23:09 GMT31 أكتوبر/ تشرين الأول 2020
مباشر
    حوارات
    انسخ الرابط
    0 45
    تابعنا عبر

    مرت الذكرى التاسعة عشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2011، لتعيد إلى الذاكرة تنظيم "القاعدة" الإرهابي (المحظور في روسيا) مع الكثير من العمليات الإرهابية والضحايا الأبرياء.

    أيمن دين، واحد من الشباب الذين انضموا إلى التنظيم في شبابهم، قبل أن يفكر في التراجع عن التفكير الجهادي والخروج من "القاعدة"، ليعمل بعد ذلك مع الاستخبارات البريطانية وينجح في منع العديد من العمليات الإرهابية التي كان يخطط التنظيم لتنفيذها. أجرت وكالة "سبوتنيك" الحوار التالي مع أيمن دين حول رحلته ما بين الانضمام إلى التنظيم، وبين التحاقه بالاستخبارات البريطانية وطريقة تجنيده والعمل معهم:

    ولدت في أسرة بحرينية في المملكة العربية السعودية، وعشت في مدينة الخبر حتى عمر 16 عاما، دعنا نبدأ من السعودية كيف التحقت بالفكر الجهادي هناك؟

    الفكر الجهادي في البداية هناك لم يكن نفسه كما هو الآن، ولم يكن تفكير قاعدي في ذلك الوقت، أغلب الفكر القاعدي كان قد بدأ بعد انتهاء الجهاد في أفغانستان، وبدء القتال بين الأحزاب هناك، وبعدها حدثت حرب البوسنة، وفي ذلك الوقت كان الفكر الجهادي كله حول قضية الدفاع عن المسلمين وأعراضهم وبلادهم، ولم تكن الفكرة حتى ذلك الوقت في الحرب بين الإسلام والغرب، وبين الإسلام وأمريكا، وأنا في عمر 16 عاما لم أقرر فقط أني سأنضم إلى تنظيم إرهابي، بل كنت أريد الذهاب إلى البوسنة.

    أول ما ذهبت إلى هناك وكان السبب في ذلك أن أحد الأصدقاء المقربين لي كان ذاهبا إلى هناك وعندها قررت الذهاب معه، أهلي لم يعرفوا إلا بعد عدة أيام حينما اتصلت معهم من الحدود بين كرواتيا والبوسنة، وكانت مفاجأة كبيرة لهم.

    من سهل لك عملية الذهاب إلى البوسنة؟

    في ذلك الوقت كان هناك مجموعات تسمى خلايا التجهيز، وقد كتبت عن ذلك دراسة مطولة تحت اسم (المال المقدس) وضعت فيها مسألة تجهيز الغازي، وهي عن الخلايا التي تجمع المال التي تسهل الأمر لمن يريد الذهاب إلى الجهاد والغزو في سبيل الله.

    فالإنسان الذي لا يستطيع الذهاب إلى الجهاد كان هناك من يأمن له كل مايجتاج للذهاب، وقال زميلي في وقتها أن من سيجهزه سوف يجهزني، ولهذا كان المبلغ متوفر لي من أجل الذهاب إلى البوسنة.

    أنت انتقلت بين عدة أماكن من البوسنة إلى الفلبين وبعدها أفغانستان مرورا بجورجيا وغيرها من الدول، كيف يمكن للجهاديين الانتقال ببساطة بين مختلف أنحاء العالم، من يسهل هذه العمليات، جهات دولية أو غيرها؟

    لم يكن هناك من يساعدنا في ذلك الوقت، بل كنا نشعر بالخوف الشديد في كل مطار دخلناه ونخشى الانتقال، والكثير من الأشخاص اعتقلوا أثناء تنقلهم في المطارات إن كان في كرواتيا أو النمسا أو غيرها من الدول في الطريق إلى البوسنة، فكان يدخل شخصين أو ثلاثة من أصل كل 10 أشخاص متوجهين إلى هناك، ولم تكن المسألة بالسهولة هذه، ولكن في النهاية من أعداد المسافرين الهائل من الصعب جدا أن تستطيع إلقاء القبض على عدد بسيط من الإرهابيين بينهم، والموضوع كمن يبحث عن إبرة في كومة هائلة من القش.

    وكان لدينا قائمة بالمطارات ذات الإجراءات السهلة وخطوط الطيران التي يجب تجنبها، فأحيانا كنا نتجنب الذهاب إلى دبي مثلا، بسبب تشديد الإجراءات في ذلك الوقت، فنذهب عن طريق دولة أخرى كالبحرين على سبيل المثال، وعندما نعلم  أن البحرين قد شددت إجراءاتها فنحاول أن نجد دولة أخرى، كما كانت هناك خطوط طيران لا نستخدمها أبدا كمصر للطيران، فهناك معرفة كانت لدينا حول الدول التي كانت متساهلة وبالدول التي كانت إجراءاتها صعبة جدا.

    أنت انتقلت بعد ذلك إلى أفغانستان وبايعت أسامة بن لادن والتحقت بتنظيم القاعدة، هل قابلت زعيم التنظيم هناك؟ حدثنا عن اللقاء معه؟

    نعم قابلت أسامة بن لادن، فحتى تعطيه البيعة يجب أن تصافحه وتردد أمامه القسم، وعندما التقيته لم يكن هناك أي إجراءات أمنية أو غيرها، وأنا أصلا دخلت تنظيم القاعدة عن طريق رئيس حراسه أبو حمزة الغامدي، فهو من أقنعني بالدخول إلى التنظيم وهذا كان في سبتمبر/ أيلول عام 1997.

    وكل ما أذكره عن ذلك الوقت هو تفكيري بجدية القسم الذي سأقسمه في البيعة، وبأنه ليس فقط رحلة كانت بالنسبة لي، وإنما كانت هي الغاية التي أنشدها، فالبيعة كان اسمها بيعة قتال وأسامة بن لادن يذكرك أثناء البيعة بأنك لا تبايعه على أنه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، بل فقط بيعة قتال على أنه قائد في القتال فقط.

    ما هو الدور الذي لعبته في التنظيم؟  وكيف كانت حياتكم في القاعدة في أفغانستان؟

     كان لدي رغبة في تعلم التفجير والأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وأرسلوني إلى معسكر من أجل هذا الشيء، وقضيت مع أبو خباب المصري لأحد عشر شهرا، والذي كان يعتبر أمهر صانعي القنابل لدى تنظيم القاعدة خلال تاريخها، وهو من درب العديد من الأشخاص كرمزي يوسف أول من حاول تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك في عام 1993، وغيره من خبراء المتفجرات.

    أما عن الحياة هناك طبعا كانت صعبة جدا، فتخيل أن الطعام كان عدسا كل يوم، ولم يكن هناك غذاء كافي للجميع.

    الجهاد في أفغانستان كان لمحاربة السوفييت، وأنت ذهبت إلى هناك بعد عدة سنوات من رحيل السوفييت، ألم تتساءل لما أنت ذاهب للجهاد هناك؟

    الجهاد هناك لم يكن جهادا عسكريا بقدر ما كان هو تدريب، وكان ينظر لأفغانستان على أنها أرض انطلاق، ولا ننسى أن وجود تنظيم القاعدة هناك كان لتثبيت حكم طالبان، وأن يكون موطئ القدم لطالبان هناك محمي، لأنه سيكون حماية بالنهاية لتنظيم القاعدة نفسه، خاصة ضد التحالف الشمالي "شوراي نازار" من الطاجيك الذي كان يقوده أحمد شاه مسعود، و"غولام جم" من الأوزبيك الذي كان يقودهم عبد الرشيد دوستم.

    هل كانت هناك مجموعات أخرى على عداء مع القاعدة؟

    لا فقط هاتين المجموعتين ولم يكن هناك أصلا مجموعات أخرى إلا طالبان، كان هناك الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار والذي كان محايدا ما بين طالبان وبين البقية، لكن المجموعات التي كانت تشكل معارضة مسلحة لطالبان كانت هاتين المجموعتين "شوراي نازار" و "غولام جم".

    خلال تلك الفترة التي كنت موجودا هناك، ما مدى قوة القاعدة في تلك الفترة؟

    كانت القوة ليست بالمعنى الكلاسيكي للقوة، لكن كان لديهم القوة على التدريب، وعلى تخريج الكوادر، وخلال السنوات الخمس التي قضيتها هناك، خرجوا الكثير من الكوادر، لكنها جميع هذه الكوادر انتهى بها المطاف قتلا وتشريدا وسجنا، وخسرت القاعدة كل ما بنته ما بين 2002 و 2009، بعد العملية الغزو الأمريكي لأفغانستان، وكذلك كانوا قد أرسلوا الكثير من الكوادر إلى السعودية، وكانت هناك حملة كبيرة شعواء عليهم، وتم القضاء عليهم.

    كيف كانت تتم عملية التجنيد في تنظيم القاعدة، وهل كان هناك أطفال بين الأعضاء؟

    الأطفال أكثرهم كان نتيجة قدوم بعض العائلات، والقاعدة لم تكن تجذب الكثير من العائلات بل العذاب في الأغلب، فهم لم يريدوا بناء دولة بل بناء تنظيم، حتى العنصر النسائي كان جدا ضعيف، وهذا هو الفرق بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، فداعش كان يريد بناء دولة ومجتمع والسيطرة على الأراضي، بينما لم تكن القاعدة  تريد السيطرة على الأراضي، بل تريد عمل فوضى، التي تؤدي إلى سقوط أنظمة ومن بعدها يأتي بناء الدولة، حيث كانت القاعدة ترى بأن الجهاد يأتي أولا ومن ثم الدولة، بينما داعش (المحظور في روسيا) كانت ترى العكس.

    التركيز كان على العزاب أو من تركوا عوائلهم، وكان التركيز بالشكل الأكبر على اليمنيين والسعوديين والخليج، وكان هناك أيضا مجموعات كبيرة من الشام، والعراق لم يكن يأتينا الكثير منهم وكانوا قلة هناك، كان هناك كثير من الأردنيين خصوصا بعد ما جاء أبو مصعب الزرقاوي وإطلاق سراحه من السجن، وجاء بعض المخيمات الفلسطينية في لبنان وقلة قليلة من اللبنانيين، والسوريين بدأ يأتي أكثرهم بعد قدوم أبو مصعب السوري من لندن إلى أفغانستان في عام 1997، وكان له ثقل بحكم الكتاب الذي كتبه وهو التجربة السورية، وأنا قضيت 4 أشهر أتعلم من أبو مصعب السوري، وقضيت أسبوعين في منزله في كابول، وهو كان من الذين جذبوا بعض الشباب السوريين وخاصة الذين كانوا خارج سوريا في الخليج وأوروبا خاصة.

    جميع التنظيمات الجهادية تنادي بالقتال ضد أعداء الإسلام، لكننا لم نر أية عملية ضد إسرائيل رغم كل الشعارات بتحرير الأقصى وفلسطين، وهناك جماعات "جهادية" في سيناء مثلا تقوم بعمليات ضد الجيش المصري فقط ولا تتسلل إلى إسرائيل للقيام بعلميات هنا، لماذا؟

    هذا السؤال جميعنا سألناه والجواب ينقسم إلى قسمين، أولا حماس والتي طلبت منذ البداية من القاعدة أن لا تتدخل في فلسطين، وكان هناك تدريب متبادل، وكانت حماس ترسل عناصر وإن كانت ليست بالكثيرة، وكانوا يتعلمون آخر تقنيات المتفجرات والسلاح الكيماوي من القاعدة، وأنا شاهد على ذلك، والتفجيرات الانتحارية التي جرت في فلسطين وفي داخل الخط الأخضر في سنوات 2000 حتى 2003 كلها جرت بفضل تنظيم القاعدة وتدريباتهم، لأنهم غيروا في نوعية المتفجرات التي يستخدمها التنظيم في الأحزمة الناسفة، لأنهم طوروا متفجرات لا تحتاج إلى أسلاك ودوائر كهربائية وإنما فقط بضربة خفيفة على الحزام، فكانت القبضة تكفي لتفجير المادة والتي تعتبر أقوى من "تي إن تي" بمرتين.

    الأمر الثاني هو أنه كان هناك محاولات لاستهداف الإسرائيليين في الخارج بشكل دائم، مثلا كان هناك تفجير جزيرة برقة في تونس والمعبد اليهودي، وتفجيرات طابا واستهداف ذهب وشرم الشيخ، التي قام بها ماجد القرعاوي وخليل الحكايمة، وهناك أيضا محاولة استهداف الطائرة الإسرائيلية التي أقلعت من مطار كينشاسا بصاروخين مضادين للطائرات، وهذه لو نجحت لكانت قتلت 300 سائح إسرائيلي، وأيضا تفجير الكنيس اليهودي والقنصلية الإسرائيلية في اسطنبول حيث سقط 23 قتيل، فكان هناك كان استهداف لإسرائيليين أو يهود خارج إسرائيل.

    أيضا كان هناك تبرير آخر وهو أن القاعدة كانت منشغلة برأس الأفعى وهو الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك كانت هذه الأسباب الرئيسية عن عدم انشغال القاعدة بإسرائيل.

    قلت أن هناك علاقة كانت بين حماس والقاعدة، مع من أيضا كان هناك علاقات للقاعدة؟

    أكثر علاقة كانت موجودة هي مع إيران وأقولها بكل أمانة، ومن ثم كانت هناك قطر، وكانت هناك علاقات أيضا مع السودان، وإلى حد ما كان هناك تعاون مع الاستخبارات اليمنية، وكانت أيضا هناك أيضا علاقة إلى حد ما مع الاستخبارات الباكستانية. 

    كان أيضا هناك وبشكل غير مباشر خلال الفترة ما بين 98 و 2001، بين طالبان وليس القاعدة مع الاستخبارات العسكرية الصينية، حيث سقطت بعض صواريخ كروز في أفغانستان في بحيرة، والصينين أرادوا شراء هذه الصواريخ، وأيضا عند هبوط طائرة أباتشي عام 2001، تواصلت طالبان مع الصينين لبيعها وبيع التكنولوجيا فيها.

    كل من هذه الأطراف كان لديها هدف معين، فباكستان كانت ترغب تدريب الشباب الذي يذهبون للحرب في كشمير، واليمن كانت تستفيد من الميزانية الضخمة التي تقدمها الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في اليمن، فكلما زاد الإرهاب في اليمن كلما قدم الأمريكان أموالا أكثر، فكان علي عبد الله صالح يعطي جزء من هذه الأموال للقاعدة حتى يحصل هو على أموال أكبر، فكانت تجارة بشكل واضح.

    أنت قضيت 6 سنوات في أفغانستان، كيف تقيم الوضع الحالي هناك؟ خصوصا بعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان؟

    في النهاية حركة طالبان ستتخلى جزئيا عن القاعدة بعد أن صبرت 20 سنة، فطالبان هم جزء لا يتجزأ من الشعب الأفغاني، ووصولهم إلى الحكومة أمر لا بد أن يحصل، وطالبان هناك نظرتهم إلى الجهاد محصورة في أفغانستان، ولم يكن لديهم نظرة دولية أو بأنهم سيحررون القدس وفلسطين وغيرها، النظرة فقط كانت محلية وبأن أفغانستان للأفغان والأكثرية البشتونية يجب أن تكون السيطرة لها في البلاد، بالإضافة إلى تحكيم الشريعة بحسب المدرسة الحنفية فهم أشاعرة أحناف، بينما القاعدة هي خليط بين السلفيين والإخوان، وهنا يكمن الفرق بين الطرفين.

    القاعدة تحس بأن وجودها في أفغانستان في أواخر مراحله، لذلك هم من عام 2017 ينقلون كثيرا من كوادرهم إلى سوريا، وهناك لقوا حتفهم.

    لنتحدث الآن عن رحلة العودة، كيف قررت الخروج من تنظيم القاعدة؟

    كل الذي حصل أنه بعد تفجيرات نيروبي ودار السلام فهمت أن هناك فرقا بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، فعندما ترى بنفسك النتائج الوخيمة للاستراتيجية التي تبناها التنظيم، أنا لم أكن أتوقع بأن تصل الحال إلى ذبح مئات الأفارقه الأبرياء الذين لا علاقة لهم بما يحصل في أفغانستان، وما يحصل بين القاعدة وأمريكا.

    أنا كإنسان أحسست أننا سنصل إلى قتل أبناء عمومتنا وأبناء شعبنا الموجودين في الجيش والقوات الأمنية، وأننا سنفجر سفارات ووزارات وستحصل حروب أهلية في داخل مجتمعاتنا المسلمة، وأحسست بأننا نغتصب حق الحرب والسلام من يد مليار ونصف مسلم، وكيف لنا نحن 400 أو 500 شخص موجودين في كهوف ومعسكرات وجبال أفغانستان أن نقرر مصير الأمة الإسلامية ككل، ولم أرد الاستمرار بعد ذلك وقررت العودة إلى الخليج وكان ذلك في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1998.

    طبعا لا تستطيع الذهاب إليهم وتوديعهم والخروج ببساطة، لكن كان لدي موعد طبي في قطر، بسبب إصابتي بمرض التيفوئيد والملاريا بنفس الوقت قبل ذلك بعام، وحصلت لي أعراض على الكبد وكان المستشفى في قطر قد طلب مني أن أعود لأجراء فحص على الكبد للتأكد من عدم حصول ضرر مزمن، وكان لدى قادة التنظيم معرفة بضرورة ذهابي للعلاج في قطر، وكنت أنتظر بفارغ الصبر الوصول إلى قطر وإبلاغهم بأن جهاز الأمن القطري سحب مني جواز السفر ومنعني من الخروج، وكنت أرغب في العيش بقطر ودراسة الجامعة ومواصلة حياتي وأن أصبح مدرسا كما كنت أحلم.

    فور وصولي إلى قطر أخبرت صديقي وقد كان معي في البوسنة بنيتي بالخروج من التنظيم، وهو بارك لي هذا الأمر، وتواصل معي جهاز الأمن القطري القدوم، وللأمانة تم التعامل معي بشكل حضاري، واعترفت لهم بكل ما لدي وأخبرتهم بنيتي ترك التنظيم، وبقيت في مبنى أمن الدولة حوالي 9 أيام، ثم ذكروا لي أن هناك مشكلة في البقاء في قطر، هي أن عدد سكان الدوحة 250 ألف شخص، ويمكن أن تقابل كل فترة أشخاص تعرفهم من التنظيم، ولن يكون هناك أي حماية أمنية لك في الدوحة، واقترحوا بأن أكون تحت حماية جهاز أمني لدولة كبيرة، وكانت الخيارات بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، فاخترت بريطانيا وتم التواصل معهم.

    كيف كان العمل مع الاستخبارات البريطانية، وما المهمات التي كانت منوطة بك؟

    البداية أدليت بكل المعلومات التي لدي، وعرضوا علي معلومات كانت لديهم للتأكد من صحة كلامي، وهذا استمر لمدة 6-7 أشهر، وبعد ذلك جاءت فترة إعادة تأهيل وفهم عن كيفية انتقال الإنسان من أيدولوجية متطرفة إلى فهم أن الأمن والأمان والاستقرار والازدهار لا يحدث إلا من خلال دولة مدنية حديثة، في البداية كان هذا الأمر صعبا علي، لكن في النهاية كانت المسألة حتمية، وفهمت بأن هذا التنظيم لن يقف حتى يورط الأمة الإسلامية كلها فيما لا تحمد عقباه، وبعد ما حدث في 9/11 ورطونا للأسف.

    بعد ذلك عدت إلى أفغانستان بقصد التجسس على تنظيم القاعدة، وكنت أعرف أني ذاهب وقد لا أعود أبدا، وقيل لي بالحرف الواحد أن الخطأ الأول هو الأخير لي، وهناك بعد دخولك من بوابة طورخوم على معبر خيبر، تعبر 100 سنة إلى الوراء، حيث لا يوجد أي شكل من أشكال الحضارة أو التكنولوجيا لا هاتف محمول أو حتى أرضي ويتم فقد الاتصال بك بشكل تام، وكنت مقدر للخطر الذي كنت فيه، بل وخلال الـ33 شهر الذي قضيتهم كجاسوس على تنظيم القاعدة أعدم 5 جواسيس هناك، اثنان منهم لصالح المخابرات الأردنية و3 لصالح المخابرات المصرية.

    المخابرات البريطانية أخبرتني بأن أهم ما في الموضوع كله هو سلامتي الشخصية، وساعدوني على التخطيط لأفضل طريقة لاختراق التنظيم، وهيئته خطة لإرسال العسل والبهارات والملح الوردي من أفغانستان، حيث كنا نأخذ هذه الأشياء من كشمير وغيرها ونرسلها إلى السعودية، حيث أن الكثير من قادة التنظيم كانوا يرغبون بالتجارة بحيث يكون لديهم مصدر دخل، ونحن استغلينا هذا الشيء.

    القاعدة بلعت الطعم، وهذا سهل علي عملية الخروج والدخول، بحيث أستطيع لقاء ضباط الاستخبارات في دول أخرى، بل حتى قادة   التنظيم أنفسهم أصبحوا يطلبون مني السفر لتسليم البضاعة وإدخالها إلى السعودية، أو الذهاب إلى إسلام أباد واستلام ثمن البضائع، وبهذه الطريقة كنت أرسل المعلومات مع الحفاظ على حياتي.

    في ذلك الوقت هل منعت أي عمليات إرهابية للتنظيم قبل حدوثها؟

    كان هناك عدة نجاحات بالنسبة لي وأنا فخور جدا بها، أولها كانت منع عملية ضد الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين في أعياد الميلاد عام 2004، كانت العملية هي استهداف البحارة الأمريكيين في الملهى الليلي في الجفير، وكان الهدف قتل أكبر عدد منهم بالطبع مع تواجد الكثير من المدنيين البحرينيين والسعوديين وغيرهم، الأمر الآخر هو إعلام الأمريكيين بشكل مسبق بهجوم كيمائي على مترو الأنفاق في نيويورك، وكشف التطور في بناء القنبلة الكيمائية لدى تنظيم القاعدة، حيث كانت القاعدة ستستخدم هكذا قنابل في السينمات في الولايات المتحدة، وهي نفس القنابل التي كانت ستستخدم ضد المسارح ودور السينما في مصر عام 2015.

    كان هناك أيضا عملية منعت فيها تسميم مقابض سيارات في عدة أحياء في لندن في بريطانيا، والتي حاول القيام بها هاميون طارق كشميري الأصل، والذي أصبح أبو مسلم البريطاني من كبار مصنعي القنابل في تنظيم داعش الإرهابي (المحظور في روسيا).

    طبعا هناك معلومات أعطيتها ونجحت بطريقة غير مباشرة منعت عمليات مستقبلية، بسبب إيقاف هؤلاء الناس بوقت مسبق، لكن العمليات المباشرة التي ذكرتها هي أهم ما قمت به.

    إلى أي درجة ترى أن التنظيمات الإرهابية مخترقة من قبل أجهزة الاستخبارات الأجنبية أو حتى أنها مدارة بالفعل من قبل هذه الأجهزة؟

    قد يصبح المخترق أحيانا قائد في هذا التنظيم، لكن هذا كله يعتمد على مدى القواعد المتبعة المسموحة للعميل، فأنا على سبيل المثال لو قالوا لي في تنظيم القاعدة نفذ حكم الإعدام بجاسوس، فالمخابرات البريطانية أعطتني حرية التنفيذ فيما لو لم أستطع التنصل من ذلك خوفا من اكتشافي، فيما كنت ممنوعا من تنفيذ أي عملية مثلا، فهناك قواعد معينة تعتمد على أجهزة الاستخبارات وما تعطيه من حرية للعملاء، فأنا أعرف مثلا أن الاستخبارات الفرنسية تعطي عملائها مجال أكبر في مجال التجسس والاشتباك، أما الاستخبارات البريطانية والأمريكية فمساحتهم أضيق، أما مثلا الاستخبارات الألمانية فلا مساحة لديهم لأن دستورهم يمنع أصلا هذا الشيء.

    هل هناك احتياطات أمنية تتخذها حاليا، وألا تخشى من انتقام التنظيم أو أصدقائك السابقين؟

    هم حاولوا ذلك من قبل وهذا أمر طبيعي، وكان هناك محاولة عام 2009 وفشلوا، وحاولوا في عام 2016 كذلك، لكن من المعيب أن يكون الإنسان شجاع معهم وجبان بعدهم.

    من خلاصة تجربتك ما تستطيع أن تقوله للشباب الواقعين تحت تأثير هكذا تنظيمات؟

    هناك مقولة تنسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في نهج البلاغة تقول: الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله، فأنت كشاب تذكر دائما بأننا أمام خيارين وحرب بين تيارين الأول يرى بأن الدولة المدنية الحديثة هي السبيل الوحيد لحماية أرواحنا واستقرارنا وتقدمنا، وهناك تيار يريد بناء أمجاد وهمية وإعادتها مرة ثانية عبر جبال من الجماجم ومحيطات من الدماء، فهل يستحق الأمر ذلك أم لا، وإلى متى ونحن نسفك دمائنا ونزهق أرواحنا والنتيجة هي نفسها، والمستفيد من ذلك كله غيرنا، وكل الدول المتقدمة في الوطن العربي والإسلامي من الإمارات وماليزيا وغيرها هي دول مستقرة وآمنة، بينما الجماعات المعشعشة في دول من خلال الأيديولوجيات عابرة للحدود أدت إلى حروب مبنية على أوهام سواء كانت خلافة إسلامية أو مهدوية أو غيرها، فنحن لحد هذه اللحظة نعيش في أوهام دينية لا نعرف إن كانت حقيقة أم لا، حيث يتم الخلاف حول أمور هامشية، بينما أمور أخرى مثل صون حياتنا والحفاظ على حياة جيراننا وأهلنا هي أمور من صلب ديننا، وأريد القول للشباب لا تنخدع خلف كل ناعق وكل من يحمل راية، في النهاية الشعارات لا تغني ولا تسمن من جوع.


    أجرى الحوار: أيهم مصا

    انظر أيضا:

    قيادي إيراني يكشف دور دول الخليج في الحرب مع صدام ويحذر من وقوعها "كفريسة"
    تسجيل أول وفاة لامرأة بسبب هجوم إلكتروني
    "الأولى بالنسبة لأنقرة"... الكشف عن مشروع سكة حديد تربط العراق بتركيا
    عضو سابق في "القاعدة" يكشف سر التعاون بين الرئيس اليمني السابق والتنظيم
    جهادي سابق يكشف علاقة حماس بعدم استهداف القاعدة لإسرائيل
    الكلمات الدلالية:
    أفغانستان, بريطانيا, الإرهاب, القاعدة
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook