتمع أطبق في بعض جوانبه وعاداته وعمق جراح الفتاة السورية.

    الحكومة السورية تولي اهتماما كبيرا بدعم وتمكين المرأة ووصول الفتيات إلى مختلف أنواع الوظائف، وهو العامل الأساسي وقد يكون الوحيد الداعم للفتاة السورية، ومن ناحية أخرى فإن المجتمع السوري مجتمع متنوع ومتحضر وهذا أيضا يساهم في تخفيف العبء عن الفتاة السورية، التي تعاني بصمت، حتى وإن قالت أنها لا تشعر بذلك وأنها قوية وأنها لا تريد الارتباط، ولكن في الحقيقة هذا الجانب هو جانب أساسي في حياة نسبة كبيرة جدا من الإناث، لا أقول كل الفتيات، ولكن نسبة كبيرة، وحتى اللواتي سيقمن بالتعليق سلبا على هذه الفكرة، هم يدركن بداخلهن أن الفكرة صحيحة وواقعية.

    بعد الحرب العالمية الثانية، فقدت ألمانيا نسبة كبيرة من رجالها وشبابها في الحرب ضد الحلفاء، وبعد انتهاء الحرب، ساهمت المرأة الألمانية في إعادة إعمار ألمانيا، ودخلت معظم الأعمال، حتى رفع الأنقاض في المدن المدمرة، وحتى أنه يوجد رمز (نصب تذكارية) في ألمانيا يعرف بـ"امرأة الأنقاض" في إشارة للنساء اللاتي شاركن في إزالة الأنقاض من المدن المدمرة، ووصف المستشار الألماني السابق هلموت كول عام 2005 في مدينة ميونيخ، نساء الأنقاض بأنهن "رمز لتصميم الألمان على البناء والبقاء على قيد الحياة". وأضاف: "يذكر النصب التذكاري بالعدد الكبير من النساء اللواتي تطوعن لإزالة أنقاض الحرب".

     شاركت 60 ألف امرأة تقريبا في برلين في إزالة الأنقاض، م في برلين دفع النساء إلى المشاركة في إزالة الأنقاض عن طريق تخصيص نصيب أعلى من المواد الغذائية لهن. وبهدف "تجنيد" المزيد من المتطوعات نشرت وسائل الإعلام صورة امرأة الأنقاض السعيدة، كما تقول المؤرخة ليوني تريبر، مشيرة إلى أن هذه الصورة بالذات بقيت حتى يومنا هذا في أذهان الكثير من الألمان.

    إلا أن حملة وسائل الإعلام هذه لم تجد أرضية لها إلا في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حيث أصبحت امرأة الأنقاض قدوة لجميع النساء اللواتي أردن التدرب على مهنة رجالية، بينما لم تنسجم المرأة العاملة والمتحررة مع الصورة المحافظة للمرأة في جمهورية ألمانيا الاتحادية.

    بالعودة إلى سوريا، فإن القوانين والحكومة والقيادة في سوريا تدعم وبقوة دورالمرأة، وهذا سيلعب دورا هاما في تجاوز الفتيات لمشكلة العنوسة، ويأمل الكثيرون في أن نهاية الحرب اقتربت، وخاصة مع تسريح آلاف الجنود في الأشهر الماضية، وعودة الاستقرار لعدد من المناطق وبالتالي عودة الحياة الاقتصادية التي ستسمح بانخفاض هذه النسبة بالنسبة للأجيال القادمة.

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    انظر أيضا:

    الشرطة السويدية تتدخل وتمنع زواج فتاة سورية عمرها 13 عاما
    الاعتداء على فتاة سورية داخل حمامات مدرسة أمريكية (فيديو)
    تعيش مع أسرة مصرية... قصة فتاة سورية عادت إليها الذاكرة وتحلم بلقاء أهلها
    فتاة سورية تحصل على لقب "أذكى طفل في العالم"
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik