10:46 GMT29 فبراير/ شباط 2020
مباشر
    انسخ الرابط
    251
    تابعنا عبر

    انتشرت في وسائل التواصل الإجتماعي حملة ضخمة لم تشهدها سوريا منذ بداية الأزمة عام 2011، حيث أطلق الناشطون عليها اسم "ليرتنا عزنا" في سبيل إعادة قيمة الليرة السورية التي انخفضت إلى أدنى مستوياتها أمام الدولار الأمريكي، والضغط على التجار الذين احتكروا المواد الأساسية بهدف تخفيض أسعارها.

    وكان الرئيس السوري بشار الأسد، قد أصدر في وقت سابق، المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2020 القاضي بتشديد عقوبة كل من يتعامل بغير الليرة السورية كوسيلة للمدفوعات أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية سواء كان ذلك بالقطع الأجنبي أم بالمعادن الثمينة.

    دعم الليرة السورية

    هذا المرسوم أيقظ الضمير لدى فئة من الناس الذين كانوا الداعمين لحملة "ليرتنا عزنا"، إن كان في مواقع التواصل الإجتماعي فيسبوك وتويتر عن طريق الدعاية والترويج لها، أو من خلال الكتابة على محلاتهم والشوارع العامة لافتات تقول بأن اليوم سيكون كل شيء بليرة واحدة فقط.

    وتهدف هذه الحملة لدعم الليرة السورية في محاولة لإرجاعها إلى سابق عهدها وتخفيض الأسعار لتتلائم ولو بنسبة قليلة مع راتب الموظف السوري الذي لم يتجاوز الـ50 دولار في الآونة الأخيرة.

    وانطلقت الحملة بداية في حمص، وانتشرت في بقية المحافظات، وشملت المطاعم وبعض المحلات التجارية التي باعت منتجاتها بقيمة ليرة سورية واحدة، وبسبب ذلك قام الكثير من الناس بصرف نقودهم الى قطع نقدية من فئة الليرة، مما أدى لزيادة ضخ الليرة بكميات كبيرة جداً.

    وللاطلاع أكثر على هذا الموضوع وقدرة هذه الحملة على تحقيق الغاية المنشودة، قمت بالتواصل مع الدكتور باسم غدير غدير وهو استاذ في كلية الإقتصاد بجامعة تشرين، وقال لي: "هذه الحملة مجرد تكافل اجتماعي لا أكثر، تحقق أهدافاً مجتمعية وتعزز الإنتماء الوطني، ويمكن فيما إذا تطورت وشملت شرائح مشاركة ذات حجم نوعي أن تسهم في تعزيز قيمة الليرة السورية على المدى طويل الأجل، بإعتبارها عاملاً نفسياً من العوامل المؤثرة على استقرار قيمة العملة في الإقتصادات".

    ونوه أنه "من الصعب استمرارها حقيقة بهذه الآلية المطروحة لأنها ستسبب ضررا كبيرا لأصحاب المصالح، إلاّ إذا أخذت شكلاً أقل حدّة ولا يؤثر بشكل كبير على نشاط المؤسسات المشاركة مع الزمن، ويمكن أن تتحوّل إلى حسومات أو تخفيضات نسبية ومخططة".

    وأضاف الدكتور باسم "هي امتداد لمبادرات أخرى، أرى أنها تخدم تلك الفعاليات من خلال تحسين صورتها الذهنية على المدى الطويل طبعاً، وكما قلت تحتاج إلى أن تعمل بصورة مخططة كي تستمر أطول فترة ممكنة".

    غياب الكبار

    وبعد اطلاعي على تعليقات رواد مواقع التواصل الإجتماعي، لاحظت انتقادات كثيرة وجهت لشركتي "سيريتيل" و"ام تي ان" السوريتين للاتصالات، أو حتى شركات الطيران، حيث أن مطلب كثير من المغتربين بالمشاركة بهذه الحملة كي يستطيعوا زيارة عائلاتهم، بسبب تضاعف سعر التذاكر مع كل ارتفاع بسعر الدولار، وسبب النقد كان أن تلك الشركات وخصوصاً الاتصالات، تعتبر من أهم المرتكزات المعيشية للشعب السوري (بصفتهما الوحيدتين في سوريا)، وكان السؤال لماذا لم تدعم الشركات الكبيرة والتي تعتبر الأكثر ربحاً هذه الحملة؟ أو أن الحملات أيضاً هي فقط لأشخاص محددين دون أي تدخل من الشخصيات الاعتبارية الكبيرة؟

    وفي ذلك قال د. غدير "إن مشاركة الجميع واجبة ومهمة، ويمكن أن تسهم في تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية، حيث يمكن لهذه الشركات المشاركة من خلال تقديم خدمات على شكل عيني، وبالتشارك مع مؤسسات منتجة إذا كان الهدف تحصين لقمة العيش والحاجات الأساسية".

    وفي سياق الحديث الذي يشغل السوريين دائما، وهو إنزال سعر صرف الدولار من أجل تخفيض الأسعار، فكان رأي الدكتور غدير أن "هذه الحملة لن تؤثر بشكل مباشر على تخفيض سعر الدولار، ويمكن أن تسهم في تثبيت سعر الصرف، بشرط استمرارها لفترات طويلة، وليس لمجرد مبادرات استثنائية" مؤكداًأن "تأثيرها على ضبط الأسعار يمكن أن يكون بعد ثبات سعر الصرف، لكن كل ذلك، كما ذكرت، يتوقف على المدة الزمنية الأطول للمبادرة من جهة، وعلى مشاركة واسعة من قبل الجميع وفي مختلف الفعاليات من جهة أخرى".

    كما أن ارتفاع صرف الدولار بعد 2011 كان متواترا ومتسارعا بمقدار غير واقعي أبدا، رغم توالي التشكيلات الوزارية التي استلمت الحكومة بعد بدء الأزمة السورية.

    حيث بلغ معدل زيادة  الصرف 123 ليرة لكل دولار خلال العام الواحد (على اعتبار ان الدولار كان يساوي 49 ليرة سورية وصولا الى 1250 ليرة لغاية الشهر الأول 2020).

    الزمن يعيد نفسه

    وكانت، ومن رأيي الشخصي، أولويات الحكومات المتعاقبة بعد الأزمة هي التجار، وربح التاجر الذي يجب أن يكون مستقراً بغض النظر عن حالة دخل المواطن التي استمرت في الانحدار حتى وصلت لأدنى مستوياتها، على عكس مربح التجار حيث كان في تزايد مستمر بسبب عدم وجود أي رقابة لضبطه.

    وفي ذلك قال لي المحامي مهران معلا: "منذ ارتفاع سعر الدولار قام قدري جميل، وكان وزيرا للاقتصاد، بالدفاع عن التجار بحجة أنهم يشترون بالدولار، ومن حقهم ان يحفظوا أموالهم وأن يبيعوا بما يوافقهم ويحفظ حقوقهم، وها هو رئيس الحكومة عماد الخميس يكرر الأمر ذاته وأمام مجلس الشعب".

    يذكر أن رئيس مجلس الوزراء عماد خميس، وبعد صدور المرسوم الرئاسي القاضي بتشديد العقوبة على كل من يتعامل بغير الليرة السورية، قال: "لا نستطيع حالياً تخفيض الأسعار لأن هناك مواد مستوردة مرتبطة بالدولار الذي ارتفع من 500 إلى ألف ليرة أي 100 بالمئة إلا أن وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك سيكون خلال يومين في مجلس الشعب لشرح المواد التي سوف تدعمها لذوي الدخل المحدود".

    وأضاف معلا "كم كانت اكتملت شفافية السيد رئيس الوزراء لو برر لنا أسباب اجتماعات وزير التجارة الداخلية وأسباب دوريات التموين لقمع ارتفاع الأسعار، رغم علم الحكومة بأن استيراد المواد موّلت بسعر دولار 1000 ليرة" وتسائل "هل الأسعار والتسعير مرتبط بالسعر الذي أشار اليه السيد رئيس الوزراء أم أنه يتم التسعير على أساس سعر النشرة الرسمية للمصرف المركزي؟".

    وبرأيي الشخصي فإن تراخي البعض في أداء واجباته سبب حالة الغضب الشديدة التي وصل إليها الشعب السوري نتيجة الفوضة الحاصلة من استفزاز من تحكم باقتصاد البلد منذ أول قذيفة هاون ولغاية يومنا هذا، وأصبحت الكلمة الوحيدة المسموعة في الشارع السوري (السعر اليوم هيك لأن غلي الدولار).

    أعجبت جداً بالإقبال الكبير الذي رافقه حملات دعم الليرة بعد مرسوم السيد الرئيس ولهجته التي اعتبرتها "حادة" في وجه كل من تقوده نفسه للعبث بقوت الشعب السوري الصابر على الألم والجراح، فلم يكن يستحق أبداً مارآه من معاملة المحتكرين ومن دعمهم في ممارساتهم لطرق مختلفة أدت إلى زيادة الأسعار الجنونية.

    إن مثل هذه الحملات تهدف للخير هي واجب على الجميع، وليس فقط لفئات محددة، حتى لو كان هناك خسارة، فإنها سوف تقسم على الجميع، ولكن الرابح سيكون الشعب السوري.

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    الكلمات الدلالية:
    الليرة, سعر صرف الليرة, انهيار الليرة, ليرة سورية, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook