06:06 GMT25 مايو/ أيار 2020
مباشر
    انسخ الرابط
    0 111
    تابعنا عبر

    يعيش السوريون واللبنانيون حالة اقتصادية يرثى لها، مجبرين فيها على مراقبة سعر الدولار (الأمريكي) يوميا، رغم محاولات الحكومتين "المتلفزة" لضبط الصرف، فماذا لو كانت عودة العلاقات السياسية السورية-اللبنانية سببا لانفراج أزمة موحدة السبب والمسبب؟.

    فقد اعتبر الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، خلال كلمة ألقاها في الذكرى السنوية الرابعة للقيادي مصطفى بدر الدين أن الرهان على تأخير ترتيب العلاقة مع سوريا (باعتبارها دولة ستنهار) "في غير مكانه".

    وفي تساؤل وجهه نصر الله للحكومة اللبنانية قال: "كيف تذهبين لطلب المساعدة من الدول؟ ولماذا لا يكون هناك ترتيب للعلاقة مع سوريا؟"، مجيبا عن السؤال بنفسه، أن "ترتيب العلاقات مع سوريا يخدم الاقتصاد اللبناني، ويفتح أبواب العلاج للأزمة".

    علاقة عضوية

    لا أحد يستطيع نكران أن لبنان هو "رئة" سوريا، وتجلى ذلك بوضوح بعد العقوبات الإقتصادية المفروضة منذ بداية الأزمة عام 2011، وأيضا سوريا هي واجهة لبنان الوحيدة نحو المشرق العربي، والبلدان يكملان بعضهما بعضا.

    فالمواد الغذائية والضرورية التي يحتاجها الشعب السوري، كانت تأتي عن طريق لبنان، وبالتالي لا يمكن اعتبار "التهريب" عنصرا سلبيا للاقتصاد، إذا كان مبني على ضوابط أخلاقية تغني قوت الشعبين، لأن ارتفاع مستوى "التجارة الحدودية" يؤدي حكما لزيادة قوة البلدين في وجه الاحتكار الداخلي والحصار الخارجي.

    ويؤكد الكثيرون من الناس على أن "التهريب" ضر الاقتصاد السوري، بسبب سحب المواد النفطية وغيرها من القطع المعدنية والعملات الأجنبية (التي تعتبر رخيصة الثمن في سوريا) وبيعها في لبنان بأعلى ثمن ممكن، ما أثر أيضا على السوق اللبناني وساهم بشكل كبير في وصول الليرة اللبنانية لحدود 4500 مقابل الدولار.

    جوهر المشكلة

    لا يختلف اثنان على أن اغتيال رفيق الحريري كان شرارة النار التي اشتعلت بين البلدين، ومارفق ذلك من آثار سياسية كان تأثيرها أكبر على الجانب اللبناني.

    ولكن، من المسؤول عن عدم عودة العلاقات الثنائية رغم مضي قرابة 15 عاما على تلك الحادثة؟.

    فالتدخل الغربي طغى بثقله على محور وجود الدولة اللبنانية، وهناك بعض الأمور المثيرة للريبة مثل وجود السفارة الأمريكية وتجاوز موظفيها بأعدادهم الحد القنصلي لأي سفارة أخرى في العالم، واطلاقها مقولة "لبنان قوي بضعفه" بهدف تجريده من السلاح، والسيطرة على كيان الدولة، واحتلالها بأحدث أنواع الاحتلال.

    وبالتزامن مع أحداث مايسمى "الثورة السورية" وماقبلها، نجد أن هذا الاحتلال نفسه كان يرمي دائما إلى كسر شوكة الأسد.

    وبالعودة قليلا إلى التاريخ، فإن أمريكا، ومنذ أيام هنري كسنجر أدركت قيمة لبنان كإمتداد جغرافي وسياسي لربط دمشق مع طهران وبغداد، فعملت على إطلاق حرب أهلية وتشجيع النزاعات الطائفية لقطع هذا الطريق.

    وبالرغم من كثرة الزيارات التي قام بها وزراء الخارجية الأمريكيين لدمشق، لكن قليلة تلك التي اكتسبت أهمية سياسية وإعلامية كالزيارة التي قام بها كولن باول ولقائه مع الرئيس بشار الأسد، بتاريخ الثالث من مايو2003.

    فخصوصية هذه الزيارة نبعت يومها من التوقيت الذي تمت فيه، عقب بسط القوات الأمريكية سيطرتها العسكرية على الأراضي العراقية ورغبتها في استثمار هذا الوضع سياسيا.

    فالإدارة الأمريكية حددت مآخذها على السياسة السورية قبل أسبوعين من هذه الزيارة وعلى لسان أكثر من مسؤول بدءاً بالرئيس جورج بوش نفسه الذي توعد سوريا "إن لم تتعاون"، مرورا بوزير الدفاع دونالد رمسفيلد، وانتهاءاً بوزير الخارجية كولن باول، وقد أوضحوا بجلاء هذه المآخذ في نقاط عديدة، نذكر منها الجانب اللبناني والمتمحور في الوجود العسكري، وتأييد حزب الله الذي تعتبره أمريكا " منظمة ارهابية".

    دمشق "فهمت الرسالة"، حسب تعبير بوش يومها، بتجاوبها مع المطالب الأمريكية آنذاك خاصة الجانب العراقي، ولكن "ورقة التنازلات" لم تكتمل كما أرادها البيت الأبيض.

    فقد أعلنت سوريا أن وجودها العسكري والأمني في لبنان يجيء ضمن اتفاقية أمنية وقعت بين البلدين وبموافقة من الحكومة اللبنانية نفسها، وبالتالي فهو "لا يصنف على أنه احتلال"، ما شكّل عقبة أمام أهداف واشنطن، كان لابد من إزالتها بأي طريقة، فتم اغتيال الحريري بعد قرابة سنة ونصف من زيارة باول.

    لبنان كان دائما جبلا تتكسر عليه أحلام أمريكا التي أيقنت بشكل مطلق دعم سوريا اللامحدود لهذا البلد، فحاولوا التخلص منه بارتكاب الجرائم وتلفيقها بشخصيات تمثل رأس الدولة، وتحريك المحاكم الدولية دون أي دليل.

    وكانت المحاولات أحيانا تتخذ الطابع الديني وبث الفتن، عن طريق سيطرة أمريكا فكريا على بعض الدول العربية التي كان لها موقف سلبي بالرغم من تأثيرها الإيجابي الكبير على بعض التيارات القوية في لبنان، والتي ساهمت بتخريب العلاقة بين بيروت ودمشق وبالتالي تحقيق الحلم الأمريكي.

    الحل الوحيد

    التدخل الأجنبي والعربي جعل البلدين أمام عدو داخلي أقوى واشد فتكا من الخارجي وهو "الاحتكار".

    فالتجار الذين استغلوا العقوبات وضعف الدولتين لزيادة أرقامهم المصرفية دون أي إحساس بالمواطن (إن كان سوريا أو لبنانيا) وهو يقبض حوالي 20% فقط من احتياجاته الشهرية.

    وفي هذا الوضع المزري جدد الأمين العام لحزب الله مطالبته بإحياء القطاعين، الزراعي والصناعي، في لبنان، قائلا: إن "إحياء هذين القطاعين يحتاج إلى أسواق.. وأسواقهما سوريا والعراق، وبوابتهما سوريا".

    هذه الفكرة ترافقت مع خطة الأسد (الداخلية) المتمحورة في تدخل مؤسسة التجارة الحكومية في الأسواق بشكل فعال كـ"تاجر شاطر" للعمل على كسر احتكارات التجار الذين يقومون بشراء المواسم ووضعها في البرادات وطرحها في غير موسمها بأسعار مرتفعة، معتبرا أنه "يمكن للمؤسسات الحكومية التدخل والتنسيق مع المنتجين والمستهلكين (المواطنين) بشكل مباشر من أجل كسر الحلقات الوسيطة".

    ولفت نصر الله إلى أن "مشكلة التهريب إلى سوريا مزمنة بين البلدين، ومكافحة ذلك تحتاج إلى تعاون بين الحكومتين والجيشين"، منتقدا "المطالبين بمجيء الأمم المتحدة"، ومؤكدا في الوقت نفسه أن "الأمم المتحدة ليست من يضبط الهدوء على الحدود في الجنوب.

    وحمَّل نصر الله لبنان "مسؤولية المماطلة في هذا المجال"، لأن سوريا على حد تعبيره "لا تمانع بذلك".

    وفي النهاية أرى أن عودة العلاقات السياسية الثنائية ستكون بمثابة الثورة الاقتصادية والحل الوحيد للمواطن المرهق من تصريحات أعضاء الحكومتين، وإعادة صياغة العولمة الفكرية بين بلدين يواجهان سياسيا واقتصاديا عدواً واحداً، أمريكا والدولار، فلا سوريا بدون لبنان، ولا لبنان بدون سوريا.

    (المقال يعبر عن رأي كاتبه)

    الكلمات الدلالية:
    سوريا, لبنان
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook