20:43 24 يونيو/ حزيران 2018
مباشر
    فلاديمير بوتين

    قصة ظهور اللبن "كيفير" في روسيا

    © Sputnik . Vladimir Radionov
    منوعات
    انسخ الرابط
    0 204

    قبل 100 عام ظهر في المحلات التجارية في موسكو ولأول مرة شراب صحي من مشتقات الحليب، ومنذ اللحظة الأولى بدأ الناس يقفون في طوابير ضخمة للحصول على هذا الشراب الذي أطلق عليه اسم "كيفير" ويعني باللغة الروسية اللبن الرائب.

    حالياً يمكن الحصول على هذا الشراب في أي متجر أو محل تجاري روسي يبيع مشتقات الحليب، ولكن وحتى بداية القرن العشرين كان هذا اللبن الرائب في روسيا يعتبر من المشروبات الخاصة بالنخبة.

    يتم تحضير "الكيفير" من حليب البقر وبكتيريا حمض اللاكتيك، وهذه البكتيريا هي مجموعة من الكائنات الحية الدقيقة المفيدة لصحة الإنسان. بالطبع لم يكن هناك أي مشكلة فيما يتعلق بالحليب، ولكن الحصول على البكتيريا كان أمراً معقداً آنذاك…فالعلماء لم يكونوا يعرفوا كيف يمكن استخراجه في المختبرات، مع الإشارة إلى أن شعوب شمال القوقاز وبالتحديد في مناطق قراشاي وبلقاريا كانوا على علم بسر الحصول على هذه البكتيريا لكنهم احتفظوا به لأنفسهم فقط. ولهذا كان على الأثرياء والنبلاء الروس التوجه في رحلة طويلة وخطيرة إلى مناطق شمال القوقاز.

    أطلق السكان المحليون على الرائب اسم "حبوب محمد" أو "دخن محمد". وتقول الأسطورة القديمة بأن النبي محمد "صلّى الله عليه وسلّم" جلب هذه الحبوب الصفراء كهدية إلى سكان الجبال في القوقاز وعلمهم كيف تتم عملية تحضير هذا الشراب الصحي "كيفير". الوصفة بسيطة وهي تتضمن سكب الحليب في وعاء من الجلد ومن ثم إضافة مادة الرائب عليه، وبعد ذلك يتم إغلاق الوعاء بشكل جيد ووضعه على حافة الطريق بالقرب من المنزل تحت أشعة الشمس، حيث كان بإمكان المارة ركل هذا الوعاء الجلدي بقدمه، وبهذا يكون كل شخص يمر من جانب المنزل يعبّر عن احترامه بذلك لصاحب هذا الوعاء، في حين أن طريقة الهز هذه كانت تساعد على تخمّر الحليب. بطبيعة الحال حافظ سكان مرتفعات القوقاز بسريّة كاملة على بكتيريا الكيفير ولم يقوموا ببيع البكتيريا أو إعطائها لأحد وذلك لاعتقاد منهم بأنه سوف يفقد قوته السحرية في حال انتشارها، وبالتالي كان بانتظار أولئك، الذين تجرؤوا على الإفراط بحبوب النبي هذه، مشاكل كبيرة.

    وفي عام 1908 قرر نيكولاي بلاندوف، وهو أحد أشهر مصنّعي منتجات الحليب في موسكو، الحصول على "دخن النبي" السحري من سكان جبال القوقاز، وأوعز بذلك لمساعدته إيرينا ساخاروفا البالغة 20 عاماً التي كانت لا تتميز فقط بجمالها وإنما بذكائها ودهائها، وهي أيضاً الفتاة التي فازت قبل عام واحد فقط بالميدالية الذهبية في المعرض الدولي الذي أقيم في باريس لعرضها وصفة مميزة لصناعة الزبدة. أرسل بلاندوف إيرينا إلى ملك قراشاي والذي كان يدعى بايتشوروف وهو أكبر مورد للحليب والجبن في شمال القوقاز. والحجة كانت إجراء مفاوضات تجارية بين الطرفين، أما في حقيقة الأمر فقد كان بلاندوف يأمل بأن تسحر هذه الفتاة بجمالها الملك العصي وإقناعه لبيع بكتيريا الكيفير.

    استضاف الملك بايتشوروف الفتاة بكل حفاوة وكرم وأغدقها بكلمات المديح ووعدها أن يلبي جميع رغباتها. ولكن ما أن دار الحديث عن بكتيريا الكيفير، حتى انتقل الملك بدهاء للحديث عن موضوع آخر، وما كان على إيرينا إلا أن تقوم بجولة بين القرى في محاولة منها لشراء "دخن النبي" من قبل سكان الجبال لكنهم لم يرغبوا حتى الاستماع إليها.

    وفي يوم من الأيام ذهبت ساخاروفا مع مدير أعمال مصنع الحليب فاسيليف إلى مدينة كيسلوفودسك، وفجأة سمع طلق ناري! تبيّن أن بعض الفرسان بأقنعة سوداء قاموا بمحاصرة العربة التي كانت تقل إيرينا، وفي هذه الأثناء تقدم أحد الفرسان وأمسك بإيرينا ووضعها على السرج خلفه وهرع إلى الجبال. الذي تبين أن الفرسان جاؤوا بالفتاة المذعورة إلى منزل بايتشوروف، وبعد أن اعتذر الملك بكل لطف على هذه العادات القديمة التي تتميز بها المنطقة، طلب منها أن تتزوجه. لكن الفتاة الحسناء الروسية لم تقدّر هذه الدافع الرومانسي للملك، فهي كانت تريد أن تحصل على الرائب البكتيري وليس على قلبه، وبعد جدل طويل اكتسب الحديث لهجة حادة لم يكن آنذاك يعرف عقباه وخاتمته بالنسبة لهذه الفتاة العنيدة. في هذه الأثناء اقتحمت الشرطة فجأة بيت الملك بعد أن استدعاهم فاسيليف مرافق إيرينا. وذهب الأمر أبعد من ذلك إلى المحكمة، بالطبع لم يكن أحد يريد الفضيحة ولهذا اقترح القاضي على الطرفين الصلح، فقالت الشابة: "أنا أستطيع أن أغفر للملك فقط بشرط واحد- في حال قدم لي الرائب البكتيري هدية". وهنا استسلم الملك، وفي صباح اليوم التالي أرسل بكتيريا الكيفير وباقة كبيرة من الزهور الرائعة للفتاة الجميلة. عادت إيرينا إلى موسكو وبدأت في صناعة اللبن، حيث حصل مرضى مستشفى بوتكين في موسكو على أول دفعة من شراب الكيفير، وفي عام 1913 ظهر ولأول مرة هذا المشروب في محلات موسكو التجارية.

    للأسف ليست هناك معلومات تفصيلية عن مصير إيرينا ساخاروفا، ولكن المعروف أنها تزوجت وأنجبت ابناً وابنة، وعملت لفترة طويلة كمهندسة فنية في إحدى مصانع اللبن في العاصمة الروسية، وقدّر لها أن تعيش طويلاً إلى أن توفيت عام 1970. ولهذا فإننا اليوم عندما نشتري علبة من اللبن "الكيفير" لا نتذكر المرأة الساحرة والشجاعة التي كشفت النقاب عن سر هذا المشروب الرائع لجميع المواطنين الروس.

    الكلمات الدلالية:
    أسرار التاريخ, روسيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik