18:45 GMT22 سبتمبر/ أيلول 2020
مباشر
    حوارات
    انسخ الرابط
    0 40
    تابعنا عبر

    برز اسم عصام حسن على الساحة السورية كواحد من الكتاب الذين تلامس قصصهم ذات الإنسان، كما كانت رسوماته الكاريكاتيرية تلامس مواضع الألم في أحوال الحياة اليومية.

    ولد عصام حسن في مدينة اللاذقية عام 1964، ودخل عالم الأدب شابا قبل 35 عاما، ونشر في عدة مجلات وصحف ومواقع ثقافية، كما أقام العديد من المعارض لرسوماته الساخرة، وله عدة مؤلفات ونشاطات ثقافية خلال الحرب السورية.

    وكالة "سبوتنيك" التقت بالكاتب عصام حسن وأجرت معه الحوار التالي:

    حدثنا عن بداياتك في الكتابة، وأنت معروف أيضا برسم الكاريكاتير، أيهما بدأ أولاً، ولماذا في الفترة الأخيرة ابتعدت عن الرسم؟

    - مثل معظم الحمقى، ارتكبتُ فعل كتابة الشعر والخواطر في مرحلة المراهقة، ولحسن الحظّ شُفيتُ من هذا أسرع من أقراني، علماً أنني أنظر اليوم بحنين إلى البراءة التي كانت تحكمنا في تلك الأيام، والتي نتج عنها كتابات تتميّز بالذاتية المفرطة، وقلّة الخبرة، واجترار المعلومات والمصطلحات والمفاهيم المهترئة من كثرة ما تم تداولها بين جحافل الشعراء والكتّاب.

    أقول إنني أنظر اليوم بحنين إلى تلك البراءة، لأنه ليس من السهل أن تكون بريئاً!، أو بالأحرى ليس من السهل أن تُبقي على الحدّ الأدنى من براءتكِ، حيث إنّ الأمر لا يتعلّق برغبتكَ، إنه شيئ تفقده كما تفقد أسنانك اللبنية، ولا مجال إلى استعادته من جديد، يتعاظم هذا الشعور بالفقد كلما تقدم بك السن، ويصبح مجرّد ذكر الأمر يبكيك، إنه شيئ من هذا القبيل، قد لا يكون مفهوماً تماماً لكنني أحاول هنا إكساءه المعنى الذي تكتسبه بخبرتك على مرّ السنين، ربما من الصعب إيصال الفكرة طازجةً للآخرين لذا أكتفي بهذا وأعود إلى أصل السؤال.

    بعد شفائي من تلك الجائحة الأدبية، توقفتُ عن الكتابة لسنوات طوال، حتّى إنني نسيت الكتابة بسبب دخول الرسم على الخط، وشعرتُ بأنني أكثر حريّة مع الخطوط والألوان والأفكار التي صرتُ أفرّغها على الورق على شكل رسوم كاريكاتورية نالت استحسان معظم من اطّلع عليها في ذلك الوقت، وكان هذا مشجعاً لي للاستمرار، وساعدني في ذلك إنني ابن بيئة مثقفة، أعيش وسط الكتب والصحف والمجلات والنقاشات، لذلك اتّسمت أعمالي بالهمّ الثقافي والفكري، حتّى إنني أصدرتُ كتاباً للرسوم الكاريكاتيرية عام 1997 بعنوان "ما قلّ ودلّ" معظم رسوماته تتمحور حول هذا الأمر، وأقمتُ معرضين في عام 1998 أحدهما في المركز الثقافي العربي السوري في اللاذقية، والآخر في دمشق في المركز الثقافي الفرنسي وكانت معظم رسومات المعرضين حول الثقافة والفكر والمثقفين.

    أمّا رحلتي مع الصحافة فقد بدأت في عام 1985 حيث كنت أقدّم مساهمات في جريدة "الوحدة" اللاذقانية، وأذكر أن أول عملٍ نشرته في تلك الصحيفة كان رسم لسيارة مشنوقة، وجاء هذا الرسم تعبيراً عن غضبي وحزني لموت طفل أعرفه دهساً بالسيارة، بعد معرض دمشق (في المركز الثقافي الفرنسي) بدأت النشر في جريدة تشرين السورية لفترة من الزمن ثم انطلقتُ إلى خارج سوريا واشتغلت في عدد كبير من الصحف والمجلات العربية والأجنبية وأقمت العديد من المعارض الفردية أهمّها كان عام 2002 في باريس (المركز الثقافي العربي السوري) ضمن تظاهرة "مهرجان الثقافات الأجنبية"، أمّا لماذا ابتعدتُ في الفترة الأخيرة عن الرسم فالسبب هو الانقسام السياسي الذي حصل بعد عام 2011 فلم أعد مرغوباً أنا ورسوماتي لأنني لم أقبل أن أصبح بوقاً لأي طرف، حيث تم انهاء عقدي مع جريدة سعودية كنت أعمل فيها لأنني رفضتُ الوقوف ضدّ بلادي رغم الإغراء المالي، وفي ذات الوقت تم انهاء عقدي مع جريدة سورية لأنني لم أقبل أن أصبح "شبيحاً وبوقاً ثقافياً"، وبعد ذلك قُدمت لي بعض العروض للعمل لكنها لم تكن مرضية لي ولا تنسجم مع توجهاتي، فاعتذرت بكل بساطة.         

     - عمّا يكتب عصام حسن، ولمن يكتب؟ وهل تأثرت كتابتك بالحرب الدائرة في سوريا، وبأي شكل؟

     أكتب عن الإنسان بشكل عام، وعن الإنسان السوري وما يحمله من ذاكرة وثقافة وعادات وتقاليد وأحلام وأمنيات وخيبات أيضاً، أسلّط الضوء على الهامشي (أو الذي يظنه البعض هامشياً) وأقدمه للناس، أكتب عن تفاصيل حياتنا كسوريين: عن ردود أفعالنا في مواقف الحب، والغضب، والخوف، والحزن.

    أكتب عن كلّ ذلك وغيره بأسلوب بسيط وكلمات بعيدة عن التعقيد اللغوي حتّى يكاد القارئ يظن أنه يقرأ باللغة المحكية بينما النص يكون باللغة الفصحى، أكتب عن الذي حصل في بلادي وعن الذي يحصل، رغم أنني لا أعرض هذا بشكل مباشر بل أضمّنه في كتاباتي وستراه في معظم القصص التي كتبتها كخلفية أو كظل أو كغطاء لبعض الأفعال التي تقوم بها شخصيات القصص، أي أنك لن تقرأ عن الحرب في قصصي لكنك ستلمس تأثيراتها وستشمّ رائحة البارود وستسمع أنين الناس حتى وسط ضحكاتهم.

    إن كنت أريد تحديدَ جهة أكتب لها، فأنا أكتب لنفسي قبل كل شيئ، هذا حقيقيّ وليس جواباً استعراضياً على طريقة بعض الكتاب والمثقفين، لأنني بدأت الكتابة والنشر عبر حسابي "الفيسبوكي" قبل نشري لهذه الكتابات ورقياً، وكان الدافع هو شعوري بالخطر بداية الأحداث في سوريا، كنتُ في ذلك الوقت (2011) أستشعر الخطر الرهيب الذي يتهددنا، رأيتُ الحرب قبل أن تحصل وكتبتُ عنها ووصفتها، كنتُ أرى الدماء في الشوارع والخراب في كلّ مكان، وانتابني شعور إنني سأموت في هذه الحرب، سيطر عليّ هذا الشعور بطريقة غريبة، وشعرتُ بأنني معني قبل أن أموت بقول شيء ما، وهذا مقطع صغير من نص كتبته ونشرته على حسابي في 2011.7.3 يوضح ما كنت أفكر فيه وأراه في ذلك الوقت:

    "... هذا الفيلم المرعب سيكون من إخراجنا ومن بطولتنا، وسيصور في استوديوهاتنا، وسندفع كلفة الإنتاج من لحمنا ودمنا. يا أيها الناس، كل الناس. هذا الذي ترونه اليوم ما هو إلا مناظرَ الفيلم القادم الذي لم يبدأ بعد. وإن كنا لا نريد له أن يبدأ لنستفق من غفوتنا ومن كبوتنا ومن عنجهيتنا... الحقّ أقولُ لكم: كما هذه الأرض تدور، كل الأشياء تدور. ومن يعاند ومن يكابر؛ ستدور عليه الدوائر. ولن ينفعنا سيفٌ ولا صليبٌ ولا كعبهْ.... افهموها؛ ليست صعبهْ ..."

    كنتُ حريصاً على نقل صورة عن شريحة من السوريين أنتمي إليها، شريحة اكتشفتُ لاحقاً أنها أكبر بكثير مما كنتُ أظن، اكتشفت ذلك من خلال تفاعل الناس مع كتاباتي على حسابي الـ"فيسبوكي".

    أردتُ القول: إننا كسوريين لسنا فقط (سنة وعلويون ومسيحيون ووو) كما كان يُروِّج إعلام الغرب وبعض الدول العربية، أردتُ القول: نحن أناس قبل كلّ هذه الاعتبارات، نحن سوريون قبل الطوائف والمذاهب والملل، وكان مدخلي إلى كلّ ذلك هو "الحب"، وجدتُ في الحب القاسم المشترك بين كل الناس، واستطعت من خلاله ملامسة مكامن الجمال الخفي أو المخفي من عقول ونفوس السوريين، أردتُ القول: إننا نحب ونضحك ونرقص ونسكر ونفرح، إننا شعب حيّ يمتلك كلّ مقومات الحياة مثلنا مثل كل شعوب الأرض، أردت القول: إننا لسنا دواعش ولا إرهابيين ولا شبيحة ولا نظام ولا عسكر، كنت أدافع عن الإنسان العادي في الوقت الذي كان المطلوب منّا أن نصبح أبطالاً خارقين، كنتُ أدافع عن بساطة العيش وعن حقّنا في العيش، كنت أدافع عن الزهرة البريّة النادرة التي نبتت في أرض المعركة وأسعى كي لا تدهسها أقدام المتحاربين، ومثلما استطعتُ ملامسة مواطن الجمال في نفوس بعض الناس، كان لكلماتي وقعٌ مختلف عند البعض الآخر (من الطرفين)، حتّى هؤلاء كتبتُ لهم وعنهم ولكن ليس بالطريقة التي يريدونها أو التي يحبونها، ولا بأس في ذلك، فالمستقبل لن يستطيع الفصل بيننا بهذه الطريقة التي نحن فيها اليوم.

    - أنت في كتاباتك تكتب عن السلام والحب كثيرا، هل تعتقد أنه يمكن تحقيق السلام في هذه المنطقة الجغرافية؟

    هذا سؤال في السياسة، وأنا لستُ سياسياً، لذا من الصعب عليّ الإجابة بشكل دقيق لأنني لا أملك المعطيات اللازمة، وما نتكلم به في جلساتنا الخاصة ودردشاتنا في المقهى مع الأصدقاء هو مجرد ترّهات لا قيمة لها، ولو كنّا نجلس أنا وأنت على شاطئ البحر مثلاً نشرب البيرة وسألتني هذا السؤال ربما كنتُ سأغرقك بتحليلاتي السياسية و لانتهيت بأن قلت لكَ مع آخر شفة بيرة: بالتأكيد يمكن تحقيق السلام في هذه المنطقة، فشعوب العالم تشبه بعضها البعض والجميع يحلم بالسلام.

    الأمر متعلّق بتغيّر موازين القوى العالمية، أي أن السلام ليس بيدنا، فنحن دول منفعلة ولسنا فاعلين إلّا بحدود معينة، وإن سألتني ماذا تعني بتغير موازين القوى قلت لك: كأن يحصل لأمريكا ما حصل للاتحاد السوفيتي، ربما في هذه الحالة ستجد اسرائيل نفسها مرغمة على سلوك أقل عدائية وتقدم على توقيع معاهدة سلام عادلة، هذا طبعاً إذا استغل العرب (الفلسطينيون بالذات) مثل هذه اللحظة التاريخية وعرفوا كيف يستثمرونها.

    أو إذا حصل لسبب من الأسباب حرب داخلية اسرائيلية (حرب أهلية) وتطورت الأمور إلى تهديد وجود اسرائل بشكل حقيقي، أعتقد أن السلام سيحصل آجلاً أم عاجلاً وإذا سألتني عن أفضل سيناريو لذلك سأقول لك: إن ما حصل في جنوب افريقيا قد يكون نموذجاً جيداً للحل، وإن دعوتني إلى جولة جديدة من البيرة ربما أخرج لك بحلول وسيناريوهات أخرى أهم.   

    - كم عدد الكتب التي صدرت لك، وكيف كان تلقي القارئ السوري لها، وهل هي منتشرة في العالم العربي ككل أم فقط في سوريا؟

    - صدر لي حتى الآن ستة كتب وهي:  

    * عن الحب وفأر الطحين........... دار أرواد السورية 2012

    * حدثينا يا شهرزاد.................. دار أرواد السورية 2013

    * الحرب ومربى الفريز والرب.....دار أرواد السورية 2014

    * جزيرة أحبك........................دار أرواد السورية 2016

    * حب في بيت النار................. دار الآداب اللبنانية 2018

    * قبلة لماريانا...................... دار التكوين السورية 2019

    أما بالنسبة لتلقي القارئ فقد كان مفاجئأً لي، لأن كتابي الأول "عن الحب وفأر الطحين" انتهت طبعته الأولى خلال أشهر قليلة، وكذلك الطبعة الثانية نفذت خلال عام تقريباً، وهذا يعتبر شيئاً ملفتاً للانتباه في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمر فيها البلاد حين صدوره، كذلك كتابي الثاني "حدثينا يا شهرزاد" لم يعد متوفراً في المكتبات ومثله "الحرب ومربى الفريز والرب"، وبالنسبة للانتشار في العالم العربي فللأسف هي غير منتشرة بشكل طبيعي، إنما يساعد على ذلك معارض الكتب التي تقام والتي تشارك فيها دور النشر السورية ومن خلالها يصل الكتاب إلى العالم العربي عموماً.

    - ما الصعوبات التي يواجهها الكاتب أو رسام الكاريكاتير حاليا في عالمنا العربي؟

    لا أعرف ما هو حال الكاتب أو رسام الكاريكاتير في العالم العربي رغم اعتقادي (أن الحال من بعضه)، ولكن أستطيع القول إن ما يواجهه المبدع في سورية من الصعوبات يمكن أن نطلق عليه "مجزرة ثقافية" حقيقية، الحياة الثقافية في سورية شبه ميتة، وهذا لا علاقة له بالحرب الدائرة منذ تسع سنوات تقريباً، ربما تكون الحرب قد لعبت دوراً في إبراز هذا "الموات" ولكن الأمر أبعد ذلك وأكثر عمقاً، ما فعلته الحرب هو أنها أماطت اللثام عن الواقع الثقافي الحقيقي المشبع بالمرارة.

    لا أنكر وجود ومضات ابداعية هنا وهناك، ولكنها ومضات معزولة ومحاربة بشكل ما، ما يحصل في العالم كله (وليس في سورية أو العالم العربي فقط) هو حرب على الثقافة والفن والابداع، حرب على الجمال والأخلاق والنزاهة، حرب تريد تحويل كل شيئ إلى سلعة تُباع وتُشترى، وكل شعب من شعوب الأرض يقاوم هذه الحرب على طريقته وحسب امكاناته وحسب مخزونه الثقافي التاريخي.

    هناك محاولة لتتفيه وتسخيف كل القيم الإنسانية النبيلة لصالح التجارة والاستهلاك،  وإلّا ما معنى أن يأتي "ولد" بعمر خمسة عشر عاماً ويطلق أغنية يصرخ في أحد مقاطعها "شعراتاااا ولووو" فيصبح بين ليلة وضحاها نجماً في عالم الغناء، وتستضيفه أهم القنوات الفضائية، ويوقع العقود ويقيم الحفلات ويشارك في المهرجانات في الوقت الذي فيه مئات المبدعين السوريين يبحثون عن لقمة العيش ويحاربون بضراوة للاستمرار في عملهم وتقديم الأعمال الأدبية والكتب النقدية والقصائد الشعرية والاختراعات العلمية والتفوق في الدراسة والانجازات الطبية والإنسانية، وهم مهمشون ويقبعون في الظلام !.

     أعتقد إن تكريس التفاهة ليس شيئاً يحصل عفو الخاطر أو مصادفة، بل هو مشروع له أدواته وله تبعاته ويمشي معه بالتوازي مشروع آخر يكمّله هو القمع الفكري، أي بمعنى آخر غياب الحرية الفكرية، وهذا القمع ليس محصوراً فقط بالسلطات الأمنية والرقابية بما يخص السياسة كما قد يتبادر لأذهاننا عند قراءتنا لهذا الكلام، بل (بالاضافة إلى ذلك) هناك القمع الذي يمارسه المجتمع عبر المؤسسات الدينية التي تعاظم دورها في الفترة الأخيرة وجعلت من نفسها وصية على أفكار وسلوك الناس.

    وأخيراً، بالإضافة لكل ذلك تأتي الأوضاع المعيشية الصعبة لتحاصر المبدع وتجعله يعاني الأمرّين، وخاصة في سنوات الحرب التي دفعت الكثير من المبدعين السوريين للهجرة بحثاً عن لقمة العيش.     

    - ما الذي يطمح إليه عصام حسن، وما هي خططه المستقبلية في مجال الكتابة؟ روايات كتب جديدة وما شابه.

    طموحاتي الشخصية مرتبطة بواقع سورية وبالسلام الذي نتمنى أن يحل قريباً (طالما إنني لا أتاجر بالسلاح ولا بالمخدرات ولا أشارك بمنظومة الفساد التي تُنهك البلاد)،  وأعظم أمنياتي اليوم هي أن تخرج سوريا من هذه المحنة وتعود أفضل مما كانت، ولكن بنفس الوقت هذا لا يعني أن نعطل كل شيء بانتظار أن يحصل ذلك، وأنا اليوم أعمل على نشر كتاب جديد من المفترض أن يصدر عن دار التكوين السورية قبل نهاية هذا العام.

    أجرى الحوار: أيهم مصا

    انظر أيضا:

    أيمن زيدان: الثقافة العربية عموما وصلت إلى مرحلة عقيمة وموجعة
    الكلمات الدلالية:
    رسام كاريكاتير, اللاذقية, كاتب, ثقافة, سوريا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook