19:01 GMT25 سبتمبر/ أيلول 2021
مباشر
    حوارات
    انسخ الرابط
    0 04
    تابعنا عبر

    قال الدكتور يوسف بلمهدي، وزير الشؤون الدينية والأوقاف في الجزائر، إن وزارته استطاعت خلق واقع افتراضي لجماهير المساجد بعد أن تسببت أزمة جائحة كورونا في إغلاق المساجد الحقيقية.

    وفي حوار له مع وكالة "سبوتنيك" على هامش مؤتمر مؤسسات الفتوى في العصر الرقمي الذي عقد في القاهرة مؤخرا، أكد بلمهدي أن الخطاب الديني في الجزائر يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، لذلك استطاع المختلفون فكريا داخل الجزائر من التعايش سويا.

    وتحدث الوزير الجزائري كذلك عن بعض ما يشغل بال مواطنيه من أحكام شرعية تتعلق بالزكاة وجواز صرفها في شراء اسطوانات الأكسجين وغيرها من المستلزمات الطبية.

    وأشار في الحوار إلى أزمة الهجرة غير الشرعية، وما يسميه الجزائريون "قوارب الموت"، التي تحصد أرواح كثيرين، مؤكدا أنها أزمة عالمية وليست جزائرية، وأن خطابهم الديني يهدهد على الشباب ويبحث عن أصول مشاكلهم ويسهم في حلها.

    ويتضمن نص الحوار الذي أجرته "سبوتنيك" مع الوزير الأسئلة والأجوبة التالية:

    بداية.. ماذا يعني لكم حضور مؤتمر عن الإفتاء في رحاب دار الإفتاء المصرية؟

    أولا، دعني أشكركم على إتاحة هذه الفرصة للقائكم والتحدث إلى الجماهير عبر منبر "سبوتنيك" الإعلامي، وهو منبر رصين له متابعون في شتى أنحاء العالم يثقون به.

    وعن حضوري للمؤتمر أؤكد أنها ليست المرة الأولى التي أحضر فيها مؤتمر دار الإفتاء والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العالمية على أرض مصر، فقد سبق وحضرت طبعات سابقة من هذا المؤتمر.

    لكن المؤتمر هذا العام فيه لمسة جديدة فرضتها عليها جائحة كورونا، حيث كان هناك حجر واسع النطاق، مما سمح للهيئات والجامعات وغيرها من المؤسسات بالتواصل عن طريق التحاضر عن بعد، حتى نستطيع القول بأنها وجهت الأنشطة الاعتيادية، والتي كانت في يوم من الأيام اختيارا، أو هواية للبعض ممن يحبون التعامل بالوسائل التقنية الحديثة، أقول إن الأزمة جعلتها ضرورة، حتى صارت معتمدة في جامعات ومؤسسات علمية وأكاديمية، حتى صار الطلبة يدرسون عن بعد، ويسجلون حتى رسائلهم الأكاديمية ويناقشونها بالطريقة ذاتها، وأضحت المؤتمرات واللقاءات حتى الدولية منها ومؤتمرات القمم صارت تتم عن بعد من خلال تلك الوسائل.

    يوسف بلمهدي وزير الشئون الدينية والأوقاف بالجزائر
    © Sputnik
    يوسف بلمهدي وزير الشئون الدينية والأوقاف بالجزائر

    ما أريد قوله هو أن هذا الواقع انتبهت له دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور الإفتاء العالمية، لتجعله موضوع مؤتمرها في لمحة مهمة، تدرس من خلالها طبيعة معطياته، وطرائق التعامل معه، وتوجيهه لخدمة العملية الإفتائية برمتها.

    كيف استطاعت وزارة الأوقاف الجزائرية التغلب على الواقع الجديد الذي فرضته كورونا في عملها خاصة موضوع المساجد، وفتحها أو إغلاقها، ثم التعامل مع البدائل؟

    بالطبع كانت لنا بدائل.. يعني مثلا صار لكل إمام عندنا منصات دعوية عبارة عن مساجد أو منابر إلكترونية.

    فحينما فرض علينا الحجر إغلاق المساجد كما أغلق الحرمان الشريفان، وأغلق القدس وأغلقت مساجد العالم الإسلامي في كل دولة، وذلك لقطع سلسلة العدوى التي تنتشر عن طريق التجمعات، المهم حينما أغلقت المساجد لدينا في الجزائر، حاولنا إيجاد البديل، فاستطعنا أن نجعل لكل إمام وخطيب منصة يتابع منها جماهيره، ويمارس من خلالها دعوته.. بمعنى أدق: خلقنا واقعا افتراضيا بعدما أغلقت الجائحة واقعنا الحقيقي.

    وأصدقك القول كانت النتائج مذهلة.. يعني مثلا، متابعة الأئمة لطلابهم في مجال استظهار القرآن وحفظه أثمرت في فترة الحجر وعن طريق المنصات الـ"أون لاين" عن تحفيظ الطلاب القرآن الكريم كاملا في فترة الحجر، التي امتدت قرابة 9 أشهر، عن طريق التحاضر عن بعد، وقد حضرت تكريم الطلاب الذين حفظوا القرآن في هذه الفترة الوجيزة وهو في بيته.

    وهذا ما دفعنا إلى أن ننشيء منصة إلكترونية كبيرة لـ"إقرأ"، وأشركنا فيها الطلبة الجزائريين، والأفارقة وأوروبا، ونمت الفكرة وأصبح لدينا معاهد قرآنية افتراضية يسجل فيها الطالب الذي يريد أن يحفظ أو ينال شهادة في القراءات العشر مثلا.

    فمن دون شك، قد انخرطت وزارة الأوقاف في هذا المجال، واستطعنا تحويل هذه المحنة والوباء إلى منحة، خاصة وأن الناس في أوقات المحن يقبلون على الغذاء الروحي الذي يعينهم على تحمل آثار تلك المحنة، وهو ما جعل الإقبال على المنصات الدينية للأئمة عندنا في هذا الوقت كبيرا، فصار روادها أضعاف أضعاف رواد المساجد في الجزائر.

    ولما كانت الفتوى من أهم ما يحتاجه المسلم في تلك الأزمة، صار الإقبال على تلك المنصات الافتراضية كبيرا أيضًا، وقد صنعنا تطبيقًا إلكترونيًا، أصبح المسلم الجزائري، ومن خلال هاتفه، أن يصل إلى الفتوى التي يريدها من خلال جهد الوزارة وأئمتها.

    ما دمت تحدثتم عن الفتوى.. تعلم أن كورونا فرضت واقعا إفتائيا جديدا، فمثلا يتساءل الجزائريون الآن على مواقع التواصل عن مدى جواز دفع أموال الزكاة في شراء المستلزمات الطبية خاصة اسطوانات الأكسجين؟

    نعم.. لدينا في اللجنة الوزارية للفتوى، مع اللجنة الوطنية للزكاة عمل مستمر، وقد أفتينا مثلا بجواز تقديم الزكاة لعامين، بمعنى عدم انتظار موعد إخراجها ومرور الحول عليها، وذلك لمساعدة أصحاب الحاجات في ظل هذه الأزمة.

    شيء آخر أفتينا بسعة مصرف "في سبيل الله"، تعلم أن مصارف الزكاة ثمانية منصوص عليها في القرآن الكريم، وبالتالي كانت فتوانا بتوسيع هذا المصرف ليشمل أمورا كهذه، فمثلا يمكنك إخراج زكاتك في شراء الأدوية، في شراء المطهرات، في شراء الكمامات وتوزيعها، فكلها أمور تقي المجتمع من عدوى الوباء.

    وهكذا استطعنا بفضل الله أن نوجه الناس إلى سعة الفقه الإسلامي، الذي تأتي أحكامه كلها من أجل التيسير على المجتمع وعلى الناس، ويتكيف مع الزمان والمكان، فالأحكام تتغير وتتبدل بتغير الأزمنة والأمكنة والأعراف والأحوال... وهكذا.

    بوصفكم المسؤول الأول عن الخطاب الديني في الجزائر... هناك حديث متصاعد عن أسباب حرائق الغابات لديكم، والبعض على منصات التواصل الجزائرية يقول إن التجار هم من يقومون بتلك الحرائق لأغراض تجارية تخص الفحم وما إلى ذلك، فماذا تقولون لهؤلاء؟

    هذا ليس صحيحا.. دعني أؤكد لك أولا أن الخطاب الديني لدينا خطاب يجمع ولا يفرق، خطاب يبني ولا يهدم، خطاب يضع السكينة والطمأنينة في المجتمع، خطاب يلملم جراحات الناس، وكما أن الإمام يسهم في إصلاح ذات البين بين الزوج والزوجة في حال الخلاف مثلا، ويسهم في حل مشكلات الحي الذي يقطن فيه لثقة الناس به، فهو كذلك يسهم في حل مشكلات أخرى.

    وبالتالي، أي آفةٍ من الآفات التي يتعرض لها المجتمع يكون فيها غش أو طمع من أحد أطرافه في تحقيق الربح السريع على حساب بقية المواطنين فإن الإمام والخطاب الديني الذي يحمله يكونان حاضرين وبقوة، ليعلمان الجميع حدود الله في تلك الأمور، ليسوا أوصياء على أحد ولا يحاكمون أحدا، بل هم يظهرون للناس أحكام دينهم، ويحذرونهم من مغبة أفعالهم.

    بعض ما يشغل بال الجزائريين الآن هو موضوع الهجرة غير الشرعية، والجنة الموعودة التي يبحث عنها الشباب من خلال قوارب الموت في البحر.. كيف يسهم الخطاب الديني بوصفكم المسؤول الأول عنه في الجزائر في إعادة بوصلة الشباب؟

    أولا هذا الأمر لا تعرفه الجزائر وحدها، يكاد يكون مشكلة عالمية في كل البلاد المشرفة على سواحل تربطها بأوروبا، وتعلم أن أفريقيا وقعت فيها كثير من الفتن والاضطرابات والحروب، مع الفقر وأزمات أخرى، كل ذلك دفع الشباب دفعا إلى النزوح للشمال بحثا عن الجنة الموعودة التي يحلمون بها.

    أيضا حدث ذلك في مجتمعات عربية كمصر وليبيا والمغرب والجزائر، ربما لأسباب متنوعة، المهم أن خطابنا كان يرتكز على إظهار حرمة ركوب المخاطر، وبالعكس قمنا بالكثير من الريبورتاجات لشباب قدموا إلى تلك الأماكن، وندموا على ذلك ندما شديدا، وصدرناها لغيرهم ليدركوا أن الأمر ليس كما يحلمون.

    وبالتالي، وضعنا بالتعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى آليات اجتماعية وفكرية، لكي يعطى الشباب فرصا في العمل والقيادة، إضافة إلى أننا وجدنا بعض الدوافع ربما تكون أسرية من واقع حياته الشخصية، ولذلك لابد من معالجتها بطريقة ما.

    تعلم معالي الوزير أن الجزائر شأنها شأن بلدان كثيرة فيها تناقضات بين الأيدلوجيات.. هناك سلفيون في أقصى اليمين وهناك علمانيون تغريبيون في الأقصى المقابل.. ما دور الخطاب الديني في ضبط عملية التعايش بين الفرقاء بالجزائر؟

    كما أسلفت.. خطابنا الديني في الجزائر خطاب تجميع وبناء، وليس فرقة وهدما، والأهم أنه خطاب علمي بنص القرآن الكريم، وليس خطاب دروشة، فما جاء به الإسلام هو العلم واليقين والاستقرار، والقرآن الكريم تحدث عن أن الكون تم خلقه بإتقان، "إنا كل شيء خلقناه بقدر"، وقال تعالى: "والسماء رفعها ووضع الميزان"، إذن كل شيء يسير وفق قانون.

    وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك تطرف إلا على أساس وجود فساد، وهو مرفوض من كل جهة، حتى لو ادعى أصحابه الدفاع عن الإسلام، ونحن بحمد الله تعالى في الجزائر هناك أفكار تطرح لكن لم تصل إلى حد حدوث صدام عنيف بين الطرفين.

    وبالنسبة لنا في وزارة الأوقاف الجزائرية عندما نجد التطرف نتدخل نحن بخطاب من النوع الذي تحدثت عنه، خطاب يعلي منهج الحوار، خطاب يضع النقاط على الحروف عن طريق بيان الشبهات، ويدعو الناس إلى الحوار في كل أحوالهم، ونستخدم في سبيل ذلك آليات وأدوات كثيرة، مثل الكتابة، التأليف، الحصص المتلفزة، واستطعنا في أوقات كثيرة أن نقرب وجهات النظر بين الفرقاء، حتى وصلنا إلى هذه الصيغة الموجودة في الجزائر.

    وهنا أؤكد.. نحن دعاة حوار لا دعاة صدام، وأنقل هنا ما قاله أشياخنا من قبل: نحن لا نخشى إبليس حتى إذا أراد أن يحاورنا.. لأن صاحب الحجة لا يخشى من شيء.

    وأنا كتبت موضوعا يوما ما عنوانه العنف لغة العاجزين.. فالعالم يستطيع أن يحاور في كل وقت ولا يخشى أحدا أما العاجز الذي يفقد الحجة والبرهان هو الذي يلجأ للضرب والصوت العالي، وليحفظ الشباب عني أن الحق لا يمكن أن ينتشر بصوت جهير أبدا.

    حوار/إسلام عبد العزيز

    انظر أيضا:

    وزير الأوقاف الجزائري: مشروع تعديل الدستور يضع البلاد على الطريق الصحيح
    وزير الأوقاف الجزائري: وضعنا مساجد العاصمة تحت تصرف وزارة الصحة
    الأوقاف الجزائرية: المقارنة بين المساجد والأسواق في رفع الحجر "مغلوطة"
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Sputnikالتعليق بواسطة Facebook