15:46 23 أغسطس/ أب 2017
مباشر
    الملكة إليزابيث الأولى

    لغز الملكة العذراء

    © Photo/ Public domain
    منوعات
    انسخ الرابط
    0 91850

    يبدو للقارئ من الوهلة الأولى بأن الحديث سوف يدور عن عصر الملكة إليزابيث التي عرفت بملكة العصر الذهبي، والملكة المباركة الفاضلة، وهي الحاكم الخامس والأخير من سلالة تيودور.

    مع الإشارة إلى أن ابنة الملك هنري الثامن حكمت انكلترا وأيرلندا من 17 من شهر تشرين الثاني/نوفمبر لعام 1558 وحتى وفاتها في عام 16033. لكن الحديث سوف يدور عن أحد أسرارها المتعلق بوفاة ايمي روبسارت التي لقيت حتفها بشكل مأساوي عام 1560 ولم يتم الكشف عن ملابسات هذه الحادثة حتى الآن. بالطبع يتساءل القارئ ما هو سر الاهتمام بهذه الشخصية وبحادثة وفاتها؟ نقول بأن ايمي كانت زوجة روبرت دادلي، ذاك الوسيم المحبب إلى قلب الملكة إليزابيث الأولى- الملكة العذراء. حتى أن الخبراء والمراقبين يؤكدون بأن وفاة ايمي باتت نقطة تحول في تاريخ الدولة آنذاك.

    بالطبع ظهرت على مر الزمن منذ ذلك العهد فرضيات عديدة حول وفاة ايمي روبسارت منها:

    • دادلي قتل زوجته من أجل الزواج من الملكة إليزابيث.
    • إليزابيث نفسها فعلت هذا. فقد عرف بأن الملكة كانت امرأة ذكية، وما كان لها أن تسمح بوقوع فضيحة الزواج.
    • من قتل ايمي هم مستشارو الملكة بهدف الإطاحة بدادلي.
    • يمكن أن يكون ما حدث محض صدفة.
    • يمكن أن يكون هذا انتحاراً.
    • ما قام بهذا العمل هم الخدم لإرضاء أسيادهم.
    • السبب يكمن في العلاقة التي كانت بين روبرت دادلي والملكة التي كانت تعشقه. وهذا ما أثار قلق الحاشية الملكية وسفراء الدول الأوروبية إذ أن الشائعات انتشرت في جميع أنحاء البلاد عن علاقة تربط روبرت وإليزابيث وزوجته ما زالت على قيد الحياة.
    الملكة إليزابيث الأولى
    © Photo/ Public domain
    الملكة إليزابيث الأولى

    الجدير بالذكر أن الملكة إليزابيث عينت دادلي كبير سائس الخيول الملكية. بالطبع فإن هذا المنصب ليس بذاك المقام المرموق، لكنه سمح لدادلي أن يكون ملازماً بشكل يومي إلى جانب الملكة، التي كانت تعشق ركوب الخيل والصيد، وبالتالي كان من الضروري لكبير سائس الخيول أن يكون معها، وأن يرافقها في جميع الزيارات الرسمية. لكن روبرت دادلي كان طموحاً وأراد الحصول على المزيد.

    أقضى دادلي جل وقته في القصر، ولم يكن لديه الوقت لقضائه مع ايمي. وكان يراها مرة واحدة كل ستة أشهر. وبما أنه لم يكن هناك منزل خاص كانت ايمي تنتقل من مكان إلى آخر، حيث عاشت لدى أصدقاء دادلي، الذين كانوا سعداء لاستضافة زوجة الشخصية المفضلة لدى الملكة، لكن هذا لم يكن يعجب ايمي.

    كيف توفيت ايمي روبسارت

    عثر الخدم على جثة ايمي عند سفح الدرج، وبدا الأمر كما لو كسرت رقبتها لدى سقوطها من الأعلى.

    بعد ذلك، انتشرت شائعات في جميع أنحاء البلاد بحيث لم يبق أمام وليام سيسيل إلا أن يتخذ قراراً بإجراء تحقيق كامل في حادثة الوفاة هذه لحماية الملكة وسمعتها. ونتيجة لهذا التحقيق، تم الإعلان رسمياً أن سبب وفاة ايمي روبسارت كان سقوطها العرضي من أعلى السلم. أياً كان الأمر فإن هذه الفرضية كانت مناسبة للجميع.

    في الوقت نفسه بدأ السكرتير الذكي سيسيل بنشر الشائعات بين الناس حول دادلي. والهدف منها كان إلحاق العار إلى الأبد بشخصية دادلي ومنع حدوث هذا الزواج المشين. وبالفعل تمكن من تحقيق هذا الغرض، بعدما تم توريط دادلي بهذه الشائعات السوداء.

    على كل حال فقد تم هدم المنزل الذي توفيت فيه ايمي منذ فترة طويلة، ولكن تم العثور في المحفوظات على المخطط الكامل للمبنى، الذي تم تصميمه في تلك الأيام. وتبين أن ايمي سقطت عندما كانت متجهة إلى الطابق السفلي، مع أنه من شبه المؤكد أن السلالم كانت من الحجر. لكن المدهش هو أن درجات السلم كانت خمس فقط.

    وبالتالي، يرى الخبراء من أن ذلك يدحض نظرية الانتحار تماماً. على الأقل لكي يكون الأمر قريباً من الحقيقة عليها أن تصعد إلى سطح المبنى. بالإضافة إلى ذلك، فإنه من غير المحتمل أن تكون الشابة القوية ايمي كسرت رقبتها أثناء سقوطها من مثل هذا الارتفاع الصغير.

    ولكن اتضح أنها لم تكن بصحة جيدة، إذ كتب السفراء في رسائلهم بأن ايمي كانت تعاني من مرض في الثدي، ربما كانت مصابة بسرطان الثدي. وإذا كان الأمر كذلك فإن الخلايا السرطانية يمكن أن تسبب تلفاً في عظام العمود الفقري، وخاصة الفقرات العنقية. فالسرطان يدمر الأنسجة اللينة في وسط العمود الفقري، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة في هشاشة العظام.

    في الآونة الأخيرة، تم إجراء تجربة على عظام الضأن والتي أظهرت أن في حال وجود مثل هذا المرض لدى ايمي لتسبب سقوطها في كسر الرقبة، وبالتالي الموت. هذا يعني أن وفاة ايمي يمكن أن يكون صدفة.

    ولكن هناك أدلة أخرى تتطلب مزيداً من التحقيقات. ففي عام 2007 تم نشر التقرير الأصلي لوفاة ايمي روبسارت، وهذا في حد ذاته أمر يستدعي الشبهات. فقد تحدث التقرير عن أمر لا يصدق، وهو أنه تم العثور على إصابتين في رأس ايمي إحداها بعمق 6 سم، والثانية 6 ملم، وهذه جروح قاتلة.

    وقد كشفت الفحوصات الحديثة أن الجروح هذه جاءت عن طريق الفعل العمد، ومن هنا يمكن أن نستنتج بأن ايمي ربما تعرضت للاغتيال.

    من قتل ايمي روبسارت؟ وهل الملكة متورطة في هذه الجريمة؟

    في ذلك الحين كانت إليزابيث تحكم بريطانيا مدة عامين، وكانت هذه الدولة تعتبر الأقوى في أوروبا. لكن مستشاري الملكة ومعظم المعنيين في البلاد كانوا قلقين حول فكرة بأن الملكة ما زالت غير متزوجة، ولهذا عرض العديد من الدول الأوروبية مرشحين ليكونوا أزواجاً محتملين للملكة، لكنها كانت ترفض في كل مرة. والجميع اعتقدوا بأن السبب يكمن في روبرت دادلي، الشخصية التي كانت تعشقها الملكة.

    والسؤال هل هذه هي الحقيقة؟ بالتأكيد كانت إليزابيث تحب روبرت، ولم يتزوج إلا بعد مرور 15 عاماً لكي يكون لديه من يرثه، وهذا كان أمر ضروري في ذلك العهد. وبالطبع أثار هذا الزواج غضب الملكة. لقد بقيت إليزابيث مع دادلي لسنوات عديدة حتى وفاته، علماً أنه وبحسب ما ورد في رسائل السفراء فقد أغلقت إليزابيث على نفسها عندما توفي، ولم تخرج لمدة أسبوع كامل متجاهلة جميع شؤون البلاد.

    ولكن من المعلوم أيضاً أنها لم تكن ترغب في أن تنطوي تحت لواء أي رجل وأن تمنحه العرش. فقد كانت إليزابيث ابنة آنا بولين التي اعتلت منصة الإعدام بناء على أوامر زوجها هنري الثامن. وقد تم الإعلان على أن زواج الملك من والدتها غير شرعي، وبالتالي فإن ابنتها إليزابيث ابنة غير شرعية. ومن هنا نفهم مخاوف إليزابيث من فكرة الزواج، إذ أنها كانت في السابعة والعشرين من عمرها وكانت الذاكرة مازالت حية.

    وبحسب ما ورد في رسالة السفير الإسباني أصبح معروفاً أن إليزابيث تحدثت وإياه عن وفاة ايمي قبل يومين من الكشف عن ملابسات هذه الحادثة.

    إذاً الفضيحة التي أثارتها حادثة وفاة ايمي كان في صالح الملكة التي لم تكن ترغب في الزواج من دادلي، وهذا كان عذرها أمام حبيبها الطموح التي لا طالما رغبت في أن تبقيه بجانبها.

    هل شارك روبرت دادلي في مقتل زوجته؟

    يعتقد المحللون والمراقبون بشكل غير رسمي ولعدة قرون مضت أن روبرت دادلي ربما كان له يد في وفاة زوجته. لكن للوهلة الأولى يبدو أنه لم يكن هناك ما يجبر دادلي على قتل زوجته ليعقد قرانه مع إليزابيث، الملكة التي كان يرغب بها دائماً، فقد كان من الكاف الحصول على الطلاق. إذ أن والد إليزابيث هنري الثامن بدل ست زوجات، وبعد ذلك أصبح الطلاق أمراً طبيعياً في انكلترا. كما كان يدرك دادلي بالطبع بأن سمعته بعد الطلاق سوف تستاء نهائياً، لكن الأمر كان يستحق ذلك.

    وبعد وفاة زوجته بدأ روبرت بكتابة رسائل عن هذه الحادثة، وكانت فحواها يدل على وجود حالة من الحيرة والصدمة والرعب، مما يشير إلى أنه كان مرتبكاً. وإذا لم تكن هذه الرسائل ملفقة أو مجرد خدعة من جانبه، فإنها تصلح لأن تكون بمثابة براءة له.

    وليم سيسل متهم بمقتل ايمي روبسارت؟

    الجدير بالذكر أن وليم سيسل الشخصية الثالثة المشتبه بها وهو وزير خارجية المجلس السري، كان يتمتع بنفوذ عظيم في انكلترا، فقد كان مساعداً مقرباً من الملكة حتى وفاته. وكان يعتقد هو أيضاً بأن روبرت دادلي يقف حجر عثر أمام زواج الملكة، في حين أن روبرت دادلي كان يعتقد بأن سيسل يحرض الملكة ضده، ولهذا كانا عدوين.

    لقد أودت هذه المواجهة إلى حقيقة أن نجم سيسل بدأ ينطفئ، وبالفعل كان وقتئذ يفكر بالتقاعد. وبالتالي فإن فضيحة وفاة ايمي كانت لصالح ذلك السياسي الذكي. إذ أن الشائعات حول ضلوع دادلي في وفاة زوجته منحت الفرصة لسيسل مرة أخرى استعادة القوة وأن يصبح مساعداً ومستشاراً والشخص الأقرب للملكة. ومن هنا كان بإمكان روبرت دادلي فقط نسيان زواجه أو منصبه والبقاء في مرتبة الشخصية المفضلة لدى الملكة فقط. وهذا ما حصل بعد ذلك بالفعل.

    كيف جرت الأحداث في واقع الأمر؟

    بالطبع لم يقدم النبلاء على هذا العمل الدنيء، وإذا ما اضطروا إلى ذلك فهناك الخدم المخلصين، الذين لم تصلنا أسماؤهم إلى يومنا هذا. ربما أبدى أحد الخدم نخوة فريدة لدى سماعه صدفة برغبة سيده في التخلص من ايمي، فأخذ هذه المهمة على عاتقه، علماً أن الخدم في ذلك الوقت كانوا مخلصين جداً لأسيادهم، حتى أن الأولين لم يكونوا يعتبرون هذا العمل مهمة قذرة. وكانوا يعتقدون بأن ارتكاب جريمة تلبية لإرادة الأسياد واجب ينبغي تأديته.

    وعلى الرغم من أننا لن نكون قادرين على معرفة الحقيقة ومعرفة الفاعل، لكن الواضح بأن مقتل ايمي كان يصب في صالح الجميع: السلطة والملكة إليزابيث وروبرت دادلي ووليام سيسيل. ومع ذلك لم تتزوج إليزابيث، إلا أنها برهنت لأول مرة في تاريخ العصور الوسطى بأن المرأة يمكن أن تحكم أفضل من الرجال. إذ أن العصر الإليزابيثي كان الأكثر نجاحاً في تاريخ إنكلترا.

    الكلمات الدلالية:
    أسرار التاريخ, بريطانيا
    معايير المجتمعنقاش
    التعليق بواسطة Facebookالتعليق بواسطة Sputnik